بين يدي القائم (عج)

وجود الإمام عليه السلام

المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً، تكون له غيبة وحيرة، تضل فيه الأمم، ثم قبل كالشهاب الثاقب فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً 
النبي محمد صلى الله عليه وآله.

منهج البحث

إن منهجة البحث حول موضوع وجود الإمام المنتظر عليه السلام، وحول محاولة الإجابة على السؤال التالي:
كيف يعيش الإمام المنتظر عليه السلام هذه المدة الطويلة من السنين؟!..
تتطلب منا – عادة – البحث أولاً عن إمكان مسألة بقاء الإنسان حياً مدة طويلة من السنين تتجاوز الحدود الاعتيادية لعمر الإنسان.. فالبحث ثانياً عن وقوع المسألة، وبقاء الإمام المنتظر عليه السلام حياً هذه المدة الطويلة من السنين:

1- حول الإمكان:
فيما أخاله: أن مسألة إثبات إمكان بقاء الإنسان حياً عمراً طويلاً من السنين تقتضينا الحديث عنها على الصعيدين الفلسفي والعلمي تمشياً مع مناهج البحث حول المسألة قديماً وحديثاً:

أ- على الصعيد الفلسفي:
من المعلوم أن الاستحالة ما لم ترجع إلى البداهة لا تعد استحالة.
وبتعبير فلسفي: إن الاستحالة إذا لم ترجع بالنهاية إلى اجتماع النقيضين لا تعد استحالة.
وهنا في مسألتنا: من البداهة بمكان أن بقاء إنسان ما حياً آلاف السنين يتمتع بعمر فوق الاعتيادي؛ وكون أناس آخرين لا يتمتعون بعمر فوق الاعتيادي لا يلزم منه اجتماع النقيضين، وذلك لاختلاف موضوع كل من القضيتين..

فمثلاً: اعتبار خالد في هذا الآن غير موجود، واعتبار محمد في الآن نفسه موجوداً، لا يلزم منه اجتماع الوجود وعدمه في إنسان واحد، وذلك لاختلاف ومغايرة موضوع القضية الأولى وهو خالد لموضوع القضية الثانية وهو محمد..
ومن المعلوم بالضرورة أن من أوليات شروط التناقض وحدة موضوع كل من القضيتين.

ب- على الصعيد العلمي:
ومن المعلوم أيضاً أن العلم يستند – عادة – في إعطاء نتائجه حول قضية ما إلى التجربة.
والتجربة حينما تجري على موضوع معين في ظروف وملابسات معينة، لا يصح تعميم نتائجها إلى نفس الموضوع، حينما يكون في ظروف وملابسات أخرى غير تلكم الظروف والملابسات التي اكتنفته حين التجربة..

وهو – أعني عدم صحة التعميم في أمثال هذه القضايا – من الأصول المسلمة والشروط البديهية لدى العلماء.
فمثلاً: حينما تجري التجربة على (خالد) – بصفته إنساناً – وهو في ظروفه الاعتيادية لمعرفة مدى بقائه حياً، ومدى مقاومته لعوادي الطبيعة التي من شأنها القضاء عليه، فتنهينا التجربة إلى أنه ليس باستطاعة مثل هذا الإنسان أن يعيش أكثر من (120) سنة، لا يصح أن تعمم نتيجة هذه التجربة لكل إنسان حتى من يكون في غير الظروف الاعتيادية التي أحاطته حالة التجربة، إذ من الجائز أن يبقى إنسان آخر، أو خالد نفسه، حياً أطول بكثير من المدة المذكورة، إذا كان في ظروف أخرى غير ظروفه الاعتيادية. كما سنرى ذلك واضحاً في نتائج تجارب الدكتور كارل فيما يأتي.

فالنتيجة – على ضوء ما تقدم – هي:
إن مسألة بقاء الإنسان حياً مدة طويلة من السنين ليست مستحيلة، لا فلسفياً ولا علمياً، وإنما هي من المسائل الممكنة.

2- حول الوقوع:
وبعد أن انتهينا إلى أن مسألة بقاء الإنسان حياً طويلاً من السنين أمر ممكن.. لننتقل إلى الإجابة على السؤال المتقدم، عارضين أهم الأدلة الناهضة بإثبات ذلك وهي:

1- الدليل النقلي:
وأعني به النصوص الواردة في الموضوع، وهي على طوائف، أهمها ما يأتي:
أ- ما يدور منها حول عدم خلو الأرض من حجة، أمثال: (لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله، إما ظاهر مشهور، وإما خائف مغمور، لئلا تبطل حجج الله وبيناته).
ب – ما يدور منها حول حصر الإمامة في اثني عشر إماماً كلهم من قريش، أمثال: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيه اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).
ج – ما يدور منها حول تعيين الإمام المنتظر باسمه وصفاته، أمثال:
(المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة، تضل فيه الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب، فيملأها عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً).
د – ما يدور منها حول عدم قيام الساعة حتى ينهض الإمام المنتظر عليه السلام، أمثال: (لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً، ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وعدواناً).
هـ – ما يدور منها حول وجود إمام في كل زمان، أمثال: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).

ومتى حاولنا التوفيق بين الطوائف المشار إليها وأمثالها، ننتهي حتماً إلى أن الإمام المنتظر هو محمد بن الحسن عليه السلام.
وفي عقيدتي: أن التوفيق بينها حيث ينهي إلى النتيجة المذكورة في مجال من الوضوح يغنينا عن تفصيل البيان.
وهذه (الأخبار في أن المهدي هو ابن الحسن العسكري، وأنه حي موجود، يظهر في آخر الزمان، متواترة من طرق أصحابنا عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام1.

على أن مسألة حياة الإمام المنتظر عليه السلام، بعد إثبات إمكانها، نستطيع أن ندرجها ضمن قائمة المسائل الغيبية في الشريعة الإسلامية، التي لا تقتضينا في مجال الاعتقاد بها أكثر من إثبات إمكانها عن طريق العقل، وإثبات وقوعها عن طريق النقل، كمسألة (المعاد) ونظائرها.
ولا أخال أن هذه الوفرة من النقول الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله بمختلف طرقها وأسانيدها شيعية وسنية غير كافية.. أو أن هناك من لا يراها كافية، وبخاصة حينما يثبت تواترها، كما أشرت إليه.

2- الدليل التاريخي:
ويتلخص في أن التاريخ يثبت وجود نظائر للإمام المنتظر عليه السلام في طول العمر، أمثال: النبي نوح عليه السلام الذي عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو قومه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾2، كما يؤرخ القرآن الكريم لهذه الفترة من حياته3.

3- الدليل العقائدي:
وخلاصته: إن إرادة الله تعالى وقدرته، التي أعدته ليومه الموعود، هي التي تعطيه البقاء وتمنحه العمر الطويل.

4- الدليل التشريعي:
من أوليات خصائص الدعوة الإسلامية أنها دعوة عالمية.
ومن أوليات التشريع الإسلامي وجوب حمل رسالة الإسلام إلى العالم كله على رئيس الدولة المعصوم عن طريق الجهاد أو غيره،..
لأن الإسلام نظام اجتماعي ثوري، جاء لإذابة واستئصال جميع النظم الاجتماعية القائمة.
ومن الوضوح بمكان أن عملية الهدم والبناء في عالم الثورة، تتطلب فترة طويلة من الزمن، ينطلق فيها الثوار مندفعين بكل إمكانياتهم إلى اقتلاع رواسب النظم الاجتماعية المطاح بها، من نفسيات أبناء الجيل الذي عاشها متجاوباً معها، والى إنشاء جيل جديد، خال من رواسب الماضي، ومنصهر كل الانصهار بفكرة النظام الجديد.

ومن الوضوح بمكان: أن من أهم ما يشترط في القائمين على تطبيق النظام الجديد، خلوهم من أية راسبة تعاكس مفاهيم وأحكام النظام الجديد، وانصهارهم بالنظام الجديد انصهاراً من أقرب معطياته صياغة شخصياتهم في جميع خصائصها، ومختلف جوانبها وفق النظام الجديد.
ونحن نعلم أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله لم تمتد به الأيام إلى إنهاء عملية الهدم والبناء فالتطبيق الكامل.
ونعلم – أيضاً – أن ليس في المسلمين من يتوفر فيه الشرط المذكور غير الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
ولعل إلى هذا المعنى يشير المعنيون ببحوث الإمامة، حينما يستدلون على خلافة الإمام علي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله مباشرة، بالآية الكريمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.

ونعلم – أيضاً – أن الإمام علياً عليه السلام كذلك هو الآخر لم ينه العملية للملابسات والظروف السياسية التي سبقت خلافته أو رافقتها.
وإن أبناءه المعصومين هم الآخرون لم يستطيعوا القيام بمهمة إنهاء تلكم العملية للعوامل والظروف السياسية والاجتماعية التي واكبت أيامهم.
وإن النوبة قد انتهت إلى الإمام المنتظرعليه السلام، فلابد من إنهائها على يديه، لأنه خاتمة المعصومين عليه السلام، فيحقق ما أخبر به القرآن الكريم بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ4 – وربما إليه كان يشير مفسر والآية الكريمة بالإمام المنتظر عليه السلام- وهو شيء يتطلب استمرار حياته لهذه الغاية النبيلة.

وربما على ضوئه نستطيع أن نستدل على لزوم وجوده معاصراً لأبيه الإمام العسكري عليه السلام، واستمراره بعده، منطلقين من البدء، وكأنا لم نفترض المفروغية من إثبات ولادته، بما حاصله:
وهو أننا إن لم نلتزم بمعاصرة الإمام المنتظر عليه السلام) لأبيه العسكري عليه السلام، وتلقيه ما تتطلبه مهمته كمشرّع ومطبّق، لابد أن نلتزم بأحد أمرين:
1- إما بتلقيه ذلك عن طريق الوحي.
2- وإما بإدراكه الأحكام عن طريق الاجتهاد المعروف.

والالتزام بأي من الأمرين المذكورين يصادم عقيدتنا، وذلك لأن الالتزام منا بتلقي الإمام عليه السلام الأحكام عن طريق الوحي يصادم عقيدتنا باختتام الوحي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله.
والالتزام بإدراكه عليه السلام الأحكام عن طريق الاجتهاد يصادم عقيدتنا في علم الإمام، وإدراكه الأحكام الواقعية جميعها وبواقعها،. والاجتهاد قاصر – عادة – عن إدراك الكثير من الأحكام الواقعية كما هو معلوم.
وعند بطلان هذين لابد من القول بمعاصرة الإمام المنتظر عليه السلام لأبيه عليه السلام واستمرار حياته منتظراً تمخض الظروف عن ساعة خروجه وثورته المباركة.

5- الدليل العلمي:
وموجزه: إن جماعة من العلماء المحدثين أمثال: الدكتور الكسيس كارل، والدكتور جاك لوب، والدكتور ورن لويسي وزوجته، وغيرهم، قاموا بإجراء عدة تجارب في معهد (روكفلر) بنيويورك على أجزاء لأنواع مختلفة من النبات والحيوان والإنسان.
وكان من بين تلكم التجارب ما أجري على قطع من أعصاب الإنسان وعضلاته وقلبه وجلده وكليتيه.. فرؤي أن هذه الأجزاء (تبقى حية نامية مادام الغذاء اللازم موفوراً لها) وما دامت لم يعرض لها عارض خارجي، وإن خلاياها تنمو وتتكاثر وفق ما يقدم لها من غذاء.

واليك نتائج تجارب الدكتور كارل التي شرع فيها بكانون الثاني سنة 1912 م:
1- (إن هذه الأجزاء الخلوية تبقى حية ما لم يعرض لها عارض يميتها إما من قلة الغذاء، أو من دخول بعض المكروبات.
2- إنها لا تكتفي بالبقاء حية بل تنمو خلاياها، وتتكاثر، كما لو كانت باقية في جسم الحيوان.
3- إنه يمكن قياس نموها وتكاثرها، ومعرفة ارتباطهما بالغذاء الذي يقدم لها.
4- انه لا تأثير للزمن.. أي أنها لا تشيخ ولا تضعف بمرور الزمن، بل لا يبدو عليها أقل أثر للشيخوخة، بل تنمو وتتكاثر هذه السنة، كما لو كانت تنمو وتتكاثر في السنة الماضية وما قبلها من السنين.
وتدل الظواهر كلها على أنها ستبقى حية نامية، مادام الباحثون صابرين على مراقبتها وتقديم الغذاء الكافي لها)5.

ويقول الأستاذ ديمند وبرل من أساتذة جامعة جونس هبكنس، تعليقاً على نتائج الدكتور كارل: (إن كل الأجزاء الخلوية الرئيسية من جسم الإنسان، قد ثبت إما أن خلودها بالقوة صار أمراً مثبتاً بالامتحان، أو مرجحاً ترجيحاً تاماً لطول ما عاشته حتى الآن)6.

و(أكد تقرير نشرته الشركة الوطنية الجيوغرافية: أن الإنسان يستطيع أن يعيش (1400) سنة، إذا ما خدر مثل بعض الحيوانات لينام طيلة فصل الشتاء.
ويقول التقرير الآنف الذكر: (إن التخدير أثناء فصل الشتاء يطيل حياة الحيوان الذي يتعرض للتخدير عشرين ضعفاً بالنسبة لحياة الحيوانات المماثلة التي تبقى ناشطة طيلة فصول السنة)7.

ولعل من الواضح: أن أمثال هذه التجارب العلمية، التي يحاول العلماء عن طريقها معرفة ما يمد في عمر الإنسان إلى أكثر من العمر الاعتيادي، تنهينا إلى النتيجة التالية.
وهي: ليس هناك تحديد يقرر – في نظر العلم – حداً طبيعياً لعمر الإنسان.. وما التحديدات التقريبية التي يفيدها الإنسان من مشاهداته وملاحظاته إلا تحديدات للعمر الاعتيادي.
ولعل امتداد عمر الإنسان إلى ما فوق سني الأعمار الاعتيادية له – كالذي مررنا به في الدليل التاريخي من أمثال عمر النبي نوح عليه السلام – يدعم ما انتهي إليه من عدم وجود حد طبيعي لعمر الإنسان.
وبخاصة وأن العلم – اليوم – قطع مراحل هامة في إعطائه نتائج كبرى حول المسألة.. من أهمها: أن الأخذ بالتعاليم الصحية والالتزام بها يوفر للإنسان جواً ملائماً للمحافظة على حياته ولاستمرار عوامل بقائها.

وما قلة انتشار الأمراض السارية – الآن – وانخفاض نسبة الوفيات، في كثير من المجتمعات المتمدنة، والآخذة في طريقها إلى التحضر، إلا أوضح شاهد على ذلك.
ومتى أضفنا إلى هذه النتيجة، نتيجة أخرى هي: أن عامل الموت هو (الأجل)، وليس الأمراض أو الطوارئ الأخرى – كما هو رأي بعض علماء الشريعة – ترتبط مسألة امتداد العمر ارتباطاً وثيقاً، بتوفر الجو الصحي الملائم، وبتأخر الأجل.

وتوفر الجو الصحي الملائم يعود إلى الإنسان نفسه،.. ومن أرعى من الإمام عليه السلام لذلك، وهو يعلم أنه معد لمهمته الإلهية الكبرى..
وتأخر الأجل يعود إلى الله تعالى، ومتى اقتضت إرادته ذلك – كما تقدم في الدليل العقائدي – توفرت شرائط البقاء والعمر الطويل8.


1- السيد الأمين، ص 388. 
2- الآية 14 من سورة العنكبوت.
3- للاستزادة، يقرأ: محمد أمين زين الدين، ص 68 وما بعدها.
4- الآية 124 من سورة البقرة.
5- الآية 33 من سورة التوبة. و28 من سورة الفتح. و9 من سورة الصف.
6- تقرأ: مجلة المقتطف (هل يخلد الإنسان في الدنيا) مج 59 ج3 ص 238 – 240. والسيد صدر الدين الصدر، ص134. 
7- تقرأ: مجلة المقتطف (هل يخلد الإنسان في الدنيا) مج 59 ج3 ص 238 – 240. والسيد صدر الدين الصدر، ص 134.
8- دولة القائم المنتظر/ العلامة عبد الهادي الفضلي .
 

المصدر:شبكة المعارف الإسلامية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق