التعليممقالات

ماليزيا والعالم الإسلامي.. صورتان مختلفتان

حينما وصلت إلى ماليزيا منتصف شهر أغسطس الماضي، وجدت أن هذا البلد بما فيه من نهضة وتقدم يمثل مكسباً حضارياً مهماً للعالم الإسلامي، ومن حظ العالم الإسلامي أن تكون ماليزيا جزءاً من محيطه وكيانه وجغرافيته الإسلامية، ومن حق المسلمين أن يفخروا بهذا البلد الذي وصل إلى ما وصل إليه ويعتزون به. وهو البلد الذي ظل متمسكاً بصلته وروابطه مع المحيط الإسلامي بدون نكوص أو ارتداد، بل وبقي ساعياً وحريصاً على نهضة ووحدة الأمة الإسلامية التي يجد فيها مجده ومستقبله، ويكفي دلالة على ذلك الخطوة التي أقدمت عليها الجامعة الإسلامية العالمية هناك، بتأسيس المعهد العالمي لوحدة الأمة الإسلامية سنة 2001م، بموافقة وتأييد رئيس الحكومة الماليزية آنذاك الدكتور محاضير محمد، وهو المعهد الأكاديمي الرابع في إطار الجامعة، ويطمح هذا المعهد كما جاء في الدليل التعريفي له، أن يصبح مركزاً فكرياً عالمياً محترماً يتبنى كافة البرامج والأنشطة الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية الهادفة إلى تعميق فكرة وحدة الأمة الإسلامية وتضامن شعوبها.
فما أنجزته ماليزيا من نهضة وتقدم لم يدفعها نحو الابتعاد عن المحيط الإسلامي، أو يمتص منها مثل هذا الشعور بالانتماء والارتباط لهذا المحيط، بقدر ما قربها لهذا المحيط، وعزز عندها الشعور بالحاجة إلى هذا الانتماء والارتباط بالمحيط الإسلامي.
ومع أن ماليزيا هي جزء أصيل وقديم في العالم الإسلامي، إلا أنها تختلف عنه، ولا تكاد تتشابه معه، ومنشأ هذه المفارقة جاء نتيجة النهضة التي شهدتها ماليزيا، وجعلت منها بلداً مختلفاً ومتميزاً عن دول كثيرة في العالم الإسلامي. فالصورة اللامعة التي تقدمها ماليزيا عن نفسها تختلف كلياً عن الصورة التي يقدمها العالم الإسلامي عن نفسه، فبين صورة النهضة في ماليزيا، يظهر العالم الإسلامي بمظهر المحيط الذي تطحنه النزاعات والصراعات والحروب، وتنبعث فيه الأفكار والأيديولوجيات التي ترتد به إلى الوراء، وتسحبه إلى الخلف إلى ما قبل المدنية والحضارة، وتغلق عليه منافذ المستقبل، وتدفعه نحو التآكل الداخلي.
لهذا فإن الصورة التي يقدمها العالم الإسلامي عن نفسه اليوم، هي صورة مخيفة لنا وللعالم على حد سواء، فقد تحول محور طنجة ـ جاكرتا الذي دعا إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي في خمسينات القرن الماضي، من محور يتطلع إلى نهضة وتقدم العالم الإسلامي، إلى محور نزاعات وصراعات، وانفجارات متنقلة تبعث على الخوف والرعب في نفوس الناس، ولم تسلم منها مناسبات الفرح والابتهاج كاحتفالات الناس بالزواج، ولا مناسبات الحزن والعزاء.
ومن المؤسف حقاً أن يظهر العالم الإسلامي وكأنه عالم يحترق وتشتعل فيه النيران، وترتفع فيه أعمدة الدخان، وتغطيه سحابة سوداء، في عصر يشهد فيه العالم أعظم ثورات التقدم وبشكل لم يحصل في تاريخه القديم والحديث، وتتنافس فيه الأمم وتتسابق نحو المزيد من التقدم والصعود في مختلف ميادين ومجالات العلم والحياة، وفي عصر لا يتوقف الحديث فيه عما يسمى بثورة المعلومات وانفجار المعرفة، وهي الثورات التي جعلت كل شيء يتغير ويتجدد في هذا العالم، الذي أصبح يمر بمرحلة مفارقة في تاريخه، بحيث بات يتفوق فيها على جميع المراحل التي مرت عليه من قبل.
وأما نحن في العالم الإسلامي، فإننا نظهر إلى العالم وكأننا ننتمي إلى العصور الوسطى، أو أننا نعيش في خارج الزمن، وعلى هامش التاريخ، وبعيداً عن إيقاع العصر، حتى أن الأمم الأخرى باتت تجد عزاءها فينا، وهذا ما حاول أن يسلي به بول كيندي شعوب أمريكا اللاتينية التي توقع لها في كتابه: (الاستعداد للقرن الحادي والعشرين)، أن تصبح هامشية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، مع إمكانية أن يحصل فيها انهيار اقتصادي واجتماعي واسع، تنشا عنه تحديات مروعة حسب وصفه، وإذا كان هذا الرأي يخيب في نظر بول كيندي أمل القراء في البرازيل وبيرو، إلا أن لهم عزاء في العالم الإسلامي، وبهذه الكلمات المخيبة للآمال فتح كيندي حديثه عن العالم الإسلامي، الذي يعاني في نظره من الضغوطات السكانية، ونقص المصادر والطاقة التعليمية والتكنولوجية، وتفجر الصراعات الإقليمية، وبعيداً عن الاستعداد للقرن الحادي والعشرين، فإن معظم العالمين العربي والإسلامي يجد صعوبة في تقدير كيندي في التعامل حتى مع القرن التاسع عشر.
لهذا فنحن بحاجة إلى ماليزيا بحثاً عن بقعة الضوء، وبصيص الأمل، ولاستعادة الثقة، في إمكانية نهضة وتقدم العالم الإسلامي1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الخميس 24 شعبان 1428هـ / 6 سبتمبر 2007م، العدد 14985.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى