
و يذكر سبحانه مثالا لبداية و نهاية الحياة و يجسّد الدنيا أمام أعين الناس بهذه الصورة حيث يقول سبحانه: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفّٰارَ نَبٰاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرٰاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطٰاماً .
«كفّار» هنا ليس بمعنى الأشخاص غير المؤمنين، و لكن بمعنى «الزرّاع» لأنّ أصل الكفر هو التغطية، و بما أنّ الزارع عند ما ينثر البذور يغطّيها بالتراب، فقد قيل له كافر، و يقال أنّ «الكر» جاء بمعنى القبر أحيانا، لأنّه يغطّي جسم الميّت كما ورد في (سورة الفتح الآية/ ٢٩).
و في الحديث عن النمو السريع للنبات يقول تعالى: يُعْجِبُ اَلزُّرّٰاعَ إذ وردت هنا كلمة «الزرّاع» بدلا من الكفّار.
و يحتمل بعض المفسّرين أيضا أنّ المقصود من «الكفّار» هنا هو نفس الكفر باللّه تعالى و ذكروا عدّة توجيهات لهذا، و الظاهر أنّ هذا التّفسير لا يتناسب و سياق الآية، إذ أنّ المؤمن و الكافر شريكان في هذا التعجّب.
(حطام) من مادّة (حطم) بمعنى التكسير و التفتيت، و يطلق على الأجزاء المتناثرة للتبن (حطام) و هي التي تأخذها الرياح باتّجاهات مختلفة.
إنّ المراحل التي يمرّ بها الإنسان مدّة سبعين سنة أو أكثر تظهر في النبات بعدّة أشهر، و يستطيع الإنسان أن يسكن بجوار المزرعة و يراقب بداية و نهاية العمر في وقت قصير.
ثمّ يتطرّق القرآن الكريم إلى حصيلة العمر و نتيجته النهائية حيث يقول سبحانه: وَ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰانٌ .
و أخيرا تنهي الآية حديثها بهذه الجملة: وَ مَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا إِلاّٰ مَتٰاعُ اَلْغُرُورِ .
«غرور» في الأصل من مادّة (غرّ) على وزن «حرّ» بمعنى الأثر الظاهر للشيء، و يقال (غرّة) للأثر الظاهر في جبهة الحصان، ثمّ أطلقت الكلمة على حالة الغفلة، حيث أنّ ظاهر الإنسان واع، و لكنّه غافل في الحقيقة، و تستعمل أيضا بمعنى الخدعة و الحيلة.
«المتاع» بمعنى كلّ نوع و وسيلة يستفاد منها، و بناء على هذا فإنّ جملة (الدنيا متاع الغرور) كما جاءت في قوله تعالى: وَ مَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا إِلاّٰ مَتٰاعُ اَلْغُرُورِ تعني أنّها وسيلة و أداة للحيلة و الخدعة للفرد و للآخرين.
و طبيعي أنّ هذا المعنى وارد في الأشخاص الذين يعتبرون الدنيا هدفهم النهائي، و تكون منتهى غاياتهم، و لكن إذا كانت الهبات المادية في هذا العالم وسيلة للوصول بالإنسان للسعادة الأبدية، فذلك لا يعدّ من الدنيا، بل ستكون جسرا و قنطرة و مزرعة للآخرة التي ستتحقّق فيها تلك الأهداف الكبيرة حقّا.
من البديهي أنّ النظر إلى الدنيا باعتبار أنّها «مقرّ» أو «جسر» سوف يعطي للإنسان توجّهين مختلفين، الأوّل: يكون سببا للنزاع و الفساد و التجاوز و الظلم، و الطغيان و الغفلة، و الثاني: وسيلة للوعي و التضحية و الاخوة و الإيثار.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١٨ ص٥٤.
__
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT



