مقالات

أدلَّةُ جوازِ التَّقليدِ (الحلقة الخامسة)

بسمِ اللّٰهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

بقلم: زكريَّا بركات


الدليل الثَّالث
(السُّـنَّة)

أوَّلاً ـ قطعيَّة الأحاديث الشريفة في الباب:

صرَّح الشيخ الأنصاري (ت 1281 هـ) بتواتر السنَّة الشريفة في هذا الباب، وذلك في رسالته “الاجتهاد والتقليد” (ص48) .

وقال الآخوند الخراساني (ت 1329 هـ) في “كفاية الأصول” (ص473 ـ 474) : “الأخبار على اختلاف مضامينها وتعدُّد أسانيدها لا يبعد دعوى القطع بصدور بعضها، فيكون دليلاً قاطعاً على جواز التقليد…”. إلخ كلامه.

وقال السيِّد الخوئي (ت ١٤١٣ ه‍) ـ كما في “فقه الشيعة” (7/16) ـ : “أمَّا الأخبار الدالَّة على حُجيِّة الفتوى وجواز عمل الغير بها فهي على طوائف، يبلغ مجموعها حدَّ التواتر، بحيث يوجب القطعَ بصدور بعضها…”. إلخ كلامه. وقريبٌ منه عبارةُ “التنقيح” (1/91) .

وبناءً على ما ذكره هؤلاء الأعلام من علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يكون التقليد مستنداً إلى القطعيِّ من الأحاديث الشريفة عنهم عليهم السلام، وحينئذٍ نعلم أنَّ دعاوي ترك التقليد والتشكيك في المرجعيَّة تنمُّ عن جهل بالقطعيِّ من أحاديث أهل البيت عليهم السلام.. ومن العجائب أنَّ الدُّعاة إلى ترك التقليد يدعون العوامَّ إلى الرجوع إلى الأحاديث مباشرةً من غير توسيط العُلماء الأُمناء، فصارت الدعوةُ إلى الرجوع إلى الأحاديث (بهذا الشكل) منافيةً للقطعيِّ من الأحاديث.

وكما ضاعت الأمَّة الإسلامية بفصل القرآن عن العترة، فكان رجوعُهم إلى القرآن الكريم من غير رجوع إلى العترة منافياً لمرجعية القرآن الكريم نفسه وتضييعاً لأحكامه، فكذلك الدعوة إلى فصل الأحاديث عن العلماء الأمناء من المنتمين إلى العترة؛ أدَّت إلى ابتداع مرجعيَّة للأحاديث منافيةٍ للقطعيِّ من الأحاديث نفسها، ممَّا يؤدِّي إلى تحريف معنى الأحاديث وتضييعها.. والهدف هو ضياع أتباع أهل البيت عليهم السلام وابتعادهم عن تعاليم العترة الطاهرة..

وبعبارة أخرى: إنَّ شعار (حسبنا كتاب الله) كان غرضه تضييع كتاب الله تعالى، وبالتالي تضييع الأمَّة الإسلاميَّة وإيجاد الفتنة بينهم، وكذلك شعار (حسبنا أحاديث أهل البيت) هدفه تضييع أحاديث أهل البيت، وبالتالي تضييع أتباع أهل البيت وإيجاد الفتنة بينهم.

ثانياً ـ استعراض جُملةٍ من الأحاديث الشريفة:

نظراً إلى كثرة الأحاديث الواردة في الباب، نقتصر على ذكر جملة منها فيما يلي.

1 ـ فمنها صحيحة أحمد بن إسحاق في وسائل الشيعة (27/138) برقم (33419) نقلاً من الكافي، عن الإمامين الهادي والعسكري (ع) ، قال ابن إسحاق: “سَأَلْتُهُ وَقُلْتُ: مَنْ أُعَامِلُ (وَعَمَّنْ) آخُذُ وَقَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ؟ فَقَالَ (ع) : الْعَمْرِيُّ ثِقَتِي فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي، فَعَنِّي يُؤَدِّي، وَمَا قَالَ لَكَ عَنِّي فَعَنِّي يَقُولُ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ؛ فَإِنَّهُ الثِّقَةُ المأْمُونُ”.

2 ـ ومنها ما في وسائل الشيعة (27/147) برقم (33448) بسند صحيح، نقلاً من رجال الكشي، عن عبد العزيزِ بن المهتدي والحسن بنِ عليِّ بنِ يقطين جميعاً، عن الرِّضا (ع) ، قال: قلتُ: “لَا أَكَادُ أَصِلُ إِلَيْكَ أَسْأَلُكَ عَنْ كُلِّ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي، أَفَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ آخُذُ عَنْهُ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ”.

3 ـ ومنها صحيحة شعيب العقرقوفي في رجال الكشي (ص171) ، برقم 291 ، وعنه الوسائل (27/142) برقم 33430 ، قال شعيبٌ: قلتُ لأبي عبد الله الصادق : ربَّما احتجنا أن نسأل عن الشيء، فمن نسأل؟ قال (ع) : “عليك بالأسديِّ” يعني أبا بصير. انتهى.

4 ـ ومنها موثَّقة يونس بن يعقوب في رجال الكشي (ص337) برقم 620 ، وعنه الوسائل (27/145) برقم 33439 ، قال يونسُ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصادق فَقَالَ: “أَمَا لَكُمْ مِنْ مَفْزَعٍ، أَمَا لَكُمْ مِنْ مُسْتَرَاحٍ تَسْتَرِيحُونَ إِلَيْهِ؟ مَا يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ النَّصْرِيِّ؟”. انتهى.

5 ـ ومنها صحيحة عبد الله بن أبي يعفور في رجال الكشي (ص161) برقم 273 ، وعنه الوسائل (27/144) برقم 33438 ، وفيها إرجاع الإمام الصادق (عليه السلام) لابن أبي يعفور إلى محمَّد بن مسلم، قال (ع) : “مَا يَمْنَعُكَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيِّ؛ فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي، وَكَانَ عِنْدَهُ وَجِيهاً”. انتهى.

6 ـ ومنها رواية رجال الكشي (ص594) برقم 1112 ، وعنه الوسائل (27/146) برقم 33442 ، بسنده عن علي بن المسيَّب الهمداني، قال: قلتُ للرِّضا عليه السلام: شُقَّتي بعيدةٌ ولستُ أصل إليك في كلِّ وقتٍ، فمِمَّن آخذُ معالمَ ديني؟ قَالَ (ع) : “مِنْ زَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ الْقُمِّيِّ الْمَأْمُونِ عَلَى الدِّينِ وَالدُّنْيَا”. الخبر.

7 ـ ومنها رواية إسحاق بن يعقوب في وسائل الشيعة (27/140) برقم (33424) نقلاً من كتاب إكمال الدين، عن الإمام الحجَّة (عج) أنه قال في التوقيع الشريف: «وَأَمَّا الحوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ الله».

8 ـ ومنها رواية الطبرسي في الاحتجاج (2/458) عن الإمام الصادق عليه السلام، وعنه الوسائل (27/131) برقم 33401 ، قال (ع) : ” فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ…”. الحديث.

9 ـ ومنها رواية الكشي (ص4) برقم 7 ، وعنه الوسائل (27/151) برقم 33460 ، بسنده عن الإمام علي الهادي عليه السلام، أنه سُئل من قبل أحمد بن حاتم بن ماهويه وأخيه: عمَّن آخذ معالم ديني؟ فكتب إليهما (ع) : “فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتُما، فَاصْمِدَا فِي دِينِكُمَا عَلَى كُلِّ مُسِنٍّ فِي حُبِّنَا، وَكُلِّ كَثِيرِ الْقَدَمِ فِي أَمْرِنَا؛ فَإِنَّهُمَا كَافُوكُمَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى”. انتهى.

10 ـ ومنها رواية الكشي (ص3) برقم 4 ، وعنه الوسائل (27/150) برقم 33457 ، بسنده عن الإمام الكاظم عليه السلام، أنه كتب وهو في السِّجن إلى عليِّ بن سويد السائي: “وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ يَا عَلِيُّ مِمَّنْ تَأْخُذُ مَعَالِمَ دِينِكَ، لَا تَأْخُذَنَّ مَعَالِمَ دِينِكَ عَنْ غَيْرِ شِيعَتِنَا؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَعَدَّيْتَهُمْ أَخَذْتَ دِينَكَ عَنِ الْخَائِنِينَ الَّذِينَ خَانُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَخَانُوا أَمَانَاتِهِمْ…” إلخ الحديث. والمفهوم من النهي عن الأخذ من غير الشيعة الأمر بالأخذ من الشيعة، ولا ريب أنَّ المقصود هو الأخذ من فقهائهم الأمناء الذين يجيبون استناداً إلى روايات أهل البيت عليهم السلام.

إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة التي تدلُّ على الإرجاع إلى فقهاء معيَّنين بأسمائهم، أو تُرجع إلى عناوين خاصَّة هي ـ أيضاً ـ تنطبق على الفقهاء الأمناء من مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

وهذه الأحاديث مطلقة، أي إنها ليست مقيَّدة بما إذا كان الفقيه يقرأ نصَّ الرواية لمن يرجع إليه، فتكون شاملة لفتوى الفقيه الذي يستند إلى رواياتهم عليهم السلام، حتى إذا كانت الفتوى تشتمل على نحو من إعمال النظر والتدقيق الفكري، كالجمع بين الروايتين المتعارضتين، أو حمل المطلق على المقيَّد، أو التمسُّك بالعامِّ عند الشكِّ في التخصيص.. وغير ذلك من أنحاء الاجتهاد والاستنباط المستند إلى رواياتهم عليهم السلام.

كما يؤيِّد هذا الإطلاقَ التعبيرُ بـ (الحوادث الواقعة) في رواية إسحاق بن يعقوب؛ فإنَّ الحوادث الواقعة قد لا يكون حكمها منصوصاً عليه في ألفاظ رواياتهم عليهم السلام، فيجيب فيها الفقيه المأمون بحسب ما ينتهي إليه نظره المستند بنحو معتبر إلى رواياتهم عليهم السلام.

فإن قيل: فما وجه التعبير بـ (رواة الحديث) في بعض الأخبار؛ دون التعبير بالعلماء والفقهاء؟

قلنا ـ كما أفاده بعض أهل العلم ـ : قد يكون ذلك لأنَّ فقهاء الشيعة إنَّما يفتون استناداً إلى رواياتهم عليهم السلام، ولا ينطلقون من القياس والاستحسان وغير ذلك من الآراء والظنون غير المعتبرة، فما يفتون به هو ـ في الحقيقة ـ بمنزلة الرواية بالمعنى عنهم، ولذلك يصحُّ التعبير عنهم بأنَّهم رُواة حديث أهل البيت عليهم السلام.

11 ـ ومن الروايات الدالَّة على جواز التقليد ـ أيضاً ـ ما رواه النجاشي (ت 450 هـ) في الرِّجال (ص10) ، بترجمة أبان بن تغلب، قال: قال له أبو جعفر عليه السلام: “اجلس في مسجد المدينة وأَفْتِ الناس، فإني أُحبُّ أن يُرى في شيعتي مثلُك”.

12 ـ ومنها معتبرة معاذ بن مسلم في رجال الكشي (ص252) برقم (470) ، وعنه الوسائل (16/234) الباب (30) باب وجوب التقية في الفتوى‏، برقم (21444) ، وفي (27/149) الباب (11) باب وجوب الرجوع في القضاء، برقم (33451) ، والسند معتبر على التحقيق. عن الإمام الصادق عليه السلام، أنه قال لمعاذ بن مسلم الفرَّاء النحوي: “بلغني أنَّك تقعد في الجامع فتفتي الناس”. قال: قلتُ: نعم، وقد أردتُ أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إنِّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل يسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بحُبِّكم أو مودَّتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجُل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا وجاء عن فلان كذا، فأُدخل قولكم فيما بين ذلك. قال: فقال (ع) لي: “اصنع كذا، فإنِّي كذا أصنع”.

فهاتان الروايتان تدلَّان على جواز الإفتاء، فتدلَّان ـ بالملازمة ـ على جواز التقليد؛ لأنَّ بين جواز الإفتاء وجواز التقليد ملازمة عُرفيَّة.

وبعبارة أخرى: إنَّ عدم جواز التقليد إنَّما يُتَصَوَّر لعدم حُجِّية الفتوى، ولو كانت غير حجَّة لانتفت الحكمة والثمرة من الأمر بالإفتاء. فيتضح ـ بذلك ـ أنَّ الأمر بالإفتاء يدلُّ على جواز التقليد.

وثمَّة روايات أخرى تركناها رعايةً للاختصار والتسهيل؛ لأنَّ دلالتها بالمفهوم، لا بالمنطوق، وفهم ذلك ممَّا قد يستعصي على غير المتخصِّصين. وفيما ذُكر كفاية لمن أوتي حظًّا من البصيرة والإنصاف، واللّٰه وليُّ التوفيق، والحمدُ للّٰه ربَّ العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى