محاسن الكلام

(٣){وَ لَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لَا نَصِيرًا(٢٢)}سورة الفتح

ممّا يستلفت النظر أنّ القرآن يؤكّد على عدم القتال في بطن مكّة، و هذا التعبير يمكن أن يكون إشارة إلى لطيفتين: الأولى: إنّ مكّة كانت مركزا لقوّة العدو، و على القاعدة كان على أهل مكّة [المشركين] أن يغتنموا الفرصة المناسبة فيحملوا على المسلمين فقد كانوا يبحثون عنهم و عن فرصة للقضاء عليهم فإذا هم في دارهم و في قبضتهم فما كان ينبغي أن يتركوا هذه الفرصة بهذه البساطة، لكنّ اللّه سلب عنهم قدرتهم و صرفهم عنهم! الثانية :
إنّ مكّة كانت حرم اللّه الآمن. فلو وقع القتال فيها لسألت الدماء فتهتك حرمة الحرم من جانب، و تكون عارا على المسلمين و عيبا أيضا. إذ سلبوا أمن هذه الأرض المقدّسة، و لذلك فإنّ من نعم اللّه على نبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و على المسلمين أنّه و بعد هذه القضية بسنتين فتح عليهم مكّة و كان ذلك من دون سفك دم أيضا..

و في آخر آية من الآيات محل البحث إشارة إلى لطيفة أخرى تتعلّق بمسألة صلح الحديبيّة و حكمتها إذ تقول الآية: هُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ اَلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ‌ .

كان أحد ذنوبهم كفرهم، و الذنب الآخر صدّهم إيّاكم عن العمرة زيارة بيت اللّه و لم يجيزوا أن تنحروا الهدي في محله، أي مكّة (الهدي في العمرة ينحر [أو يذبح] في مكّة و في الحج بمنى) على حين ينبغي أن يكون بيت اللّه للجميع و صدّ المؤمنين عنه من أعظم الكبائر، كما يصرّح القرآن بذلك في مكان آخر من سورة: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ‌ .

و مثل هذه الذنوب يستوجب أن يسلّطكم اللّه عليهم لتعاقبوهم بشدّة! لكنّ اللّه تعالى لم يفعل ذلك فلما ذا؟! ذيل الآية يبيّن السبب بوضوح إذ يقول: وَ لَوْ لاٰ رِجٰالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسٰاءٌ مُؤْمِنٰاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ‌ ..

و هذه الآية تشير إلى طائفة (من الرجال و النساء) المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام في مكّة و لم يهاجروا إلى المدينة لأسباب خاصة.

فلو قاتل المسلمون أهل مكّة لأوقعوا أرواح هؤلاء المستضعفين في خطر و لامتدت ألسنة المشركين بالقول: إنّ جنود الإسلام لم يرحموا لا أعداءهم و مخالفيهم و لا أتباعهم و مؤالفيهم، و هذا عيب و عار كبير! و قال بعضهم أيضا، إنّ المراد من هذا العيب لزوم الكفارة و دية قتل الخطأ، لكنّ المعنى الأوّل أكثر مناسبة ظاهرا.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١٦ ص٤٧٦-٤٧٧.
__
#محاسن_الكلام #مدرسة_أهل_البيت

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى