
و تشير الآية التالية إلى فئة خاصّة من المؤمنين، و هم الذين كانوا أكثر تأسّيا بالنّبي صلّى اللّه عليه و آله من الجميع، و ثبتوا على عهدهم الذي عاهدوا اللّه به، و هو التضحية في سبيل دينه حتّى النفس الأخير، و إلى آخر قطرة دم، فتقول: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ من دون أن يتزلزل أو ينحرف و يبدّل العهد و يغيّر الميثاق الذي قطعه على نفسه وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً .
إنّهم لم ينحرفوا قيد أنملة عن خطّهم، و لم يألوا جهدا في سبيل اللّه، و لم يتزلزلوا لحظة، بعكس المنافقين أو ضعاف الإيمان الذين بعثرتهم عاصفة الحوادث هنا و هناك و أفرزت الشدائد في أدمغتهم الخاوية أفكارا جوفاء خبيثة… إنّ المؤمنين وقفوا كالجبل الأشمّ و أثبتوا أنّ العهد الذي عاهدوا به لا يقبل النقض أو التراجع عنه.
إنّ لفظة (نحب) على زنة (عهد) تعني العهد و النذر و الميثاق، و وردت أحيانا بمعنى الموت، أو الخطر، أو سرعة السير، أو البكاء بصوت مرتفع .
و هناك اختلاف بين المفسّرين في المعنيّ بهذه الآية.
يروي العالم المعروف (الحاكم أبو القاسم الحسكاني) و هو من علماء السنّة بسند عن علي عليه السّلام أنّه قال: «فينا نزلت رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ فأنا و اللّه المنتظر و ما بدّلت تبديلا، و منّا رجال قد استشهدوا من قبل كحمزة سيّد الشهداء» .
و قال آخرون: إنّ جملة مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ إشارة إلى شهداء بدر و أحد، و جملة: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ إشارة إلى المسلمين الصادقين الآخرين الذين كانوا بانتظار إحدى الحسنيين: النصر، أو الشهادة.
و روى عن «أنس بن مالك» أيضا: أنّ عمّه «أنس بن النضر» لم يكن حاضرا في غزوة بدر، فلمّا علم فيما بعد، و كانت الحرب قد وضعت أوزارها، أسف لعدم اشتراكه في الجهاد، فعاهد اللّه على أن يشارك في الجهاد إن وقعت معركة أخرى و يثبت فيها و إن زهقت روحه، و لذلك فقد شارك في معركة أحد، و حينما فرّ جماعة لم يفرّ معهم، و قاوم و صمد حتّى جرح ثم استشهد .
و روى عن «ابن عبّاس» أنّه قال: إنّ جملة: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ إشارة إلى حمزة بن عبد المطّلب و باقي شهداء أحد، و أنس بن النضر و أصحابه .
و لا منافاة بين هذه التفاسير مطلقا، لأنّ للآية مفهوما واسعا يشمل كلّ شهداء الإسلام الذين استشهدوا قبل معركة الأحزاب، و كلّ من كان منتظرا للنصر أو الشهادة، و كان على رأسهم رجال كحمزة سيّد الشهداء و علي عليهما السّلام، و لذلك ورد في تفسير الصافي: أنّ أصحاب الحسين بكربلاء كانوا كلّ من أراد الخروج للقتال ودّع الحسين عليه السّلام و قال: السلام عليك يا ابن رسول اللّه، فيجيبه: و عليك السلام و نحن خلفك، و يقرأ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ .
و يستفاد من كتب المقاتل أنّ الإمام الحسين عليه السّلام تلا هذه الآية عند أجساد شهداء آخرين كمسلم بن عوسجة، و حين بلغه خبر شهادة «عبد اللّه بن يقطر» .
و من هنا يتّضح أنّ للآية مفهوما واسعا يشمل كلّ المؤمنين المخلصين الصادقين في كلّ عصر و زمان، سواء من ارتدى منهم ثوب الشهادة في سبيل اللّه، أم من ثبت على عهده مع ربّه و لم يتزعزع، و كان مستعدّا للجهاد و الشهادة.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١٣ ص١٩٩.
__
عريس كربلاء #لبيك يا_حسين
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT


