محاسن الكلام

{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ(١١)}آل عمران

قوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‌ إلى آخر الآية: الدأب على ما ذكروه هو السير المستمر قال تعالى: «وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ دٰائِبَيْنِ‌» : إبراهيم ٣٣ و منه تسمية العادة دأبا لأنه سير مستمر، و هذا المعنى هو المراد في الآية.و قوله: كَدَأْبِ‌ ، متعلق بمقدر يدل عليه قوله في الآية السابقة: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ‌ ، و يفسر الدأب قوله: كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا و هو في موضع الحال، و تقدير الكلام كما مرت إليه الإشارة: إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا و استمروا عليها دائبين فزعموا أن في أموالهم و أولادهم غنى لهم من الله كدأب آل فرعون و من قبلهم و قد كذبوا بآياتنا.

و قوله: فَأَخَذَهُمُ اَللّٰهُ بِذُنُوبِهِمْ‌ ، ظاهر الباء أنها تفيد السببية، يقال: أخذته بذنبه أي بسبب ذنبه لكن مقتضى المحاذاة التي بين الآيتين، و قياسه حال هؤلاء الذين كفروا في دأبهم على آل فرعون و الذين من قبلهم في دأبهم أن يكون البناء للآلة، فإنه ذكر في الذين كفروا أنهم وقود النار تشتعل عليهم أنفسهم و يعذبون بها فكذلك آل فرعون و من قبلهم إنما أخذوا بذنوبهم و كان العذاب الذي حل بساحتهم هو عين الذنوب التي أذنبوها، و كان مكرهم هو الحائق بهم، و ظلمهم عائدا إليهم، قال تعالى: وَ لاٰ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاّٰ بِأَهْلِهِ‌» : الفاطر ٤٣، و قال تعالى: «وَ مٰا ظَلَمُونٰا وَ لٰكِنْ‌ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‌» : البقرة ٥٧.

و من هنا يتبين معنى كونه شديد العقاب، فإن عقابه تعالى لا يقصد الإنسان و لا يتوجه إليه من جهة دون جهة، و في محل دون محل، و على شرط دون شرط كما أن عقاب غيره كذلك فإن الشر الذي يوجهه إلى الإنسان مثله مثلا إنما يتوجه إليه من بعض الجهات دون بعض كفوق و تحت، و في بعض الأماكن دون بعض فيدفع بالفرار و التوقي و الالتجاء مثلا و هذا بخلاف عقابه تعالى فإنه يأخذ الإنسان بعمله و ذنبه و هو مع الإنسان في باطنه و ظاهره من غير أن ينفك عنه، و يجعل الإنسان وقودا لنار أحاط به سرداقها، و لا ينفعه فرار و لا قرار، و لا يوجد منه مناص و لا خلاص، فهو شديد العقاب.

و في قوله تعالى: كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا فَأَخَذَهُمُ اَللّٰهُ‌ ، التفات من الغيبة إلى الحضور أولا ثم من الحضور إلى الغيبة ثانيا، أما قوله: كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا ففيه تنشيط لذهن السامع و تقريب للخبر إلى الصدق فإنه بمنزلة أن يقول القائل: إن فلانا بذي فحاش سيئ المحاضرة و قد ابتليت به فيجب الاجتناب عن معاشرته، فجملة و قد ابتليت به تصحيح للخبر و إثبات لصدقه بإرجاعه إلى الدراية و نحو من الشهادة.

فالمعنى و الله أعلم أن آل فرعون كانوا دائبين على دأب هؤلاء الذين كفروا في الكفر و تكذيب الآيات، و لا ريب في هذا الخبر فإنا كنا حاضرين شاهدين و قد كذبوا بآياتنا نحن فأخذناهم.

و أما قوله: فَأَخَذَهُمُ اَللّٰهُ‌ ، فهو رجوع بعد استيفاء المقصود إلى الأصل في الكلام و هو أسلوب الغيبة، و فيه مع ذلك إرجاع الحكم إلى مقام الألوهية القائمة بجميع شئون العالم و المهيمنة على كل ما دق و جل، و لذلك كرر لفظ الجلالة ثانيا في قوله وَ اَللّٰهُ شَدِيدُ اَلْعِقٰابِ‌ ، و لم يقل و هو شديد العقاب للدلالة على أن كفرهم و تكذيبهم هذا منازعة و محاربة مع من له جلال الألوهية و يهون عليه أخذ المذنب بذنبه، و هو شديد العقاب لأنه الله جل اسمه.

الميزان في تفسير القرآن ج٣ ص٩٠.
__

مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى