محاسن الكلام

{وَ يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَ لَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ(٥٢)} هود

قوله تعالى: «وَ يٰا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ‌ مِدْرٰاراً» إلى آخر الآية تقدم الكلام في معنى قوله: «اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‌» في صدر السورة.

و قوله: «يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراً» في موقع الجزاء لقوله: « اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ‌ » إلخ، أي إن تستغفروه و تتوبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا، و المراد بالسماء السحاب فإن كل ما علا و أظل فهو سماء، و قيل المطر و هو شائع في الاستعمال، و المدرار مبالغة من الدر، و أصل الدر اللبن ثم أستعير للمطر و لكل فائدة و نفع فإرسال السماء مدرارا إرسال سحب تمطر أمطارا متتابعة نافعة تحيى بها الأرض و ينبت الزرع و العشب، و تنضر بها الجنات و البساتين.

و قوله: «وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ‌» قيل المراد بها زيادة قوة الإيمان على قوة الأبدان و قد كان القوم أولي قوة و شدة في أبدانهم و لو أنهم آمنوا انضافت قوة الإيمان على قوة أبدانهم و قيل المراد بها قوة الأبدان كما قال نوح لقومه : «اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كٰانَ غَفّٰاراً يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراًوَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰالٍ‌ وَ بَنِينَ‌:» نوح: ١٢ و لعل التعميم أولى.

و قوله: «وَ لاٰ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ‌» بمنزلة التفسير لقوله: «اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‌» أي إن عبادتكم لما اتخذتموه من الآلهة دون الله إجرام منكم و معصية توجب نزول السخط الإلهي عليكم فاستغفروا الله من إجرامكم و ارجعوا إليه بالإيمان حتى يرحمكم بإرسال سحب هاطلة ممطرة و زيادة قوة إلى قوتكم.

و في الآية «أولا» إشعار أو دلالة على أنهم كانوا مبتلين بإمساك السماء و الجدب و السنة كما ربما أومأ إليه قوله: «يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ‌» و كذا قولهم على ما حكاه الله تعالى في موضع آخر : «فَلَمّٰا رَأَوْهُ عٰارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قٰالُوا هٰذٰا عٰارِضٌ مُمْطِرُنٰا بَلْ‌ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهٰا عَذٰابٌ أَلِيمٌ‌» الأحقاف: ٢٤.

و ثانيا: أن هناك ارتباطا تاما بين الأعمال الإنسانية و بين الحوادث الكونية التي تمسه فالأعمال الصالحة توجب فيضان الخيرات و نزول البركات، و الأعمال الطالحة تستدعي تتابع البلايا و المحن، و تجلب النقمة و الشقوة و الهلكة كما يشير إليه قوله تعالى : «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ‌:» الآية‌الأعراف: ٩٦، و قد تقدم تفصيل الكلام فيه في بيان الآيات ٩٤١٠٢ من سورة الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب، و في أحكام الأعمال في الجزء الثاني منه.

الميزان في تفسير القرآن: ج ١٠ ص ٢٩٩.
__

مدرسةأهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى