
و تطرح آخر الآيات مورد البحث مقارنة أخرى بين المؤمنين و الكفار… بين فئتين تختلفان في كلّ شيء، فإحداهما مؤمنة تعمل الصالحات، و تحيا الأخرى حياة حيوانية بكلّ معنى الكلمة.. بين فريقين، أحدهما مستظل بظل ولاية اللّه سبحانه، و الآخر لا مولى له و لا ناصر، فتقول: أَفَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَ اِتَّبَعُوا أَهْوٰاءَهُمْ ؟ إنّ الفريق الأوّل قد اختاروا طريقهم عن معرفة صحيحة، و رؤية واقعية، و عن يقين و دليل و برهان قطعي، و هم يرون طريقهم و هدفهم بوضوح، و يسيرون نحوه بسرعة.
أمّا الفريق الثّاني فقد ابتلوا بسوء التشخيص، و عدم إدراك الواقع، و ظلمة المسير و الهدف، فهم في ظلمات الأوهام حائرون.
و العامل الأساس في هذه الحيرة و الضلالة هو اتباع الهوى و الشهوات، لأنّ الهوى و الشهوات تلقي الحجب على عقل الإنسان و فكره، فتصوّر له القبيح حسنا، كما نرى أناسا يفخرون بأعمالهم التي يندى لها الجبين، و هي وصمة عار في جباههم، كما جاء ذلك في الآية (١٠٣) من سورة الكهف: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالاً اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاًأُولٰئِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِ رَبِّهِمْ وَ لِقٰائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فَلاٰ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَزْناً .
«البينة» تعني الدليل الواضح الجلي، و هي هنا إشارة إلى القرآن، و معاجز الرّسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و الدلائل العقلية الأخرى.
و من الواضح أنّ الاستفهام في جملة: أَفَمَنْ كٰانَ… استفهام إنكاري، أي إنّ هذين الفريقين لا يتساويان أبدا.
و لكن من الذي يزيّن أعمال السوء في أنظار عبدة الهوى و متبعيه؟ أهو اللّه سبحانه، أم هم أنفسهم، أم الشياطين؟ ينبغي أن يقال: إنّها تصح جميعا، لأنّ التزيين نسب إلى الثلاثة في آيات القرآن، فتقول الآية (٤) من سورة النمل: إِنَّ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّٰا لَهُمْ أَعْمٰالَهُمْ .
و جاء في آيات عديدة أخرى، و من جملتها الآية (٣٨) من سورة العنكبوت، التي تقول: وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ .
و ظاهر الآية مورد البحث، و بملاحظة الجملة: وَ اِتَّبَعُوا أَهْوٰاءَهُمْ أنّ هذا التزيين ناشئ عن اتباع الهوى، و قضية كون الهوى و الشهوات تسلب الإنسان القدرة على الحس و التشخيص و الإدراك الصحيح للحقائق، قضية يمكن إدراكها بوضوح.
إنّ نسبة التزيين إلى الشيطان طبعا صحيحة أيضا، لأنّه هو الذي ينصب المكايد و يوسوس للإنسان أن يلجها، و يزيّن له اتباع الهوى.
و أمّا نسبته إلى اللّه سبحانه فلأنّه مسبب الأسباب، و إليه يرجع كلّ سبب، فهو الذي أعطى النّار الإحراق، و منح الهوى قدرة تغطية الحقائق و إلقاء الحجب عليها لئلا يدركها من يتبعه، و قد أظهر هذا التأثير و أعلنه من قبل، و لذلك فإنّ أصل المسئولية يرجع إلى نفس الإنسان.
و يعتقد البعض أنّ جملة: أَفَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ إشارة إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و الجملة التالية ناظرة إلى كفار مكّة، غير أنّ الظاهر هو أنّ للآية معنى واسعا، و هذا من مصاديقه.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١٦ ص٣٥٣.
__
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT



