محاسن الكلام

{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعًا وَ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ(٧٨)} القصص

قٰالَ إِنَّمٰا أُوتِيتُهُ عَلىٰ عِلْمٍ عِنْدِي .
هذا المال من علمه هو.. من موهبته و مهارته.. و للإنسان أن يستغل علمه و موهبته في السلب و النهب، و التقتيل و التشريد، و في كل ما يهوى و يريد.. و ليس قارون بدعا في هذا المنطق.. فقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية مخططا لشراء العقول و المواهب من مختلف أنحاء العالم، و أغرت العلماء و الخبراء بالهجرة إليها، و أسمت هذا المخطط «برين درين» أي استنزاف العقول، و القصد منه أن تستخدم المواهب الإنسانية في نهب ثروات البلاد و أقوات العباد في شرق الأرض و غربها.

أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اَللّٰهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ اَلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً ؟
و كيف يعلم و قد أطغاه المال و الجاه، و أعماه عن عاقبة الظلم و البغي، و أنساه ما سمع عن القرون الأولى، و أنها كانت أكثر منه مالا و أعز نفرا، و لما طغت و بغت أذاقها اللّه عذاب الخزي في الحياة الدنيا، و لعذاب الآخرة أشد و أخزى.. و ضرب المفسرون مثلا بقوم نوح و عاد و ثمود، و لو كنت في عصرهم لم أعد أمثلتهم، و لو كانوا في عصري لاكتفوا بما حدث في «ليبيا» في هذا الشهر الذي أكتب فيه كلماتي هذه، و هو شهر أيلول من سنة ١٩٦٩ حيث قامت مجموعة من الشباب الليبي، و عزلت الملك السابق، و هو أقوى و أغنى من قارون، و من ورائه الصهيونية و الإستعمار.. و استولى على الحكم الذين يمثلون الشعب الليبي، و يعبّرون عن أمانيه، و هم الذين نكّل بهم الملك المخلوع و اضطهدهم بالحبس و التشريد و مصادرة الأملاك.

وَ لاٰ يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ اَلْمُجْرِمُونَ‌ أي أن اللّه يعذبهم بغير حساب. و تسأل: كيف تجمع بين هذه الآية، و بين الآية ٩٣ من سورة الحجر: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ‌ أَجْمَعِينَ عَمّٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌ و في معناها كثير من الآيات‌؟ الجواب: المراد بالمجرمين هنا الذين يعتدون على حقوق الناس و حرياتهم، و يثيرون الفتن و الحروب من أجل مصالحهم و منافعهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بغير حساب حتى و لو هللوا و كبروا، و عليه يكون قوله تعالى: وَ لاٰ يُسْئَلُ‌ عَنْ ذُنُوبِهِمُ اَلْمُجْرِمُونَ ،مخصّصا لقوله لنسألنهم أجمعين أي لو جمعنا بين القولين لكان المعنى لنسألنهم أجمعين إلا من اعتدى على حقوق الناس فإنه يدخل النار من غير سؤال.

التفسير الكاشف ج٦ ص٨٧
(محمد جواد مغنية)
__

مدرسةأهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى