محاسن الكلام

(٥){الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ….. (١٥٧)}سورة الأعراف

من المسلّم أن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لو كان قد تعلّم القراءة و الكتابة في مثل هذه البيئة لدى أستاذ لشاع ذلك و صار أمرا معروفا للجميع، و على فرض أنّنا لم نقبل بنبوته، و لكن كيف يمكنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن ينفي في كتابه بصراحة هذا الموضوع‌؟ ألا يعترض عليه الناس و يقولون: إن دراستك و تعلّمك للقراءة و الكتابة أمر مسلّم معروف لنا، فكيف تنفي ذلك‌؟ إنّ هذه قرينة واضحة على أميّة النّبي.

و على كل حال، فإنّ وجود هذه الصفة في النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان تأكيدا على نبوته حتى ينتفي أي احتمال في ارتباطه إلا باللّه و بعالم ما وراء الطبيعة في صعيد دعوته.

هذا بالنسبة إلى فترة ما قبل النّبوة، و أمّا بعد البعثة فلم ينقل أحد المورّخين أنّه تلقى القراءة أو الكتابة من أحد، و على هذا بقي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على أميّته حتى نهاية عمره.

و لكن من الخطأ الكبير أن تتصوّر أنّ عدم التعلّم عند أحد يعني عدم المعرفة بالكتابة و القراءة، و الذين فسّروا «الأمّية» بعدم المعرفة بالكتابة و القراءة كأنّهم لم يلتفتوا إلى هذا التفاوت.

و لا مانع أبدا من أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان عارفا بالقراءة و الكتابة بتعليم اللّه، و من دون أن يتتلمذ على يد أحد من البشر، لأنّ مثل هذه المعرفة هي بلا شك من الكمالات الإنسانية، و مكملة لمقام النّبوة.

و يشهد بذلك ما ورد في الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السّلام أن نص الرواية و لكنّه لأجل أن لا يبقى أي مجال لأدنى تشكيك في دعوته لم يكن صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يستفيد من هذه المقدرة.

و قول البعض: إنّ القدرة على الكتابة و القراءة لا تعدّ كمالا، فهما وسيلة للوصول إلى الكمالات العلميّة، و ليسا بحدّ ذاتها علما حقيقيا و لا كمالا واقعيا فإن جوابه كامن في نفسه، لأنّ العلم بطريق الكمال كمال أيضا.

قد يقال: إنّه نفي في روايتين عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام بصراحة تفسير «الأمّي» بعدم القراءة و الكتابة، بل بالمنسوب إلى «أم القرى» (مكّة).

و نقول في الردّ: إنّ إحدى هاتين الروايتين «مرفوعة» حسب اصطلاح علم الحديث فلا قيمة لها من حيث السند، و الرواية الأخرى منقولة عن «جعفر بن محمّد الصوفي» و هو مجهول.

و أمّا ما تصوّره البعض من أن الآية الثّانية من سورة الجمعة يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ‌ و آيات أخرى دليل على أن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يتلو القرآن على الناس من شيء مكتوب، فهو خطأ بالغ، لأنّ التلاوة تطلق على التلاوة من مكتوب على شيء، كما تطلق على القراءة حفظا و من ظهر القلب، و استعمال لفظة التلاوة في حق الذين يقرءون الأشعار أو الأدعية حفظا و من على ظهر القلب كثير.

من مجموع ما قلناه نستنتج:

١- أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يتلق القراءة و الكتابة من أحد حتما، و بهذا تكون إحدى صفاته أنّه لم يدرس عند أستاذ.

٢- أنّنا لا نملك أي دليل معتبر على أن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قرأ أو كتب شيئا قبل النبوة، أو بعدها.

٣- إنّ هذا الموضوع لا يتنافى مع تعليم اللّه تعالى القراءة أو الكتابة لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج٥ ص٢٤٣
__

المولد النبوي الشريف
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى