مقالات

قتال المرتدّين…

نص الشبهة: 

إذا كان الصحابة ارتدوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما تزعمون ـ فكيف قاتلوا المرتدين من أصحاب مسيلمة وأصحاب طليحة بن خويلد وأصحاب الأسود العنسي، وأصحاب سجاح وغيرهم وأرجعوهم إلى الإسلام؟! فهلا كانوا مناصرين لهم، أو تاركين، ماداموا مثلهم مرتدين ـ كما تدعون ـ ؟! وفي صياغة أخرى: كيف للصحابة المرتدين أن يقاتلوا أهل الردة كمسيلمة الكذاب وأصحابه، والأسود العنسي وأصحابه، وطليحة الكذاب وأعوانه، وأرغموهم على الرجوع إلى الإسلام، فلماذا لم ينصروهم ويقيموا دعوتهم طالما أن الردة قاسم مشترك عند الفريقين؟!

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين.. وبعد..
أولاً: لقد بينَّا في الجواب على السؤال رقم 18 وفي غيره: أن الشيعة لا يكفرون الصحابة، فلا مورد لهذا السؤال من الأساس. بل هم يقولون: إنهم عصوا الله والرسول وخالفوه في موضوع الخلافة وفي الأحداث التي حصلت بسبب ذلك بعده..
ثانياً: إن ما بنى عليه السائل استدلاله غير سليم ولا قويم، لأن القرآن ينقض كلامه، فإن المؤمنين قد يتقاتلون مع المؤمنين كما صرحت به آية: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ … ﴾ 1.
وقد يتقاتل الكفار مع الكفار، كقتال الفرس مع الروم، كما صرحت به الآية في سورة الروم: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ 2.
وقد يقاتل المسلم الكافر.. كقوله تعالى: ﴿ … فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ … ﴾ 3.
وذلك لأن الدوافع إلى القتال تختلف وتتفاوت..
ثالثاً: بالنسبة لقتال مانعي الزكاة نقول:
الظاهر: أنه لم يكن هناك غير مالك بن نويرة وأصحابه، وهؤلاء كانوا مسلمين، ولم يرتدوا عن الإسلام، ولكن ذنبهم أنهم كانوا لا يعترفون بحكومة أبي بكر، ويصرون على البيعة لأهل البيت «عليهم السلام»..
وقد قتلهم خالد بعد أن أعطاهم الأمان.. وقد عرض أبو بكر على متمم بن نويرة دية أخيه مالك، وحاول الخروج من المأزق، بإعادة ما أخذ منهم إليهم، وغير ذلك.. ولكنه لم يقدهم من خالد متذرعاً بمقولة: اجتهد فأخطأ..
رابعاً: ذكرنا: أن المراد بالإرتداد في الأحاديث التي رواها البخاري وسائر الجوامع الحديثية المعتبرة عند أهل السنة: هو الارتداد عن الطاعة لله وللرسول التي كانوا عليها، إلى معصيته فيما أمر ونهى، وليس المراد الارتداد عن الدين والخروج منه بالكلية، فراجع الجواب على السؤال 18.
قد يقال: ماذا تقول في الأحاديث التى تصرح: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، وما ورد من أن من أصحابه من لا يرد عليه الحوض ؟!
ونجيب:
بأن هذا الحديث ينهى عن الكفر الحقيقي، وهو باق على قوته وصدقيته، وليس فيه أي محذور، فهو كقوله تعالى: لا تشرك بالله، ولا تسرق، ولا تقتل النفس التي حرم الله، وغير ذلك من المناهي عن الموبقات والمعاصي..
وأما عدم ورود الحوض.. فهو صحيح أيضاً، لأنهم لو وردوا الحوض لدخلوا الجنة مباشرة، ولم يتعرضوا للتطهير من ذنوبهم بعد شربهم من ماء الكوثر.. مع أن المطلوب هو: أن ينالوا نصيبهم من العقوبة على ما اقترفوه، ثم يكون لهم بعد ذلك شأن آخر كسائر العصاة. من أمته وغيرها.
والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله.. 4.

  • 1. القران الكريم: سورة الحجرات (49)، الآية: 9، الصفحة: 516.
  • 2. القران الكريم: سورة الروم (30)، الآيات: 2 – 4، الصفحة: 404.
  • 3. القران الكريم: سورة التوبة (9)، الآية: 5، الصفحة: 187.
  • 4. ميزان الحق.. (شبهات.. وردود)، السيد جعفر مرتضى العاملي، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الأولى، الجزء الثالث، 1431 هـ. ـ 2010 م، السؤال رقم (94).
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى