محاسن الكلام

(٢){وَ قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(٣٦)}سورة غافر

فمن خلال عملية التأمّل و التمحيص، يمكن أن تنتهي إلى ثلاثة أهداف كانت تكمن وراء هذا التصرّف و الأهداف هذه هي:
أولا: أراد فرعون أن يختلق وضعا يعمد من خلاله إلى إلهاء الناس و صرف أذهانهم عن قضية نبوة موسى عليه السّلام و ثورة بني إسرائيل.
و قضية بناء مثل هذا الصرح المرتفع يمكن أن تحوز على اهتمام الناس، و تهيمن على اهتماماتهم الفكرية، و بالتالي إلى صرفهم عن القضية الأساسية.

و في هذا الإطار يلاحظ بعض المفسّرين أن فرعون خصص لبناء صرحه مساحة واسعة من الأراضي، و وظّف في إقامته خمسين ألفا من العمال و البنائين المهرة، بالإضافة إلى من انشغل بتهيئة وسائل العمل و التمهيد لتنفيذ المشروع، و كلما كان البناء يرتفع أكثر كلّما ازداد تأثيره في الناس، و أخذ يجلب إليه الاهتمام و الأنظار أكثر، إذ أصبح الصرح حديث المجالس، و الخبر الأوّل الذي يتناقله الناس، و في مقابل ذلك يتناسون قضية انتصار موسى عليه السّلام على السحرة و لو مؤقتا خصوصا مع الأخذ بنظر الاعتبار ذلك الاهتزاز العنيف الذي ألحق بجهاز فرعون و أساط الناس.

ثانيا: استهدف فرعون من خلال تنفيذ مشروع الصرح اشتغال أكبر قطّاع من الناس، و على الأخص العاطلين منهم، لكي يجد هؤلاء في هذا الشغل عزاء و لو مؤقتا عن مظالم فرعون و ينسون جرائمه و ظلمه. و من ناحية ثانية فإنّ اشتغال مثل هذا العدد الكثير يؤدي إلى ارتباطهم بخزانة فرعون و أمواله، و بالتالي ارتباطهم بنظامه و سياساته!

ثالثا: لقد كان من خطة فرعون بعد انتهاء بناء الصرح، أن يصعد إلى أعلى نقطة فيه، و يرمق السماء ببصره، أو يرمي سهما نحو السماء، و يرجع الى الناس فيقول لهم: لقد انتهى كلّ شيء بالنسبة لإله موسى. و الآن انصرفوا إلى أعمالكم براحة بال!!
أما بالنسبة إلى فرعون نفسه، فقد كان يعلم أنّه حتى لو ارتقى الجبال الشامخات التي تتطاول في علوها على صرحه، فإنّه سوف لن يشاهد أي شيء آخر يفترق عمّا يشاهده و هو يقف على الأرض المستوية يتطلع نحو السماء! و الطريف في الأمر هنا أنّ فرعون بعد قوله: فَأَطَّلِعَ إِلىٰ إِلٰهِ مُوسىٰ‌ رجع خطوة إلى الوراء فنزل عن يقينه إلى الشك، حيث قال بعد ذلك: وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كٰاذِباً إذ استخدم تعبير «أظن»! و الجدير بالإشارة هنا أنّ القرآن الكريم من خلال قوله تعالى: كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ اَلسَّبِيلِ وَ مٰا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّٰ فِي تَبٰابٍ‌ ذكر ثلاث قضايا ذات محتوى كبير بجمل قصيرة، حيث قال أولا: إن السبب الرئيسي في انحراف فرعون عن جادة الصواب يعود إلى تزيين عمله القبيح في نظره بسبب غروره و تكبره.

ثم تناول بعد ذلك نتيجة ذلك متمثلة بالضلال عن طريق الحق و الهدى و النور.

و في الجملة الثّالثة لخصت الآية مال مخططات فرعون، هذا المآل الذي تمثل بالفشل الذريع و التباب و الخسران.

طبعا، يمكن للخطط السياسة و المواقف المضلّلة أن تخدع الناس شطرا من الزمان، و تؤثر فيهم لفترة من الوقت، إلا أنّها تنتهي بالفشل على المدى البعيد.

فقد ورد في بعض الرّوايات أنّ «هامان» قد زاد في ارتفاع الصرح الفرعوني إلى الدرجة التي باتت الرياح الشديدة مانعا عن الاستمرار بالعمل و عندها اعتذر هامان لفرعون عن الاستمرار بالبناء.

و لكن لم تمض فترة وجيزة من الزمن حتى حطمت الرياح الشديدة ذلك البناء .

و اتضح أن قوة فرعون متعلقة في ثباتها بالرياح.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١٥ ص٢٦١.
__

مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى