التعليممقالات

العدل في الاسلام…

والعدل في الإسلام أصل ومبدأ ومنهاج و غاية .
فالعدل أساس من أسس الدين و أصل من أصوله حين نصف به خالق الكون عز اسمه .
ويراد من عدل الله سبحانه أنه لا يهمل فعلاً تحتمه المصلحة ، ولا يصدر قبيحاً تمنعه الحكمة ، لا يصنع شيئاً من هذا ، ولا يغفل شيئاً من ذلك ، لأنهما لا يكونان إلا الحاجة تضطر الفاعل إلى المخالفة وقد تنزه الباري عن الحاجة لغناه . أو الجهل من الفاعل بصلاح الشيء وفساده وقد تعالى الله عن ذلك لعلمه ، أو لعبث يريده بذلك الفعل دون جهل منه ولا حاجة ، وقد تعالى الله عن ذلك لحكمته : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ 1.
وعن القول بعدل الله سبحانه ينشأ القول بعصمة أنبيائه و أوصيائه ، و هي إحدى عقائد الإسلام الأخرى . والعصمة أعلى درجات العدل في الإنسان وأقوى مراتب الاستمساك بالدين .
وإذا كان النبي والوصي من بعده هو الممثل الأعلى للدين في الأمة والقيم الأكبر على إقامة العدل فيها فيجب أن يكون اشد الناس تمسكاً بمبادئ الدين وأقواهم انطباعاً بملكات العدل .
ومحال على الله الحكيم العدل المقتدر أن يأتمن على شريعته رجالاً لا يأمن الناس على أحاديثهم الكذب ولا على أعمالهم الفسق ولا على نصيحتهم الخيانة ، محال أن يقع منه ذلك لأنه قبح تحظره الحكمة أو جهل يمنعه العلم أو اضطرار تأباه القدرة .
والعدل مبدأ ومنهاج حين نصف به دين الإسلام ذاته .
ويقصد بعدل الإسلام انه قيم ليس فيه ميل ولا اضطراب ، قسط ليس به سرف ولا تقصير ، وأنه عام الملاحظة لنواحي الإنسان دقيق الموازنة بين أطواره و أحواله ، فيفي لكل منحى من نواحيه بما يستحق ، ويشرع لكل حال من أحواله ما يقتضي ولا يخيف على جهة بالتشريع لأخرى ، ولا يؤثر ناحية على حساب ناحية : ﴿ … وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ 2.
والعدل هو الغاية من تشريع الدين حين نصف به الإنسان الفرد أو نصف به الإنسان الأمة .
العدل هو الإستقامة ، والاستقامة هي الكمال . والكمال هو الغاية .
فإيجاد الإنسان العادل وإقامة المجتمع العادل هي غاية الله من الإسلام حين وضع أول حجر من هيكله ورفع أول قاعدة من قواعده . ومن أجل هذه الغاية وضع كل حجر منه وأقام كل قاعدة ، ومن أجل هذه الغاية أتم البناء وثبّت الدعائم . وبهذه الغاية الشاملة يرتبط كل جذر من جذور الدين وعليها يتفرع كل غصن من أغصانه ومنها تبدو وتنضج كل ثمرة من ثمراته : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ … ﴾ 3
والعدل في الإسلام سلسلة متراصفة الأجزاء مترابطة الحلقات . فمن العدل في العقيدة إلى العدل في المنهاج إلى العدل الهدف ، ومن الاتزان في السلوك إلى الاتزان في المعاملة إلى الاتزان في الخلق ، ومن النَصَف بين الغرائز إلى النَصَف بين الإفراد إلى النَصَف بين الأمم ، ومن القسط في القول إلى القسط في الحكم إلى القسط في الميزان ، ومن الاستقامة في النفس إلى الاستقامة مع الغير . ومن العدل في الفرد الخاص إلى العدل في المجتمع العام ، ومن التساوي في الحقوق إلى التساوي في الطبقات . ومن العدل في ميادين العمل في الدنيا إلى العدل في موازين الجزاء في الآخرة ، كل هذه مجالات لنشاط الدين ، وكل هذه مجالي للعدل المتكامل الذي يستهدفه دين الإسلام .
وكل هذه مظاهر لعدل الله الكامل الشامل تدل على مراشد دينه كما تدل على مناهج قوانينه .
فالمؤمن حق الإيمان من يقوم لله بالقسط ، ومن يكون رقيباً لله على نفسه وعلى خاصته في ذلك قبل أن يكون شهيداً له على من سواهم ، ومن لا يشذ به الهوى ولا تميل به الأغراض عن منهاج العدل في جميع ذلك . اما من يلوى أو يعرض فإن الله خبير بالخائنين في عهودهم ، ونقمته مرصودة لهم جزاء وفاقاً لخيانتهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ 4.
والمؤمن حق الإيمان من يتصل عدل اللسان منه بعدل اليد والقلب ، فلا ينطق لسانه إلا بصواباً ولا يحكم إلا عدلاً ولا تعمل جوارحه إلا حقاً ولا يعزم قلبه الا خيراً : ﴿ … وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا … ﴾ 5.
والمؤمن ولي المؤمن في إقامة العدل في خاصته وعامته ، يرشده إذا جهل ويقوّمه إذا زاغ ويشده إذا ضعف وينهض بمعونته إذا اعيى : ﴿ … وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ 6 .
ومن أجل هذه النزعة الشديدة إلى العدل وهذا الولوع الإسلامي بإقامته فكل عمل يؤدي إلى الخير ويوافق الشريعة فإن القرآن الكريم يسميه عدلا ، فيقول مثلاً في وصف يوم الجزاء والتحذير من شدائده : ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ 7. ويقول أيضاً :﴿ … وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا … ﴾ 8.
والعدل فريضة محتومة تجب رعايتها والمحافظة عليها من جميع أفراد المسلمين ، حتى مع الكفار الذين لا يدينون دين الحق إذا لم يقاتلوا المسلمين ولم يضطهدوهم ولم يفـتنوهم في دنياهم ولم يلبسوا عليهم دينهم . حتى مع هؤلاء يجب على المسلمين القسط في المعاملة ، والمساواة في حقوق الإنسانية بل ويسمو الإسلام على ذلك إلى البر بهم والإحسان إلى ضعفائهم : ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ 9.
والحقد والشنآن كذلك لا يسوّغان لأحد من أتباع هذا الدين أن يرتكب مع مناوئيه ما يخالف عدل الإسلام ، وأن ينحدر إلى شهوة الانتقام وبؤرة التشفي فإن المسلم أزكى من ذلك نفساً وأطهر قلباً :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ 10.
والحقد و الشنآن ذاتهما موضوعان لنظرة العدل في الإسلام ، فلا يحقد المؤمن إلا في الحق ولا يبغض إلا في الله . وطبيعي أن يتحدد هذا الحقد وهذا البغض بمقدار ما يقتضيه الحق وما يأمر به الله ، وطبيعي أن تنحصر بوادرهما ونتائجهما في ضمن هذه الحدود . ومشأنأة أحد للمسلمين لا تعني أن الشانئ مجانب للحق في جميع أحواله ، وواجب المؤمن هو مراعاة الحق أنّى كان وأين وجد .
وإذا قعد الضعف الإنساني بأحد عن هذه الغاية ومالت به الأغراض عن الله في كراهته وحقده ، فلا ينتظر من دين الله إن يميل عن الحق لميل احد أتباعه ، على انه لا يهتم بحقوق المناوئين قدر اهتمامه بما تتركه رعاية هذه الحقوق من زكاة في نفوس المسلمين وتهذيب لطباعهم وجلاء لإيمانهم .
وحتى الحروب المقدسة التي يشنها الإسلام على أعدائه ليس معناها سقوط أحكام العدل مع هؤلاء المحاربين واستباحة العدوان عليهم .
إن الإسلام إنما يكافح الجور في شتى مظاهره وفي شتى أسبابه ، فلا يعقل إن يحييه وهو يبتغي إبادته . وان الإسلام إنما يدعو الكافرين به إلى إقامة العدل فلا يعقل إن يسقط معهم أحكام العدل ، والمتحتم على الفرد المسلم في هذه الحروب أن يكون صورة حيّة لعدل الإسلام ، وبرهاناً شاخصاً على صدق دعوته : ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ 11 بلى إن الله لا يحب المعتدين حتى في هذه الظروف الحرجة التي يجد فيها الناس مساغاً للاعتداء .
إن الحروب التي يشنها الإسلام حروب عادلة ، لا لان الإسلام يبتغي من إثارتها إقرار العدل وتعميم مناهجه وتيسير سبله فحسب ، بل لأنها عادلة في جميع ملامحها ، مقسطة في جميع أوضاعها .
هي طلقة المحيا بالإيمان مشرقة الأسارير بالعدل حتى في أشد مواقفها محنة وامض ساعاتها بلاءاً ، وهي بذاتها تهدي المستبصر بعقله إذا رام الهدى كما تقوّم المعوج بطبعه إذا آثر الزيغ .
والخروج على العدل في المجتمع الإسلامي والاستخفاف بالأمن فيه جريمة كبرى في موازين هذا الدين ، ومرتكبها محارب لله ولرسوله مستوجب لأمض أنواع التأديب : ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ 12.
فإذا كانت المخالفة من طائفة ذات منعة وقوة فإن الإسلام يشن عليها حرباً مؤدبة حتى يفيء الباغي ويستقيم المعوج : ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ 13.
وإذا كان العدل هو الاستقامة والاتزان في الخلائق . والأخذ بما يصح من الأمور والنبذ لما لا يصلح منها والمحافظة على ما يجب من قوانين والاحتراس عن الخلاف عليها فإن العدل دين كل شيء وشريعة كل كائن : ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ 14.
أما العدل في الآخرة فانه الحافز العظم على الاستقامة في الدنيا . والجزء المتم لمنهاج العدل في الدين : ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ 15.
على هذا السنن المستقيم العادل أسس دين الإسلام يوم أسس ، وانزل كتاب الإسلام يوم انزل : الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان 4216 وعلى هذا السنن المستقيم العادل توالت أحكام هذا الدين وتتابعت أصوله وفروعه وأنزلت تعاليمه وآدابه : ﴿ وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ 16وعلى هذا السنن المستقيم العادل أتم دين الله آخر نص من نصوصه ، وختم وحي الله آخر آية من آياته : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ 1718 .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى