محاسن الكلام

(٢){مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَ مَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(١١٧)}آل عمران

و هذا هو حال غير المؤمن في إنفاقه، فإنه لا ينفق ماله بدافع صحيح، بل ينفقه رياء و سمعة و أهواء و أهداف شريرة، و بذلك يكون كالريح العاتية، اللافحة أو الباردة، تأتي على كلّ ما أنفقه كما تأتي على الزرع، فتصيبه بالجفاف و الفناء، و الدمار و الهلاك.

إن مثل هذا الإنفاق لا يعالج أية مشكلة اجتماعية (لأنه صرف للمال في غير محله في الأغلب) كما لا ينطوي على أي أثر أخلاقي و نفسي للمنفق الباذل.

و الذي يلفت النظر أن القرآن الكريم يقول في هذه الآية حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‌ و هو يشير إلى أن هؤلاء المزارعين تعرضوا لما تعرضوا له لأنهم تساهلوا في اختيار مكان الزرع و زمانه، و لأنهم زرعوا في أرض معرضة للرياح الشديدة، أو أنهم اختاروا للزرع وقتا يكثر فيه هبوب رياح السموم، و بهذا ظلموا أنفسهم، و كذلك حال غير المؤمن في إنفاقه، فإنه ظلم نفسه بإنفاقه غير الصحيح و غير المناسب من حيث الزمان و المكان و الهدف، و بهذا عرض أمواله و ثرواته للرياح.

من كلّ ما أشرنا إليه، و بملاحظة القرائن الموجودة في الآية تبين أن هذا التمثيل لإنفاق الكفّار بالزرع الذي أهلكته الرياح العاصفة تمثيل به من ناحيتين: الأولى: تشبيه لإنفاق الكافر بالزرع في غير محله و موسمه المناسب.

الثانية: تشبيه لنواياه و أهدافه من الإنفاق بالرياح العاصفة الباردة أو السموم، و لهذا فإن المقام لا يخلو عن تقدير شيء محذوف و أن معنى قوله: مَثَلُ مٰا يُنْفِقُونَ‌ أن مثل نوايا الكافر في الإنفاق مثل الرياح الباردة أو السموم التي تهب على الزرع فتفنيه.

قال جماعة من المفسّرين: إن هذه الآية إشارة إلى الأموال التي يستخدمها الكفّار للإيقاع بالإسلام و صد حركته، و التي يحركون بها الأعداء ضد النبي الكريم صلى اللّه عليه و آله و سلّم. أو الأموال التي يعطيها اليهود لأحبارهم ليحرفوا آيات اللّه عن مواضعها و يزيدوا أو ينقصوا في الكتب السماوية.

و لكن من الواضح جدّا أن هذه الآية تنطوي على معنى واسع يشمل هذا الرأي و غيره.

ثمّ إنه سبحانه يعقب على ما قال بشأن إنفاق الكفّار الذي لا يعود عليهم إلا بالوبال و الويل بقوله: وَ مٰا ظَلَمَهُمُ اَللّٰهُ وَ لٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‌ .

أجل، إن العمل الفاسد لا يجر على صاحبه إلا النتيجة الفاسدة، فما يحصده الكفّار من إنفاقهم من الوبال و البطلان، إنما هو بسبب نواياهم الباطلة الفاسدة من هذا الإنفاق.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج٢ ص٦٥٧.
__

مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى