مقالات

مظلومية عبد الله الرضيع عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف

من هو عبد الله الرضيع عليه السلام ؟
اسمه ونسبه :
عبد الله بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، وأمّه الرباب بنت القيس الكلبية .
شهادته :
عاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى المخيم يوم عاشوراء وهو منحني الظهر ، وإذا بعقيلة بني هاشم زينب الكبرى ( عليها السلام ) استقبلَتهُ بِعبدِ الله الرضيع ( عليه السلام ) قائلةً : أخي ، يا أبا عبد الله ، هذا الطفل قد جفَّ حليب أُمِّه ، فاذهب به إلى القوم ، عَلَّهُم يسقوه قليلاً من الماء .
فخرج الإمام الحسين ( عليه السلام ) إليهم ، وكان من عادته إذا خرج إلى الحرب ركب ذا الجناح ، وإذا توجه إلى الخطاب كان يركب الناقة .
ولكن في هذه المَرَّة خرج راجلاً يحمل الطفل الرضيع ( عليه السلام ) ، وكان يظلله من حرارة الشمس .
فصاح : أيها الناس ، فَاشْرَأَبَّتْ الأعناق نحوه ، فقال ( عليه السلام ) : ( أيُّها الناس ، إن كان ذنب للكبار فما ذنب الصغار ) ؟
فاختلف القوم فيما بينهم ، فمنهم من قال : لا تسقوه ، ومنهم من قال : أُسقوه ، ومنهم من قال : لا تُبقُوا لأهل هذا البيت باقية .
عندها التفت عُمَر بن سعد إلى حرملة بن كاهل الأسدي ( لعنه الله ) وقال له : يا حرملة ، إقطع نزاع القوم .
يقول حرملة : فهمت كلام الأمير ، فَسَدَّدتُ السهم في كبد القوس ، وصرت أنتظر أين أرميه ، فبينما أنا كذلك إذ لاحت مني التفاتة إلى رقبة الطفل ، وهي تلمع على عضد أبيه الحسين ( عليه السلام ) كأنها إبريق فِضَّة .
فعندها رميتُهُ بالسهم ، فلما وصل إليه السهم ذبحه من الوريد إلى الوريد ، وكان الرضيع مغمىً عليه من شدة الظمأ ، فلما أحس بحرارة السهم رفع يديه من تحت قِماطِهِ واعتنق أباه الحسين ( عليه السلام ) ، وصار يرفرف بين يديه كالطير المذبوح ، فَيَالَهَا من مصيبة عظيمة .
وعندئذٍ وضع الحسين ( عليه السلام ) يده تحت نَحرِ الرضيع حتى امتلأت دماً ، ورمى بها نحو السماء قائلاً : ( اللَّهم لا يَكُن عليك أَهْوَنُ مِن فَصِيلِ نَاقةِ صَالح ) ، فعندها لم تقع قطرة واحدة من تلك الدماء المباركة إلى الأرض ، ثم عاد به الحسين ( عليه السلام ) إلى المخيم .
فاستقبلَتهُ سُكينة وقالت : أَبَة يا حسين ، لعلَّك سقيتَ عبدَ الله ماءً وأتيتنا بالبقية ؟ قال ( عليه السلام ) : ( بُنَي سكينة ، هذا أخوكِ مذبوحٌ من الوريد إلى الوريد ) .

مقتل الطفل الرضيع بكربلاء !

رُوِيَ أنَّهُ لما فُجع الحسين ( عليه السَّلام ) بأهل بيته و ولده و لم يبق غيره و غير النساء و الذراري نادى ـ أي الإمام الحسين ( عليه السَّلام ) ـ : ” هَلْ مِنْ ذَابٍّ يَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ؟
هَلْ مِنْ مُوَحِّدٍ يَخَافُ اللَّهَ فِينَا ؟
هَلْ مِنْ مُغِيثٍ يَرْجُو اللَّهَ فِي إِغَاثَتِنَا ؟
وَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ النِّسَاءِ بِالْعَوِيلِ .
فَتَقَدَّمَ ( عليه السَّلام ) إِلَى بَابِ الْخَيْمَةِ ، فَقَالَ : ” نَاوِلُونِي عَلِيّاً ، ابْنِيَ الطِّفْلَ حَتَّى أُوَدِّعَهُ ” فَنَاوَلُوهُ الصَّبِيَّ .
و قال المفيد دعا ابنه عبد الله .
قالوا : فجعل يقبله و هو يقول : ” وَيْلٌ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِذَا كَانَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى خَصْمَهُمْ ” .
و الصبي في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه في حجر الحسين ، فتلقى الحسين دمه حتى امتلأت كفه ، ثم رمى به إلى السماء .
و قال السيد [1] : ثم قال : ” هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ ” .
قَالَ الْبَاقِرُ ( عليه السَّلام ) : ” فَلَمْ يَسْقُطْ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ قَطْرَةٌ إِلَى الْأَرْضِ ” [2] .
====
[1] هو السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس ، المولود بالحلة سنة : 589 هجرية ، و المتوفى سنة : 664 هجرية ببغداد ، و المدفون بجوار مرقد الإمام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) بالنجف الأشرف / العراق .
[2] بحار الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ) : 45 / 46 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود بإصفهان سنة : 1037 ، و المتوفى بها سنة : 1110 هجرية ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت / لبنان ، سنة : 1414 هجرية .

لماذا هذا الظلم ؟ رأس صغير على الرمـح !!

بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام وجميع أهل بيته وأصحابه، وحينما إستعد الجيش الأموي أن يسيروا بالسبايا إلى الكوفة، و علقوا رؤوس الشهداء على الرماح، كانت الرؤوس قد وزعت على القبائل، وكانت كل قبيلة تملك رأسا أو عددا من الرؤوس، إلا قبيلة واحدة لم تحصل على رأس، فحصل نزاع بين القبائل، ولم تكن تلك القبيلة مستعدة للتحرك، ولم تكن سائر القبائل مستعدة لتعطي رأسا من رؤسها إلى هذه القبيلة، فكل قبيلة كانت تريد أن يكون لها المزيد من الرؤوس للتقرب إلى يزيد وإبن زياد للحصول على الجائزة.
و هكذا بقي الجيش على هذا الحال، ولم يتحرك، إلى أن خطر ببال حرملة بن كاهل الأسدي الكوفي حل قطع من خلاله نزاع القوم..
لقد تذكر حرملة أنه حينما إستهدف عبدالله الرضيع بنبله المسموم ذو ثلاث شعب فذبحه من الوريد الى الوريد وهو على يدي أبيه سيد الشهداء وسبط الرسول ، حفر والده الإمام الحسين عليه السلام بغلاف سيفه قبرا صغيرا خلف الخيمة ودفن جثمانه الصغير، فذهب إلى محل الدفن وحفر القبر وإستخرج جثة عبدالله الرضيع (ع) وقطع رأسه بخنجره وأتى به إلى تلك القبيلة الفاقدة للرأس، فعلقوا رأس عبدالله عليه السلام فوق الرمح، ولأن الرأس كان صغيرا، والرمح أكبر منه، ولم يقف على الرمح، ربطوه بالحبال إلى أن انتصب على الرمح، و أمه الرباب تنظر إليه..
و هكذا رفع وقطع نزاع القوم، كما رفعه من قبل حينما طلب الإمام له ماءا، فحصلت بلبلة وهمهمة بين القوم، ولكنه قطع ذلك النزاع، بسهم ذو ثلاث شعب ذبحه من الوريد إلى الوريد.
السلام على باب الحوائج عبد الله الرضيع عليه السلام
السلام على رضيع كربـــــلاء
السلام على رضيع الحسين عليه السلام
“وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.

حوار بين أبي الفضل العباس و عبد الله الرضيع (ع)

بين النبتة والماء علاقة عشق أخضر .. بين التربة والماء علاقة عشق أخضر .. وبين نبع الماء وشفاه طفل علاقة عشق أكبر .. فعلاقة العشق هذه تسمو على كل العلاقات الإنسانية الأخرى .. لأن من خلالها يعرف الله سبحانه وتعالى بمعرفة مقدرته على منح الحياة .. وهذا العشق الرباني هو أساس الوجود !
فالنبع هو الماء .. والماء هو الحياة ، والنبة من غير الماء لا تحيي ! .. إذا كان كذلك فإن موقف أبي الفضل العباس (ع) حامل لواء الطف كان في عاشوراء هو النبع وهو الحياة وكانت الشفاه العطشى في مخيم الإمام الحسين (ع) هي النبتة !.
وبصورة أدق كانت شفاه الطفل عبد الله الرضيع (ع) هي النبتـة ! التي تمثل الوجود وإستمرار الحياة وتمثل أيضا علاقة العشق الأخضر .. وهكذا تكون العلاقة أكثر وضوحا فالنبع يعني الحياة ، الرضيع (ع) يساوي إستمرار الحياة! وبدون النبع الذي كان يمثله أبي الفضل العباس (ع) لا يوجد طفل ولا حياة.
وهذا ما حصل فعلا يوم عاشوراء إذ حاول أعداء الله وأعداء الإنسانية وأعداء الحياة من قطع الحبل الذي يصل الحياة بالوجود ..
بقطعهم كفي أبي الفضل العباس الحاملتان لقربة الماء وكأنه حمل الفرات كله .. لمنع الماء من الوصول الى الشفاه العطشى وفي مقدمة هذه الشفاه .. شفاه الطفل الرضيع (ع) وكأني بأبي الفضل يقول:
(( غادر الماء من كفي يا أختاه أعذريني .. لم أعد أملك شمالي .. يا سكينة أو يمني .. أعذريني .. أعذريني )) وفي ذلك إشارة للطفل الرضيع الذي تحيرت به أم المصائب ومسؤولة البيت الهاشمي الحواراء زينب (عليها السلام) ليكمل بعد ذلك القوم القساة بقطعهم لحبل الحياة بقطعهم نحر الطفل الرضيع من الوريد الى الوريد .. هذا الفعل لا يزال يقوم به أعداء الله من صهاينة وضلاميين وتكفيريين بقتلهم الأطفال الرضع بكل الوسائل التدميرية وقطعهم للماء والكهرباء وكل وسائل الحياة كما يحدث اليوم لأطفال العراق .. ونستطيع أن نصف هذا الصراع بأنه صراع البقاء واللابقاء.

أين ضمير العالم ؟ ما ذنب رضيع الإمام الحسين (ع) !!

عبدالله الرضيع – عليه السلام
فلو تراه حاملاً طفلـــــه **** رأيت بـــدراً يحمــــل الفرقدا
مخضباً من فيض أوداجــه **** ألبسه سهم الـردى مســجدا
تحسب أن السهم في نحـره **** طوق يحلي جيده عســـــجدا
و مذ رأت ليلى إليه غدــت **** تدعو بصوت يصدع الجلمدا
تقول عبدالله ما ذنبـــــه **** منفطماً آب بسهـــــــــم الردى
لم يمنحوه الورد إذ صــيرو **** فيض وريديه له مـــوردا
أفديه من مرتضع ظامـــياً **** بمهجتي لو أنه يفتـــــــــدى
فطر من فرط الصدا قلـــبه **** يا ليت قد فطر قلبي الصدا
عبد الله بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب – عليهم السلام
أمّه الرباب بنت القيس الكلبية .
قصة شهادته ( عليه السلام ) :
عاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى المخيم يوم عاشوراء وهو منحني الظهر ، وإذا بعقيلة بني هاشم زينب الكبرى ( عليها السلام ) استقبلَتهُ بِعبدِ الله الرضيع ( عليه السلام ) قائلةً : أخي ، يا أبا عبد الله ، هذا الطفل قد جفَّ حليب أُمِّه ، فاذهب به إلى القوم ، عَلَّهُم يسقوه قليلاً من الماء .
فخرج الإمام الحسين ( عليه السلام ) إليهم ، وكان من عادته إذا خرج إلى الحرب ركب ذا الجناح ، وإذا توجه إلى الخطاب كان يركب الناقة . ولكن في هذه المَرَّة خرج راجلاً يحمل الطفل الرضيع ( عليه السلام ) ، وكان يظلله من حرارة الشمس .
فصاح : أيها الناس ، فَاشْرَأَبَّتْ الأعناق نحوه ، فقال ( عليه السلام ):
أيُّها الناس ، إن كان ذنب للكبار فما ذنب الصغار .
فاختلف القوم فيما بينهم ، فمنهم من قال : لا تسقوه ، ومنهم من قال : أُسقوه ، ومنهم من قال : لا تُبقُوا لأهل هذا البيت باقية .
عندها التفت عُمَر بن سعد إلى حرملة بن كاهل الأسدي ( لعنه الله ) وقال له : يا حرملة ، إقطع نزاع القوم .
يقول حرملة : فهمت كلام الأمير ، فَسَدَّدتُ السهم في كبد القوس ، وصرت أنتظر أين أرميه . فبينما أنا كذلك إذ لاحت مني التفاتة إلى رقبة الطفل ، وهي تلمع على عضد أبيه الحسين ( عليه السلام ) كأنها إبريق فِضَّة .
فعندها رميتُهُ بالسهم ، فلما وصل إليه السهم ذبحه من الوريد إلى الوريد ، وكان الرضيع مغمىً عليه من شدة الظمأ ، فلما أحس بحرارة السهم رفع يديه من تحت قِماطِهِ واعتنق أباه الحسين ( عليه السلام ) ، وصار يرفرف بين يديه كالطير المذبوح ، فَيَالَهَا من مصيبة عظيمة .
وعندئذٍ وضع الحسين ( عليه السلام ) يده تحت نَحرِ الرضيع حتى امتلأت دماً ، ورمى بها نحو السماء قائلا :
اللَّهم لا يَكُن عليك أَهْوَنُ مِن فَصِيلِ نَاقةِ صَالح ، فعندها لم تقع قطرة واحدة من تلك الدماء المباركة إلى الأرض ، ثم عاد به الحسين ( عليه السلام ) إلى المخيم .
فاستقبلَتهُ سُكينة وقالت : أَبَة يا حسين ، لعلَّك سقيتَ عبدَ الله ماءً وأتيتنا بالبقية ؟
قال ( عليه السلام ) : بُنَي سكينة ، هذا أخوكِ مذبوحٌ من الوريد إلى الوريد .
السلام عليكم يا آل البيت وقلوبنا تنزف دما على ما حصل لكم لعن الله من قاتلكم ورفع الرماح بوجوهكم الزاهيه النقيه المنيره.

عمر الرضيع بعمر رحلة الإمام الحسين (ع)

اي شخصية في العالم لو اريد الكتابة عنها لاهميتها فاننا لا بد من ان نذكر اقوالها اعمالها نتاجاتها مواقفها تاثيرها على مجتمعها حتى تكون الكتابة ذات هدف.
لو قيل لنا اكتبوا عن عبد الله ابن الحسين عليه السلام الذي عمره ستة اشهر ؟ بهذا العمر لا يمكن ان يكون له تاريخ الا اذا رافق مولده اعجازات تحدث عنها التاريخ، ولكن لو علمنا انه قتل في الطف بسهم غادر من حقير فاجر وهو في حضن ابيه.
هنا ستثار الاسئلة عن الكيف والسبب، ومن مقتله يمكن لنا الحديث عنه والتطرق الى ما لم يتطرق اليه احد قبلي.
هل تعلمون ان عمر الرضيع الشهيد هو بعمر رحلة الحسين عليه السلام من المدينة منذ ان رفض بيعة الفاسق يزيد الى ساعة استشهاده في عاشوراء.
حيث بويع ليزيد بالخلافة في بداية رجب وولد عبد الله الرضيع في 11 رجب وخرج الحسين عليه السلام من المدينة منتصف رجب وبدأت رحلة الطف.
أُم تتحمل عناء السفر ومعها وليدها الذي ولدته قبل يوم او يومين من سفرالحسين عليه السلام، اي مصاعب تحملها الحسين عليه السلام وهو يرى زوجته الرباب بنت امرؤ القيس وهي تصارع الالم وتحتضن طفلها خشية عليه من الطوارئ ولا تعلم انها تسير صوب حتفه، رحلة الحسين عليه السلام استغرقت 175 يوم وعمر الرضيع ستة اشهر.
كل الذين استشهدوا في الطف حملوا السيف الا الرضيع ماذا حمل ؟ حمل شهادة على قوم تدينهم عند مليك مقتدر، والذي هو العلامة البارزة والدلالة الفارزة على خبث وحقد ولؤم يزيد واتباعه. ولو روينا قصة استشهاده فأي عين لا تدمع وأي قلب لا ينفطر لهذا المشهد المروع، وهذه قصة استشهاده:
صاح الحسين عليه السلام: أيها الناس، فَاشْرَأَبَّتْ الأعناق نحوه، فقال ( عليه السلام ):
أيُّها الناس، إن كان ذنب للكبار فما ذنب الصغار وهو يحمل الرضيع بيده.
فاختلف القوم فيما بينهم، فمنهم من قال: لا تسقوه، ومنهم من قال: أُسقوه، ومنهم من قال: لا تُبقُوا لأهل هذا البيت باقية.
عندها إلتفت عُمَر بن سعد إلى حرملة بن كاهل الأسدي ( لعنه الله ) وقال له: يا حرملة، إقطع نزاع القوم.
يقول حرملة: فهمت كلام الأمير، فَسَدَّدتُ السهم في كبد القوس، وصرت أنتظر أين أرميه.
فبينما أنا كذلك إذ لاحت مني التفاتة إلى رقبة الطفل، وهي تلمع على عضد أبيه الحسين (عليه السلام ) كأنها إبريق فِضَّة.
فعندها رميتُهُ بالسهم، فلما وصل إليه السهم ذبحه من الوريد إلى الوريد، وكان الرضيع مغمىً عليه من شدة الظمأ، فلما أحس بحرارة السهم رفع يديه من تحت قِماطِهِ واعتنق أباه الحسين (عليه السلام )، وصار يرفرف بين يديه كالطير المذبوح، فَيَالَهَا من مصيبة عظيمة
وعندئذٍ وضع الحسين ( عليه السلام ) يده تحت نَحرِ الرضيع حتى امتلأت دماً، ورمى بها نحو السماء قائلا:
اللَّهم لا يَكُن عليك أَهْوَنُ مِن فَصِيلِ نَاقةِ صَالح، فعندها لم تقع قطرة واحدة من تلك الدماء المباركة إلى الأرض، ثم عاد به الحسين ( عليه السلام ) إلى المخيم.
اي جريمة هذه؟… اي خسة هذه؟… اي دموع تفي حق هذه الماساة ؟!!
ان الحرقة التي سببها هذا اللعين حرملة بقيت في صدر الامام السجاد عليه السلام حتى انه لما علم بثورة المختار سال السجاد عليه السلام عن راس حرملة فيروي المنهال أنّه لما أراد الخروج من مكّة بعد واقعة الطف بسنوات، التقى هناك بالإمام السجاد. وسأله الإمام السجاد عليه السلام عن حرملة، فقال: هو حي بالكوفة، فرفع الإمام يديه وقال: “اللّهّم أذقه حرّ الحديد، اللّهمّ أذقه حرّ النار”. ولما قدم المنهال إلى الكوفة قصد المختار، وبينما هو عنده إذ جاءه بحرملة، فأمر بقطع يديه ورجليه ثمّ رميه في النار.
فأخبره المنهال بدعاء زين العابدين على حرملة. فابتهج المختار كثيراً لأن إجابة دعوة الإمام السجاد تحقّقت على يده(سفينة البحار 1: 246، إثبات الهداة 5: 229).
وعندما علم بذلك الامام السجاد قيل لاحت لاول مرة على شفتاه ابتسامة شكرلله عز وجل حيث اطفات بعض الالم المخزون في صدره من واقعة الطف ومن ثم دعا للمختار رضوان الله تعالى عليه.
هذه الرواية تظهر حجم الالم الذي خلفه مقتل الطفل الرضيع عليه السلام والذي ليس له اخ من امه سوى سكينة وما ادراك ما سكينة التي عاشت 75 سنة قضتها في العبادة والصوم وقراءة القران.
طفل استشهد فتحيى له الذكرى ويحفظ له التاريخ قصة استشهاده ويكون دمه الوحيد الذي صعد الى السماء من كف الحسين ولم ينزل الارض ليبقى الشاهد يوم المحشر على قوم يزيد واتباعه من الاولين والاخرين، وله مرقد في حضن ابيه، هذا هو الرضيع، وهنا اسال اين حرملة ؟ اين عمرو بن سعد ؟ اين ابن زياد ؟ اين يزيد ؟ انه الحكم الالهي في تخليد عترة المصطفى (ص) واذلال قاتليهم في الدنيا واثناء موتهم وبعد موتهم ويوم محشرهم.

مأساة واقعة الطف وقتل الطفل الرضيع عليه السلام

في صباح العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61هجرية، قامت معركة حامية الوطيس في ساحة كربلاء، بين جيشين : جيش بني هاشم وأصحابهم، بقيادة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، وأهل بيته وأصحابه، وعددهم السبعين.. في مقابل جيش بني أمية وبقيادة عمر بن سعد، وبعدد أقل الروايات تقول عشرة آلاف مقاتل.
في نهار شديد الحرارة، في الوقت الذي يقف الجيش الأموي مانعاً وصول الماء إلى معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) لأكثر من يوم، حتى بات جميع من في معسكر الإمام يعاني شدة العطش في حين سلطت أشعة الشمس حرارتها، فعانى الجميع هذا الإجراء القاسي والهادف إلى الضغط على الإمام الحسين (عليه السلام) بالتسليم، والطاعة للحكم الأموي، الذي فقد كل القيم الإنسانية، وفكره الشاغل إرغام الناس إلى طاعة حكمه، مهما كلف الأمر.
الإمام الحسين (عليه السلام) يوضح هدفه من ثورته منذ لحظتها الأولى حين يودع فيها أهل بيته وعشيرته ليترك مدينة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) متوجهاً إلى كربلاء حيث مكان استشهاده قائلاً:
(أني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي محمد، وأبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن رد عليّ هذا اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين).
هذا هو هدف الإمام الحسين (عليه السلام) من نهضته، أما العدو الأموي في الشام، يزيد بن معاوية، والذي أعلن هدفه منذ تسلط على السلطة التي تسلمها بعد التهديد رغم افتقاره التام إلى مقومات تلك السلطة، حيث وضع أمام عينيه، الحكم هو الغاية الأساسية في نهج الأمويين، وهذا ما وضح في رسالته إلى واليه في المدينة عندما طلب أن يأخذ البيعة من الحسين (عليه السلام) وبعض أتباعه من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله)، أخذاً شديداً ليس فيه رخصة، فمن يأبى عليك منهم فأضرب عنقه، وابعث إليّ برأسه).
هدفان، عنف ولا عنف، سلم ولا سلم، خير وشر، انه صراع بين توجهين: حياة وموت، ومبدأ الإمام الحسين (عليه السلام)، تخليص أمة الإسلام من حاكم لا يعرف إلا نفسه ولعبه، ومصلح جُل تفكيره أن ينقذ الإنسان من الاستعباد والظلم، والعيش بكرامة.
ساحة كربلاء يتنافس على أرضها فريقان.. فريق يدعو للحق وهم قلة في عددهم، وفريق يدعو للباطل وهم كثرة.
يمثل الباطل جيش يزيد بن معاوية الأموي والذي يعلن عن مبادئه قطع المياه عن جيش الإمام الحسين ليموت وكل من معه عطشى، مبدأ الطغاة، وصوت الجاهلية البغيض، وبصوت عالٍ، اقتلوا الحسين وأهل بيته، وأصحابه، وأبيدوهم حتى الأطفال والنساء، واحرقوا عليهم خيامهم لتصهرهم رمضاء كربلاء، ولنشفي بهم صدورنا، ولنحصل على جائزة أميرنا الأموي.
والإمام الحسين (عليه السلام) وهو الذي يدعو للحق، ويشهد قتل أهله وأصحابه، لم يبق له من تلك الصفوة إلا ـ طفل رضيع لم يتجاوز الأشهر الستة من طفولته ـ أخذ به الظمأ، وقد جف لبن أمه من العطش، حملته أمه إلى ساحة الوغى، ووضعته في حضن أبيه الحسين، وهو يعاني سعير الموت من ظمأ، يخمد على شفاه ذابلة، وجذوة الطفولة البريئة يغفو شاحباً على وجنتين أتعبهما رهج الموت، وبين أنين جراح الأب المظلوم، يرفع الإمام الحسين طفله على كفين مجهدتين أمام الجيش الأموي المقاتل، ويصيح بضعيف صوته، يا أعداء الله، يا جيش بني أميه إن كان للكبار ذنب تقتلوهم، فما ذنب هذا الرضيع، خذوه واسقوه جرعة من الماء قبل أن يفارق الحياة!
فيختلف الجيش الأموي فيما بينه، بعض يوافق وآخر يعترض قائلاً: إن كان الكبار لم يبايعوا يزيداً! فما ذنب هذا الرضيع؟
وآخر ينادي اقتلوا أهل هذا البيت كبيرهم وصغيرهم لتخلوا الأرض لبني عبد شمس.
ويحملق عمر بن سعد في جيشه واختلافهم فيما بينهم، وقبل أن يفقد سيطرته يشير إلى احد قواد جيشه وهو حرملة بن كاهلة قائلاً له: حرملة اقطع نزاع القوم واقتل الرضيع، وعلى فوره سدّد سهماً إلى رقبة الطفل، فذبحه من الوريد إلى الوريد، تاركاً الرضيع يرفرف بين يدي والده الإمام الحسين (عليه السلام) والدم منفجراً يشخب من وريده، وما هي إلا لحظات وذبل، وتجمد، فيحمله الأب المظلوم إلى معسكره، لتراه أمه مذبوحاً، فتصاب بالذعر والذهول.
إن هذه المأساة ـ مأساة الطفل الرضيع ـ لها امتيازها الخاص عن شهداء الطف وهي:
ـ قتل الطفل تمثل غاية القسوة الدموية في الجيش الأموي، وتؤكد بذلك إلحاح هذا الجيش في القضاء على أهل البيت (عليهم السلام) كبيرهم وصغيرهم وهذا ما يصور لنا خوف الأمويين من أهل البيت (عليهم السلام) لأنهم أحق بالسلطة من غيرهم .
ـ لم يؤثر هذا الموقف في عقيدة الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يرى طفله متضرجاً بدمائه رغم ـ أبوته ـ إلا انه عبر عن إثراء كبير للنهضة الحسينية الإصلاحية في تعديل مسار التحرك الإسلامي نحو التصحيح، فقد كان الكسب الإيجابي متمثلاً بالأتي:
إنه (عليه السلام) في سبيل نهضته الخالدة، قدم بكل بطولة القرابين بما فيهم الصغار لتروى بدمائها ارض كربلاء، لتبقى الذكرى حية على مر الزمن.
وقد كشف (عليه السلام) بهذا المبدأ التضحوي بربرية الأمويين، وتهالكهم على السلطة، في مقابل تضحيات الإمام الحسين (عليه السلام) في سبيل الإسلام إيماناً منه لإحياء دين جده المصطفى (صلى الله عليه وآله).
ومن هذا المنطلق تبقى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ـ أبو الأحرار ـ مع التأريخ خالدة، وتتجدد كلما مر عليها الزمن.
وستبقى تلك النهضة رمزاً للحركات التصحيحية، ورمزاً للحق ضد الباطل.
فسلام عليك يا أبا الشهداء، يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيا.

بقلم: السيد محمد صادق بحر العلوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى