
صراع الحقّ مع الباطل :
لقد توقف بعض المفسّرين عند كلمة «ثمّ» من قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اَللّٰهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهٰا ، لأنّ استعمالها عادة كأداة عطف مع وجود فاصلة بين أمرين، و لذلك فثمّة فاصلة بين معرفتهم لنعم اللّه و بين إنكارهم للنعم، فقالوا: إنّ الهدف من هذا التعبير تبيان ما ينبغي عليهم من الاعتراف بالتوحيد بعد معرفتهم بنعمة اللّه، و كان عليهم أن يذعنوا لذلك الاعتراف، إلا أنّهم ساروا في طريق الباطل! فاستبعد القرآن عملهم و عبر عن ذلك بكلمة «ثمّ».
و نحتمل أنّ «ثمّ» هنا إشارة إلى معنى خفي، خلاصته: أنّ دعوة الحقّ عند ما تتوغل إلى دواخل الروح الإنسانية عن طريق أصولها المنطقية السليمة، فإنّها ستصطدم مع عوامل السلب و الإنكار الموجود فيه أحيانا، فيستغرق ذلك الجدال أو الصراع الداخلي مدّة تتناسب مع حجم قوّة و ضعف تلك العوامل، فإن كانت عوامل النهي و الإنكار أقوى فإنّها ستغلبها بعد مدّة.. و عبّر القرآن عن تلك الحالة بكلمة «ثمّ».
و الآيتان (٦٤ و ٦٥)، من سورة الأنبياء ضمن عرضهما لقصة إبراهيم عليه السّلام تتحدثان عن قوّة احتجاج نبي اللّه إبراهيم عليه السّلام بعد أن حطم أصنامهم جميعها إلا كبيرها ممّا تركهم في الوهلة الأولى يغوصون في تفكير عميق، ممّا حدا بهم لأنّ يلوموا أنفسهم و كادوا أن يهتدوا إلى الحقّ لو لا وجود تلك الرواسب من العوامل السلبية في نفوسهم (التعصب، الكبر، العناد) التي أمالت كفة انحرافهم على قبول دعوة الحق، فعادوا من جديد إلى ما كانوا عليه، و لوصف تلك الحالة نرى القرآن قد استعمل كلمة «ثم» أيضا: فَرَجَعُوا إِلىٰ أَنْفُسِهِمْ فَقٰالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ اَلظّٰالِمُونَ `ثُمَّ نُكِسُوا عَلىٰ رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مٰا هٰؤُلاٰءِ يَنْطِقُونَ .
و على هذا فمعنى «الكافرون» يتوضح بشكل أدق عند وجود كلمة «ثم».
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج٨ ص٢٨٢.
__
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT



