مقالات

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا … ﴾

بسم الله الرحمن الرّحيم

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا … ﴾ 1

لم يبق ذو حس وشعور في شرق الارض وغربها، إلّا وقد احسَّ وشعر بضرورة الاتحاد والاتفاق، ومضرَّة الفرقة والاختلاف، حتى أصبح هذا الحس والشعور أمراً وجدانياً محسوساً يحسُّ به كلُّ فرد من المسلمين، كما يحسُّ بعوارضه الشخصية مِنْ صحته وسقمه، وجوعه وعطشه، وذلك بفضل الجهود التي قام بها جملة من أفذاذ الرجال المصلحين في هذه العصور الأَخيرة، الذين أهابوا بالمجتمع الاسلامي، وصرخوا فيه صرخة المعلِّم الماهر، وتمثَّلوا للمسلمين بمثال الطبيب النطاسي 2 الذي شخص الداء وحصر الدواء، واصاب الهدف بما عيَّن ووصف، وبعث النفوس بعثاً حثيثاً، وشوَّقها إلى استعمال الدواء لقطع مادة ذلك الداء الخبيث، والعلل والأَمراض المهلكة، قبل أنْ تقضي على هذا الجسد الحي، فيدخل في خبر كان، ويعود كأمس الدابر.
صرخ المصلحون فسمع المسلمون كلّهم عظيم صرخاتهم بأنَّ داء المسلمين تفرُّقهم وتضارب بعضهم ببعض، ودواؤهم ـ الذي لا يصلح آخرهم إلا به كما لا يصلح إلا عليه أولهم ـ ألا وهو الاتفاق والوحدة، ومؤازرة بعضهم لبعض، ونبذ التشاحن، وطرح بواعث البغضاء والأَحن والاحقاد تحت اقدامهم، ولم يزل السعي لهذا المقصد السامي، والغرض الشريف إلى اليوم دأب رجالات أنار الله بصائرهم، وشحذ عزائمهم، وأشعل جذوة الاخلاص لصالح هذه الاُمَّة من وراء شغاف افئدتهم، فما انفكُّوا يدعون إلى تلك الوحدة المقدسة «وحدة أبناء التوحيد» وانضمام جميع المسلمين تحت راية «لا إله إلا الله محمَّد رسول الله» من غير فرق بين عناصرهم، ولا بين مذاهبهم.
يدعون إلى هذه الجامعة السامية، والعروة الوثقى، والسبب المتين الذي أمر الله تعالى بالاعتصام به، والحبل القوي الذي امر الله عزَّ وجلَّ به أنْ يُوصل، يدعون اليها لأنَّها هي الحياة، وبها النجاة للامَّة الاسلامية، وإلا فالهلاك المؤبَّد، والموت المخلَّد.
اُولئك دعاة الوحدة، وحملة مشعل التوحيد، اُولئك دعاة الحقِّ، وأنبياء الحقيقة، ورسل الله إلى عباده في هذا العصر، يجدِّدون من معالم الاسلام ما درس، ويرفعون من منار المحمَّدية ما طمس، وكان بفضل تلك المساعي الدائبة، والجهود المستمرة من اُولئك الرجال (وقليلٌ ما هم) قد بدت بشائر الخير، وظهرت طلائع النجاح، ودبَّت وتسرَّبت في نفوس المسلمين تلك الروح الطاهرة، وصار يتقارب بعضهم من بعض، ويتعرَّض فريق لفريق، وكان أوَّل بزوغ تلك الحقيقة، ونمو لبذر تلك الفكرة، ما حدث بين المسلمين قبل بضعة أعوام في المؤتمر الاسلامي العام في القدس الشريف 3، من اجتماع ثلَّة من كبار المسلمين، وتداولهم في الشؤون الاسلامية، وتبادل الثقة والاخاء فيما بينهم، على اختلافهم في المذاهب والقومية، وتباعد اقطارهم وديارهم، ذلك الاجتماع الذي هو الأوَّل من نوعه والوحيد في بابه، الذي علَّق عليه سائر المسلمين الأمال الجسام، فكان قرَّة عين المسلمين، كما كان قذى عيون المستعمرين، والذي حسبوا له الف حساب، واوصدوا دونه ـ حسب امكانهم ـ كلُّ باب ….
ولكن على رغم كلُّ ما اقام به اُولئك الاعلام من التمهيدات لتلك الغاية، وما بذلوه من التضحيات والمفادات في غرس تلك البذرة، وتعاهدها بالعناية والرعاية، حتى تثمر الثمر الجني، وتأخذ حظَّها من الرسوخ والقوة، لا نزال نحن ـ معاشر المسلمين ـ بالنظر العام نتعلَّق بحبال الامال، ونكتفي بالأقوال عن الاعمال، وندور على دوائر الظواهر والمظاهر، دون الحقائق والجواهر، ندور على القشور ولا نعرف كيف نصل إلى اللب، على العكس مما كان عليه أسلافنا، أهل الجدِّ والنشاط، أهل الصدق في العمل قبل القول، وفي العزائم قبل الحديث، تلك السجايا الجبارةِ التي اخذها عنهم الاغيار فسبقونا، وكان السبق لنا، وكانت لنا الدائرة عليهم فأصبحت علينا تلك ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ 4 .
نحن نحسب أنَّنا إذا قلنا: قد اتحدنا وَاتفقنا، وملأَنا بتلك الكلمات لهواتنا وأشداقنا، وشحنا بها صحفنا وأوراقنا، نحسب بهذا ومثله يحصل الغرض المهم من الاتحاد، ونكون كاُمة من الأُمم الحيَّة التي نالت بوحدتها عزَّها وشرفها، وأخذت المستوى الذي يحقُّ لها. ولذلك تجدنا لا نزداد إلّا هبوطاً، ولا تنال مساعينا إلّا إخفاقأً وحبوطاً، لا تجد لأَقوالنا واعمالنا اثراً، إلّا اننا نأنس بها ساعة سماعنا لها وما هي بعد ذلك إلا ﴿ … كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا … ﴾ 5 . ويستحيل لو بقي المسلمَون على هذا الحال أنْ تقوم لهم قائمة، أو تجتمع لهم كلمة، أو تثبت لهم في المجتمع البشري دعامة، ولو ملئوا الصحف والطوامير، وشحنوا أرجاء الارض وآفاق السماء بألفاظ الاتحاد والوحدة، وكلّ ما يُشتق منها ويرادفها، بل ولو صاغوا سبائك الخطب منها باساليب البلاغة، ونظموا فيها عقود جواهر الابداع والبراعة، كلُّ ذلك لا يجدي إذا لم يندفعوا إلى العمل الجدي، والحركة الجوهرية، ويحرِّروا أخلاقهم وملكاتهم، ويكبحوا جماح أهوائهم ونفوسهم، بارسان 6 العقل والروية، والحنكة والحكمة، فيجد كلُّ مسلم أنَّ مصلحة أخيه المسلم هي مصلحة نفسه، فيسعى لها كما يسعى لمصالح ذاته، ذلك حيث ينزع الغلَّ من صدره، والحقد من قلبه، وينظر كلُّ من المسلمين الى الآخر ـ مهما كان ـ نظر الاخاء لا نظر العداء، وبعين الرضا لا بعين السخط، وبلحاظ الرحمة لا الغضب والنقمة.
ذاك حيث يحس بوجدانه، ويجد بضرورة حسه، أنَّ عزَّه بعزِّ اخوانه، وقوَّته بقوَّة أعوانه، وأنَّ كلُّ واحد منهم عون للآخر .. فهل يتقاعس عن تقوية عونه، وتعزيز عزِّه وصونه ..؟
كلا، ثم إذا كان التخلُّق بهذا الخلق الشريف عسيراً لا يُنال، وشأواً متعالياً لا يُدرك، ولا يستطيع المسلم أنْ يُواسي أخاه ألمسلم، وأنْ يُحب لأَخيه المسلم ما يُحب لنفسه، وأنْ يجد أنَّ صلاحه بصلاح اُمَّته، وعزَّه بعزَّة قومه، فلا أقل من التناصف والتعادل، والمشاطرة والتوازن، فلا يجحد المسلم لأخيه حقَّاً، ولا يبخسه كيلاً، ولا يطفِّف له وزناً … والاصل والملاك في كلُّ ذلك: اقتلاع رذيلة الحرص، والجشع، والغلبة، والاستئثار، والحسد، والتنافس. فإنَّ هذه الرذائل سلسلة شقاء، وحلقات بلاء، يتصل بعضها ببعض، ويجر بعضها إلى بعض، حتى تنتهي إلى هلاك الاُمَّة التي تتغلغل فيها، ثم تهوي بها إلى أحط مهاوي الشقاء والتعاسة.
والبذرة الأُولى لكلٍ من تلك الثمار الموبوءة هو: حب الاثرة. وقد قيل: الاستئثار يُوجب الحسد، والحسد يُوجب البغضاء، والبغضاء تُوجب الاختلاف، والاختلاف يُوجب الفرقة، والفرقة تُوجب الضعف، والضعف يُوجب الذل، والذلُّ يوجب زوال الدولة، وزاول النعمة، وهلاك الاُمَّة … والتأريخ يحدِّثنا، والعيان والوجدان يشهدان لنا شهادة حقٍ: أنَّه حيث تكون تلك السخائم والمآثم، فهناك: فناء الأُمم، وموت الهمم، وفشل العزائم، وتلاشي العناصر. هناك: الاستعباد والاستعمار، والهلكة والبوار، وتغلُّب الاجانب، وسيطرة العدو …
أمّا حيث تكون الآراء مجتمعة، والاهواء مؤتلفة، والقلوب متآلفة، والايدي مترادفة، والبصائر متناصرة، والعزائم متوازرة، فلا القلوب متضاغنة، ولا الصدور متشاحنة، ولا النفوس متدابرة، ولا الأَيدي متخاذلة، فهناك: العزُّ والبقاء، والعافية والنعماء، والقهر والقوة، والملك والثروة، والكرامة والسطوة، هناك يجعل الله لهم من مضائق البلاء فرجاً، ومن حلقات السوء مخرجاً، ويبدلهم العزَّ مكان الذلِّ، والأمن مكان الخوف. فيصبحوا ملوكاً حكّاماً، وأئمة أعلاماً.
وليعتبر المسلمون اليوم بحال آبائهم بالامس، كيف كانوا قبل الاسلام إخوان وبر ودبر، وأبناء حل وترحال، أذل الأُمم داراً، واشقاهم قراراً، لا جناح دعوة يأوون إلى كنفها، ولا ظل وحدة يستظلّون بفيئها، في أطواق بلاء، وإطباق جهل، من نيران حرب مشبوبة، وغارات مشنونة، إلى بنات موؤدة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، ودماء مهدورة 7.
ثم كيف أصبحوا بعد أنْ جمع الله بالإسلام كلمتهم، وعقد بدين التوحيد وحدتهم، ونشر على دعوة الحقِّ رايتهم. هنالك نشرت الرحمة عليهم جناح كرامتها، وأسالت لهم جداول نعيمها، حتى تربَّعت الايام بهم في ظل سلطان قاهر، وآوتهم الوحدة إلى كنف عزِّ غالب، وتعطَّفت الاُمور عليهم في ذرى ملك ثابت. فما عتموا أنْ أصبحوا ـ بعد ذلك الذلِّ وتلك الهنّات ـ حكاماً على العالمين، وملوكاً في أطراف الارضين، يملكون الأُمور على من كان يملكها عليهم، ويُمضون الاحكام فيمن كان يُمضيها فيهم. لا تُغمز لهم قناة، ولا تُقرع لهم صفات … ذاك يوم كان للمسلمين وحدة جامعة، واُخوة صادقة. يوم كانوا متحدين بحقيقة الوحدة وصحيح الاخاء. يوم كانت مصالح المسلمين مشتركة، ومنافعهم متبادلة، وعزائمهم متكافلة، ولا يجد المسلم من أخيه فيما يهمه إلا كلُّ نصر ومعونة، ورعاية وكفاية.
ثم دارت الدوائر، ودالت الايام والايام دول، وأصبح المسلم لا يجد من أخيه القريب ـ فضلاً عن البعيد ـ إلا القطيعة ـ بل الوقيعة ـ ولا يرتقب منه إلّا المخاوف ـ بل المتالف ـ ولا يحذر من عدوه الكافر أكثر من حذره من أخيه المسلم، فكيف يُرجى ـ وحال المسلمين هذه ـ أنْ تقوم لهم قائمة، أو تُشاد لهم دعامة.
وهيهات أنْ يسعدوا ما لم يتحدوا، وهيهات أنْ يتحدوا ما لم يتساعدوا … فيا أيُّها المسلمون لا تبلغون الاتحاد الذي بلغ به اباؤكم ما بلغوا بتزويق الالفاظ، وتنميق العبارات، أو نشر الخطب والمقالات، وضجيج الصحف وعجيج الاقلام … ليس الاتحاد الفاظاً فارغة، واقوالاً بليغة وحِكَماً بالغة مهما بلغت من أوج البلاغة، وشأو الفصاحة … ملاك الاتحاد، وحقيقة التوحيد هنا: صفاء نية، واخلاص طوية، واعمال جد ونشاط.
الاتحاد سجايا وصفات، وأعمال وملكات، ملكات راسخة، وأخلاق فاضلة، وحقائق راهنة، ونفوس متضامنة، وسجايا شريفة، وعواطف كريمة. الاتحاد أنْ يتبادل المسلمون المنافع، ويشتركوا في الفوائد، ويأخذوا بموازين القسط، وقوانين العدل، ونواميس النصف. فإذا كان في قطر من الاقطار كسوريا والعراق طائفتان من المسلمين أو أكثر فالواجب أنْ يفترضوا جميعاً أنفسهم كأخوين شقيقين قد ورثا من أبيهما داراً أو عقاراً فهم يقتسمونه عدلاً، ويوزعونه قسطاً، ولا يستأثر فريق على آخر فيستبد عليه بحظه، ويشح عليه بحقه ﴿ … وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ 8 فتكون المنافع عامَّة، والمصالح في الكلَ مشاعة، والاعمال على الجميع موزَّعة.
وليس معنى الوحدة في الاُمَّة أنْ يهضم أحد الفريقين حقوق الاخر فيصمت، ويتغلَّب عليه فيسكت. ولا من العدل أنْ يُقال للمهضوم إذا طالب بحقِ، أو دعا إلى عدلٍ: انَّك مُفرِّق أو مشاغب، بل ينظر الاخرون إلى طلبه، فإنْ كان حقاً نصروه، وإنْ كان حيفاً ارشدوه وأقنعوه، وإلا جادلوه بالتي هي أحسن، مجادلة الحميم لحميمه، والشقيق لشقيقه، لا بالشتائمِ والسباب، والمنابزة بالأَلقاب، فتحتدم نار البغضاء بينهما حتى يكونا لها معاً حطباً ويصبحا معاً للأجنبي لقمة سائغة، وغنيمة باردة.
وقد عرف اليوم حتى الأَبكم والاصم من المسلمين أنَّ لكلِّ قطر من الاقطار الاسلامية حوتاً من حيتان الغرب، وأفعى من أفاعي الاستعمار فاغراً فاه لالتهام ذلك القطر وما فيه … أفلا يكفي هذا جامعاً للمسلمين، ومؤجِّجاً لنار الغيرة والحماس في عزائمهم، أفلا تكون شدة تلك الآلام وآلام تلك الشدة باعثة لهم على الاتحاد وإماتة ما بينهم من الاضغان والاحقاد، وقد قيل «عند الشدائد تذهب الاحقاد»؟
وكيف يطمع المسلم أنْ يكتسح أخاه المسلم أو يستعبده، وهو شريكه في البلاد من اقدم العهود وأبعد الاجداد؟ أفلا تسوقهم المحن والمصائب التي انصبت عليهم صب الصواعق من الأجانب، إلى إقامة موازين العدل والتناصف فيما بينهم، ويحتفظ أهل كلُّ قطر على التعادل الانتفاعي، والتوازن الاجتماعي؟
ونحن وإنْ أوشكنا أنْ نكون آيسين من حصول هذه الثمرة اليانعة، والجامعة النافعة، لما نرى من عدم التأثير والتقدير لكلمات المصلحين والناصحين من رجال المسلمين … ومن نظر فيما نُشر وطُبع من جمهرة خطبنا، وما فيها من بليغ الدعوة إِلى الوحدة بفنون الاساليب، ويرى حالة المسلمين اليوم، وأنَّهم لا يزدادون إلاّ تقاطعاً وتباعداً، فكانَّنا ندعوهم إلى التنابذ والجفاء، ونقدِّم النار إلى الحلفاء.
نعم، من ينظر إلى ما نشره «النشاشيبي» في الكتاب الذي سمَّاه ـ وما اكثر ما تكذب الاسماء ـ: بـ «الاسلام الصحيح»!! وكانت نتيجة ذلك الكتاب وفذلكته ـ يعني صحة الاسلام عنده ـ هو الطعن والغمز، واللمز والتوهين باهل بيت النبوَّة: علي وفاطمة والحسنين سلام الله عليهم، وإنكار كلُّ فضيلة أو منقبة لهم وردت في آية أو رواية، فآية التطهير مثلاً: ﴿ … إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ … ﴾ 9 مختصَّة بزوجات النبي (ص)، وبالأَخص عائشة!! بل هي لا غيرها أهل البيت!! أمّا فاطمة بضعة رسول الله (ص) فخارجة بالقطع واليقين عنده 10.
اُنظر ما أحلى هذا الفهم، وأجمل هذا الذوق والانصاف، وهكذا آية المباهلة 11، وآية القربى 12 فضلاً عن الروايات الواردة في حقَهم، فكلها عنده كذب وباطل، حتى المروية في صحاحهم!!
ومثله ما سبقه اليه أمثاله من النصولي، والحصان، وأضرابهم، أفترجو مع هذا أنْ تصلح حالة المسلمين ويلموا شعثهم؟ أفلا تراني على حق لو يئست وتشاءمت؟ أفلا يعلم النشاشيبي واخوانه ممَّن يغمزون بالشًّيعة وأئمتهم أنَّ ذلك باعث على أنْ يقوم أحد كَتَبَة الشِّيعة فيقابله بالمثل، وينال من كرامة الخلفاء الراشدين، ويتحامل عليهم وعلى السنَّة قائلاً: «إنَّ بني عمَّك فيهم رماح» وهكذا دواليك ينشر كلُّ فريق مطاعن الآخر.
فلينظر عقلاء الفريقين إلى أين ينتهي حال المسلمين من هذه الهوة السحيقة، وما الثمرة والفائدة من كلُّ ذلك؟ وما ذنب الشِّيعة سوى موالاة أهل بيت نبيِّهم (ع)؟!.
ولكن مع كلُّ ذلك لا يأس من روح الله ورحمته، ولا قنوط من خفي الطافة بدينه وشريعته، فعسى أنْ يرشد الله الغيارى على الاسلام من عقلاء الفريقين فيضربوا على الايدي التي تنشر تلك النشرات الخبيثة ـ منّا ومنهم ـ تلك النشرات التي هي السم المزهق لروح الاسلام. وهذا البصيص من الأمل هو الذي دعانا إلى الأذَن في إعادة طبع هذه الرسالة ثانياً، ونشر ما يضاهيها من ارشاداتنا وتعاليمنا في الحث على قيام كلُّ مسلم بهذه الفريضة اللازمة، والقضية الضرورية، كلُّ بحسبه، وبمقدار وسعه، ألا وهي إعادة صميم الاخاء والوحدة بين عموم فرق المسلمين … وأوَّل شرط ذلك: سد باب المجادلات المذهبية وإغلاقها تماماً، فإنْ أراد أحد التنويه عن مذهبه فعلى شرط أنْ لا يمس مذهب غيره بسوء ولا غميزة.
والشرط الثاني ـ بل هو الأَوَّل في الأَهمية ـ: أنْ يعقد المسلم قلبه على الاخاء الصحيح لأخيه المسلم، وأنْ يحب لأَخيه ما يحب لنفسه، ويبرأ من كلُّ حقد وحسد عليه، جِداً وحقيقة، لا لقلقة في القول، ومخادعة في اللسان، ومنافسة على المصالح الفردية والمنافع الذاتية، كما هو الحال السائدة اليوم عند الجميع.
إنَّما الوحدة الحقَّة، والاخاء الصحيح الذي جاء به الاسلام، بل جاء بالاسلام، وتمشَّت عليه وضيعة الأُمم الراقية، وبلغت أوج العزِّ والقوِّة: أنْ يرى كلُّ فرد من الامَّة أنَّ المصلحة النوعية هي عين المصلحة الفردية، بل هي فوقها، وهذه الصفة خفيفة في اللسان، ثقيلة في الميزان، بعيدة في الامكان، يكاد أنْ يكون تحقُّقها عندنا معشر المسلمين من المستحيلات، لا سيَّما من كلُّ طائفة بالنظر إلى الاخرى التي تنظر كلُّ منهما إلى الأُخرى نظر العدو الأَلد، والمخاصم المزاحم، وإذا جامله في القول، أو أظهر له الولاء، فلن يجامله إلاّ ليخاذله، ولن يصانعه إلاّ ليخادعه، أمّا ملقاً أو تزلُّفاً لغاية واهنة، أو توسُّلاً إلى أنْ يبتز ماله، أو يسلبه حقَّه، أو تكون له السلطة عليه والاستعباد له، وكلُّهم جارون على غلوائهم في هذه السخائم التي صارت لهم ضربة لازم، لا تصدهم عنها صرخة ناصح، ولا صيحة زاجر، ولا عظة بليغ.
ينسى الكلُّ أو يتناسى عدوهم الصميم الذي هو لهم بالمرصاد، والذي يريد سحق الكلِّ، ومحو الجميع، ويبث بذور الشقاق بينهم ليضرب بعضهم ببعض، وينصب أشراك المكر لصيد الجميع. ولا يسلم المسلمون من هذه الاشراك المبثوثة لهم في كلُّ سبيل حتى يتحدوا عملاً لا قولاً، وجِداً لا هزلاً، وأقرب وسيلة إلى تنمية تلك البذرة، وتقوية تلك الفكرة ـ فكرة الاتحاد الجدي ـ هو: عقد المؤتمرات في كلُّ عام أو عامين، يجتمع فيها عقلاء المسلمين وعلماؤهم من الأَقطار النائية، ليتعارفوا أوَّلاً، ويتداولوا في شؤون الاسلام ثانياً.
بل وأوجب من هذا: عقد المؤتمرات والمعاهدات بين حكّام المسلمين «لو كان للمسلمين حكام حق» فيكونون يداً واحدة، بل كيَدين لجسد واحد، يدفعان عنه الاخطار المحدقة به من كلُّ جانب، وقد أملت عليهم الحوادث بعد الحرب العامَّة دروساً بليغة، وعبراً محسوسة لو كانوا يعتبرون.
وفي ابتلاع الطليان مملكة الحبشة العريقة في القِدم ببضعة أشهر ما يستوجب أنْ يقض مضاجعهم، ويُسهر عيونهم، وينظروا إلى مستقبلهم بكلِّ خيفة وحذر، وإلاّ فهم أعرف بالعاقبة وكيف يكون المصير 13.
وحسبنا بهذا القدر بلاغاً ودعوةً، وإنذاراً وإيقاظاً.

«وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكَّلت واليه أُنيب» 14.

  • 1. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 103، الصفحة: 63.
  • 2. النطاس: للعالم الحاذق بالطب والخبير به. اُنظر: القامرس المحيط 2: 254.
  • 3. كان ذلك في عام 1350 هـ، وللقارئ الكريم أنْ يرى الحالة التي آلت اليها أوضاع المسلمين في أيامنا هذه، وكيف أمسى ما كان يخجل البعض أو يخشى حتى من مجرد الهمس به في أضيق الحدود قضية تتناقلها العديد من وسائل الاعلام الاسلامية، وتطبِّل لها دون أي خجل أوحياء، بل وتجدها عبارات فضفاضة تتردد على شفاه العديد من الرموز التي طالما تبجّحت بصلف، وادعت زوراً بأنّها أولى من غيرها في التصدي لرفع راية الجهاد والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني المظلوم، وأن هذا الحق المنصوب لا بد وأنْ يُستعاد يوماً وبايديهم وبنادقهم، هم لا أحد سواهم، وأنَّ القدس لا بد وأنْ تعود للمسلمين كما كانت، طاهرة مطهرة، لا وصاية لليهود عليها، ولا تدوس أرضها الطيبة أقدامهم القذرة النجسة … فاين هذه العبارات القاطعة والحدية ممّا نراه ونسمعه هذه الأيام من مظاهر الذلة والاستكانة والخضوع، والتسابق المحموم في مد جسور العلاقة مع الصهاينة المغتصبين الذين لم تجف أيديهم بعد من دماء المسلمين، ولم ولن تنتهي أحلامهم المريضة ببناء دولتهم المزعومة من النيل الى الفرات …!! فلا يعدو هذا الجريان نحو السَّلام الموعود قبال الأرض إلّا وهم محض، واسترخاء كاذب، واستسلام عجيب أمام استشراء داء السرطان الخبيث في جسد هذه الاُمَّة المبتلاة بالعديد من الرموز الخائنة، ورحم الله تعالى شيخنا كاشف الغطاء، فما تراه قائلاً لو سمع ما نسمع، ورأى ما نرى؟
  • 4. القران الكريم: سورة الأحزاب (33)، الآية: 62، الصفحة: 426.
  • 5. القران الكريم: سورة النور (24)، الآية: 39، الصفحة: 355.
  • 6. مفردها الرسن، وهو الحبل. أنظر: الصحاح ـ رسن ـ 5: 2123.
  • 7. لعلَّ أبلغ الوصف وأروعه في رسم الصورة الحياتية التي كان عليها العرب قبل مبعث رسول الله (ص)، ما نُقل عن سيِّد البلغاء والمتكَلّمين علي بن أبي طالب (ع)، حيث قال: إنَّ الله تعالى بعثَ محمَّداً (ص) نذيراً َللعالمين، وأميناً على التنزيل، وأنتم معشرَ العرب على شرِّ دين، وفي شرِّ دارٍ، مُنيخونَ بين حجارةً خُشنِ، وحياتٍ صُمٍّ، تشربونَ الكَدِرَ، وتأكلونَ الجشبَ، وتسفكونَ دماءكم، وتقطعون أرحامَكم. الاصنامُ فيكم منصوبة، والأثام بكم معصوبة … الخ ( الخطبة 26 ).
  • 8. القران الكريم: سورة الحشر (59)، الآية: 9، الصفحة: 546.
  • 9. القران الكريم: سورة الأحزاب (33)، الآية: 33، الصفحة: 422.
  • 10. لعل المثير للأسى أنْ تجد وبعد كلُّ ما كتب وقيل واُثبت من أنّ آية التطهير قد نزلت في أصحاب الكساء الذين ضمَّهم اليه رسول الله ص دون سواهم، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين:، تجد أنَّ البعض لا زال مصراً وبعناد عجيب على قلب الحقائق، وتزييف الوقائع، معرضاً بجانبه عن نتائج ما تشكِّله دعاواه الباطلة من آثار سلبية تلتصق به فقط دون غيره، لأنَّ من يطالع تقوّلاته الهشة هذه وغير المستندة على أي أساس علمي، لا بد وأنْ يحمله هذا الأمر بالتالي على الاستخفاف بكلِّ مقالاته وإنْ كان البعض منها لا يخلو من مظاهر الصحة والصدق، بل وربما يحمل البعض منهم اسباب هذه التقوّلات على انطواء ذات ذلك البعض على التعصُّب الطائفي المقيت الضار بالاسلام وأهله، والداعي الى الفرقة والتناحر، لا الوحدة والتآخي، وهو ما كنّا ندعو له ولا زلنا، وسنبقى كذلك إنْ شاء الله تعالى.
    نعم، هذا بعض ما نريد أنْ نقوله، وقد كررناه دائماً، دون ملل ويأس، وإذا كنّا وعلى صفحات هذا الكتاب لسنا بمعرض الرد على هذه الترهات الباهتة والساقطة، لأنَّ ذلك ما يستغرق الكثير من المساحة التي ليست هي بمتاحة لنا، وكذا لتعرُض، العديد من علماء الطائفة ومفكريها ـ وطوال حقب متلاحقة وحتى يومنا هذا ـ لمناقشة هذا الموضوع، وتوضيح أبعاده وحدوده، إلا أنَ ذلك لا يمنعنا من الاشارة الى بعض الروايات المذكورة في كتب القوم، والمحددة لنزول هذه الآية بحق هؤلاء الخمسة دون غيرهم، فراجع:
    صحيح مسلم 4: 1883 / 2424، سنن الترمذي 5: 663|3787 و 699|3871، مسند أحمد 4: 107 و 6: 292، سنن البيهقي 2: 5149: 152، تاريخ بغداد 10: 278، تفسير الطبري 22: 5 و 6 و 7، الرياض النضرة 3: 152، اُسد الغابة 1: 490 و 3: 543 و 607، مستدرك الحاكم 2: 416 و 3: 147، مجمع الزوائد 9: 121 و 167، الفصول المهمة: 5 2، ذخائر العقبى: 21، فرائد السمطين 1: 25، الدر المنثور 5: 198، كفاية الطالب: 371، الصواعق المحرقة: 187 و 238.
  • 11. أُنظر نزول هذه الآية المباركة بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام في: مسند أحمد 1: 185، سنن البيهقي 7: 63، مستدرك الحاكم 3: 150، تفسير الطبري 3: 212، الدر المنثور 2: 38، الرياض النضرة 3: 152، اُسد الغابة1: 601 ذخائر العقبى: 20، كفاية الطالب: 141، الفصول المهمة: 24، جامع احكام القرآن 4: 105.
  • 12. اُنظر نزولها في حق أصحاب الكساء: دون غيرهم: التفسير الكبير 27:165، الكاشف 3: 467، تفسير البحر المحيط 7: 516، زاد المسير 7: 285، الدر المنثور 6: 7، مجمع الزوائد 9: 168، الفصول المهمة: 29، كفاية الطالب: 31، فرائد السمطين1: 35، ذخائر العقبى: 25، الصواعق المحرقة: 258، نور الابصار 112، الاتحاف بحب الاشراف: 239، احياء الميت بفضائل أهل البيت: 26.
  • 13. كانت أول محاولة لغزو الحبشة من قبل الايطاليين في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، إلا أنّهم منوا بهزيمة نكراء في عام (1896 م) وتحمّلوا خسائر فادحة من قبل جيش الحبشة المتواضع.
    بيد أنَّهم (أي الايطاليين) أعادوا الكرة في عهد موسوليني، وذلك في عام (1935 م)، حيث زحفت جيوشهم نحو أراضي الحبشة لتحتلها هذه المرة في عام (1936 م) وتضمها الى مستعمراتها اُسوة بشركائهم من المستعمرين آنذاك كالبريطانيين والفرنسيين والبرتغاليين، ولتبقى الحبشة تحت الاستعمار الايطالي حتى عام (1941 م) عندما طردتهم القوات الانكليزية منها.
  • 14. «مقدمة الطبعة الثانية» من کتاب أصل الشيعة وأصولها الشيخ محمدحسين آل كاشف الغطاء.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى