محاسن الكلام

(٢){وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(١٤٤)}سورة آل عمران

و بالجملة فمعنى هذا الانسلال و الإلقاء بالأيدي: أن إيمانهم إنما كان قائما بالنبي (ص) يبقى ببقائه و يزول بموته، و هو إرادة ثواب الدنيا بالإيمان و هذا هو الذي عاتبهم الله عليه، و يؤيد هذا المعنى قوله بعده: وَ سَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ‌ ، فإن الله سبحانه كرر هذه الجملة في الآية التالية بعد قوله: وَ مَنْ يُرِدْ ثَوٰابَ اَلدُّنْيٰا نُؤْتِهِ مِنْهٰا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوٰابَ اَلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهٰا ، فافهم ذلك

و قوله: وَ سَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ‌ ، بمنزلة الاستثناء مما قبله على ما يعطيه السياق، و هو الدليل على أن القوم كان فيهم من لم يظهر منه هذا الانقلاب أو ما يشعر به كالانسلال و التولي و هم الشاكرون.

و حقيقة الشكر إظهار النعمة كما أن الكفر الذي يقابله هو إخفاؤها و الستر عليها، و إظهار النعمة هو استعمالها في محلها الذي أراده منعمها و ذكر المنعم بها لسانا و هو الثناء و قلبا من غير نسيان، فشكره تعالى على نعمة من نعمه أن يذكر عند استعمالها و يوضع النعمة في الموضع الذي أراده منها و لا يتعدى ذلك، و إن من شيء إلا و هو نعمة من نعمه تعالى، و لا يريد بنعمة من نعمه إلا أن تستعمل في سبيل عبادته، قال تعالى: وَ آتٰاكُمْ مِنْ كُلِّ مٰا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَظَلُومٌ كَفّٰارٌ، : إبراهيم ٣٤، فشكره على نعمته أن يطاع فيها و يذكر مقام ربوبيته عندها.

و على هذا فشكره المطلق من غير تقييد، ذكره تعالى من غير نسيان، و إطاعته من غير معصية، فمعنى قوله: «وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لاٰ تَكْفُرُونِ‌» : البقرة ١٥٢، اذكروني ذكرا لا يخالطه نسيان، و أطيعوا أمري إطاعة لا يشوبها عصيان، و لا يصغي إلى قول من يقول: إنه أمر بما لا يطاق فإنه ناشئ من قلة التدبر في هذه الحقائق و البعد من ساحة العبودية.

و قد عرفت فيما تقدم من الكتاب أن إطلاق الفعل لا يدل إلا على تلبس ما، بخلاف الوصف فإنه يدل على استقرار التلبس و صيرورة المعنى الوصفي ملكة لا تفارق الإنسان، ففرق بين قولنا: الذين أشركوا، و الذين صبروا، و الذين ظلموا، و الذين يعتدون، و بين قولنا. المشركين، و الصابرين، و الظالمين، و المعتدين.

فالشاكرون هم الذين ثبت فيهم وصف الشكر و استقرت فيهم هذه الفضيلة، و قد بان أن الشكر المطلق هو أن لا يذكر العبد شيئا «و هو نعمة» إلا و ذكر الله معه، و لا يمس شيئا «و هو نعمة» إلا و يطيع الله فيه.

فقد تبين أن الشكر لا يتم إلا مع الإخلاص لله سبحانه علما و عملا، فالشاكرون هم المخلصون لله، الذين لا مطمع للشيطان فيهم.

و يظهر هذه الحقيقة مما حكاه الله تعالى عن إبليس، قال تعالى: «قٰالَ فَبِعِزَّتِكَ‌ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ‌» : ص٨٣، و قال تعالى: «قٰالَ رَبِّ بِمٰا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَإِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ‌» الحجر ٤٠، فلم يستثن من إغوائه أحدا إلا المخلصين، و أمضاه الله سبحانه من غير رد، و قال تعالى: «قٰالَ فَبِمٰا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ `ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ‌ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ وَ لاٰ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ‌» : الأعراف ١٧، و قوله: و لا تجد إلخ بمنزلة الاستثناء فقد بدل المخلصين بالشاكرين، و ليس إلا لأن الشاكرين هم المخلصون الذين لا مطمع للشيطان فيهم، و لا صنع له لديهم، و إنما صنعه و كيده إنساء مقام الربوبية و الدعوة إلى المعصية.

و مما يؤيد ذلك من هذه الآيات النازلة في غزوة أحد قوله تعالى فيما سيأتي من الآيات: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعٰانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطٰانُ بِبَعْضِ مٰا كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اَللّٰهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ‌ ، مع قوله في هذه الآية التي نحن فيها: وَ سَيَجْزِي اَللّٰهُ‌ اَلشّٰاكِرِينَ‌ ، و قوله فيما بعدها: وَ سَنَجْزِي اَلشّٰاكِرِينَ‌ ، و قد عرفت أنه في معنى الاستثناء.

فتدبر فيها و اقض عجبا مما ربما يقال: إن الآية أعني قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ‌ ناظرة إلى ما روي: أن الشيطان نادى يوم أحد: «ألا قد قتل محمد» فأوجب ذلك وهن المؤمنين و تفرقهم عن المعركة! فاعتبر إلى أي مهبط أهبط كتاب الله من أوج حقائقه و مستوى معارفه العالية‌؟. فالآية تدل على وجود عدة منهم يوم أحد لم يهنوا و لم يفتروا و لم يفرطوا في جنب الله سبحانه سماهم الله شاكرين، و صدق أنهم لا سبيل للشيطان إليهم و لا مطمع له فيهم، لا في هذه الغزوة فحسب بل هو وصف لهم ثابت فيهم مستقر معهم، و لم يطلق اسم الشاكرين في مورد من القرآن على أحد بعنوان على طريق التوصيف إلا في هاتين الآيتين أعني قوله: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ‌ الآية، و قوله: وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّٰ بِإِذْنِ اَللّٰهِ‌ الآية، و لم يذكر ما يجازيهم به في شيء من الموردين إشعارا بعظمته و نفاسته.

الميزان في تفسير القرآن ج٤ ص٣٧.
__

استشهاد الرسول الأعظم #مدرسة أهل البيت

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى