محاسن الكلام

(٤){وَ لَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لَا نَصِيرًا(٢٢)}سورة الفتح

«المعرّة» من مادة «عرّ» على زنة «شرّ» «و العرّ على زنة الحر» في الأصل معناه مرض الجرب و هو من الأمراض الجلدية التي تصيب الحيوانات أو الإنسان أحيانا ثمّ توسّعوا في المعنى فأطلقوا هذا اللفظ على كلّ ضرر يصيب الإنسان.

و لإكمال الموضوع تضيف الآية: لِيُدْخِلَ اَللّٰهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشٰاءُ‌ .

أجل، كان اللّه يريد للمستضعفين المؤمنين من أهل مكّة أن تشملهم الرحمة و لا تنالهم أية صدمة..

كما يرد هذا الاحتمال أيضا و هو أنّ أحد أهداف صلح الحديبيّة أنّ من المشركين من فيه قابلية الهداية فيهتدي ببركة هذا الصلح و يدخل في رحمة اللّه.

و التعبير ب‍ «من يشاء» يراد منه الذين فيهم اللياقة و الجدارة، لأنّ مشيئة اللّه تنبع من حكمته دائما، و الحكيم لا يشاء إلا بدليل و لا يعمل عملا دون دقّة و حساب..

و لمزيد التأكيد تضيف الآية الكريمة: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً أي لو افترقت و انفصلت صفوف المؤمنين و الكفار في مكّة و لم يكن هناك خطر على المؤمنين لعذّبنا الكفار بأيديكم عذابا أليما.

صحيح أنّ اللّه قادر على أن يفصل هذه الجماعة عن الآخرين عن طريق الإعجاز، و لكنّ سنّة اللّه في ما عدا الموارد الاستثنائية أن تكون الأمور وفقا للأسباب العاديّة.

جملة «تزيلوا» من مادة زوال، و هنا معناها الانفصال و التفرّق.

و يستفاد من روايات متعدّدة منقولة عن طرق الشيعة و السنّة حول ذيل هذه الآية أنّ المراد منها أفراد مؤمنون كانوا في أصلاب الكافرين و اللّه سبحانه لأجل هؤلاء لم يعذّب الكافرين..

و من جملة هذه الروايات نقرأ في الرواية أنّه سأل رجل الإمام الصادق عليه السّلام: ألم يكن علي عليه السّلام قويا في دين اللّه‌؟ قال عليه السّلام: بلى.
فقال: فعلام إذ سلّط على قوم (في الجمل) لم يفتك بهم فما كان منعه من ذلك‌؟! فقال الإمام: آية في القرآن! فقال الرجل: و أية آية‌؟! فقال الصادق عليه السّلام قوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً ..
ثمّ أضاف عليه السّلام: أنّه كان للّه عزّ و جلّ و ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين و منافقين، و لم يكن علي ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع.. و كذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتى تظهر و ودائع اللّه عزّ و جلّ‌ .

أي أن اللّه سبحانه يعلم أنّ جماعة سيولدون منهم في ما بعد و سيؤمنون عن اختيارهم و إرادتهم و لأجلهم لم يعذب اللّه آباءهم و قد أورد هذا القرطبي في تفسيره بعبارة اخرى.

و لا يمنع أن تكون الآية مشيرة إلى المؤمنين المختلطين بالكفّار في مكّة و إلى المؤمنين الذين هم في أصلاب الكافرين و سيولدون في ما بعد!..

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١٦ ص٤٧٧.
__
#محاسن_الكلام #مدرسة_أهل_البيت

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى