محاسن الكلام

(٣){وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(٦١)}سورة التوبة

و إن كان المراد من الذين آمنوا هم الذين آمنوا في أول البعثة قبل الفتح كما تقدم سابقا أن «اَلَّذِينَ آمَنُوا» إسم تشريفي في القرآن للمؤمنين الأولين في الإسلام كان المراد بالمؤمنين في قوله: « وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‌» المؤمنون منهم حقا كما أطلق بهذا المعنى في قوله: «وَ لَمّٰا رَأَ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْأَحْزٰابَ قٰالُوا هٰذٰا مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ‌:» الأحزاب:٢٢

و ربما قيل: إن اللام في قوله: «وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‌» للتعدية كما في قوله: «يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ‌ » فالإيمان يتعدى بالحرفين جميعا كما في قوله: «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ:» العنكبوت: ٢٦ و قوله: «فَمٰا آمَنَ لِمُوسىٰ إِلاّٰ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ‌:» يونس: ٨٣ و قوله: «أَنُؤْمِنُ لَكَ وَ اِتَّبَعَكَ اَلْأَرْذَلُونَ‌» : الشعراء:١١١.

و ربما قيل: إن اللفظ جار على طريقة التضمين بتضمين الإيمان معنى الجنوح المتعدي باللام و المعنى يجنح للمؤمنين مؤمنا بهم أو يؤمن جانحا لهم. و الوجهان و إن كانا لا بأس بهما في نفسهما لكن يبعد ذلك لزوم التفكيك في قوله: «يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‌» بين «يُؤْمِنُ‌» الأول و الثاني من غير نكتة ظاهرة إلا أن يحمل على التفنن في التعبير و مع ذلك فالنتيجة هي النتيجة السابقة فإن إيمانه بالمؤمنين لا يختص بالمخبرين خاصة حتى يصدق خبرهم و يؤاخذ آخرين إذا أخبر بما يضرهم بل إيمان يعم جميع المؤمنين فيصدق المخبر في خبره بمعنى إعطاء الصدق المخبري و يصدق المخبر عنه بحمل فعله على الصحة فافهم ذلك.

و عده تعالى نبيه في قوله: «وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ‌» رحمة لقوم خاص في هذه الآية مع عده رحمة للناس كلهم في قوله عز و جل: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ رَحْمَةً‌ لِلْعٰالَمِينَ‌:» الأنبياء: ١٠٧ إنما هو لاختلاف المراد بالرحمة في الآيتين فالمراد بها هاهنا الرحمة الفعلية و هناك الرحمة الشأنية.

و بعبارة أخرى هو صلى الله عليه وآله رحمة لمن آمن به حقا بمعنى أن الله سبحانه أنقذه به من الضلالة و ختم له بالسعادة و الكرامة، و رحمة للناس كلهم مؤمنهم و كافرهم، من معاصريه و ممن يأتي بعده بمعنى أن الله بعثه صلى الله عليه وآله بملة بيضاء و سنة طيبة فحول المجتمع البشري و صرفه عن مسيره المنحرف عن الاستقامة إلى طريق الشقاوة و الهلاك، و أنار بمشعلته صراط الفطرة الإلهية فمن راكب على السبيل فائز بالغاية المطلوبة، و من خارج عن مسير الردى و الهلكة و لما يركب متن الصراط الفطري، و من قاصد للخروج و الورود و لما يخرج و هذا حال المجتمع العام البشري بعد طلوع الإسلام و بسطة معارفه بين الناس و إيصاله إلى سمع كل سامع و تأثيره في كل من السنن الاجتماعية بما في وسعه أن يتأثر به، و هذا مما لا يرتاب فيه باحث عن طبيعة المجتمع الإنساني، و هذا الوجه قريب المأخذ من الوجه السابق أو راجع إليه بالحقيقة.

الميزان في تفسير القرآن ج٩ ص٣١٤.
__
#تفسير_القرآن #مدرسة_أهل_البيت

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى