محاسن الكلام

(٤){لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَ مَا تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا(٢)}سورة الفتح

و في قوله: « لِيَغْفِرَ لَكَ اَللّٰهُ‌ » إلخ، بعد قوله: « إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ‌ » التفات من التكلم إلى الغيبة و لعل الوجه فيه أن محصل السورة امتنانه تعالى على النبي ص و المؤمنين بما رزق من الفتح و إنزال السكينة و النصر و سائر ما وعدهم فيها فناسب أن يكون السياق الجاري في السورة سياق الغيبة و يذكر تعالى فيها باسمه و ينسب إليه النصر بما يعبده نبيه و المؤمنون وحده قبال ما لا يعبده المشركون و إنما يعبدون آلهة من دونه طمعا في نصرهم و لا ينصرونهم.

و أما سياق التكلم مع الغير المشعر بالعظمة في الآية الأولى فلمناسبته ذكر الفتح فيها و يجري الكلام في قوله تعالى الآتي: «إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً» الآية.

و قوله: «وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ‌» قيل: أي يتمها عليك في الدنيا بإظهارك على عدوك و إعلاء أمرك و تمكين دينك، و في الآخرة برفع درجتك، و قيل: أي يتمها عليك بفتح خيبر و مكة و الطائف.

و قوله: «وَ يَهْدِيَكَ صِرٰاطاً مُسْتَقِيماً» قيل: أي و يثبتك على صراط يؤدي بسالكه إلى الجنة، و قيل: أي و يهديك إلى مستقيم الصراط في تبليغ الأحكام و إجراء الحدود.

و قوله: « وَ يَنْصُرَكَ اَللّٰهُ نَصْراً عَزِيزاً » قيل: النصر العزيز هو ما يمتنع به من كل جبار عنيد و عات مريد، و قد فعل بنبيه (ص) ذلك إذ جعل دينه أعز الأديان و سلطانه أعظم السلطان، و قيل: المراد بالنصر العزيز ما هو نادر الوجود قليل النظير أو عديمه و نصره تعالى لنبيه (ص) كذلك كما يظهر بقياس حاله في أول بعثته إلى حاله في آخر أيام دعوته.

و التدبر في سياق الآيتين بالبناء على ما تقدم من معنى قوله: « إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً `لِيَغْفِرَ لَكَ اَللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ » يعطي أن يكون المراد بقوله: « وَ يُتِمَّ‌ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ‌ » هو تمهيده تعالى له (ص) لتمام الكلمة و تصفيته الجو لنصره نصرا عزيزا بعد رفع الموانع بمغفرة ما تقدم من ذنبه و ما تأخر.

و بقوله: «وَ يَهْدِيَكَ صِرٰاطاً مُسْتَقِيماً» هدايته (ص) بعد تصفية الجو له إلى الطريق الموصل إلى الغاية الذي سلكه بعد الرجوع من الحديبية من فتح خيبر و بسط سلطة الدين في أقطار الجزيرة حتى انتهى إلى فتح مكة و الطائف.

و بقوله: «وَ يَنْصُرَكَ اَللّٰهُ نَصْراً عَزِيزاً» نصره له (ص) ذاك النصر الظاهر الباهر الذي قلما يوجد أو لا يوجد له نظير إذ فتح له مكة و الطائف و انبسط الإسلام في أرض الجزيرة و انقلع الشرك و ذل اليهود و خضع له نصارى الجزيرة و المجوس القاطنون بها، و أكمل تعالى للناس دينهم و أتم عليهم نعمته و رضي لهم الإسلام دينا.

الميزان في تفسير القرآن ج١٨ ص٢٥٣
__
#محاسن_الكلام #مدرسة_أهل_البيت

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى