
تأمّل المشهد السياسي بعد النبي (صلى الله عليه وآله)
المثال الثاني: المشهد السياسي بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وأسلوب تحليله.
إنّنا إذا لاحظنا مشهد المسلمين بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وفق الروايات المتفق عليها وجدنا مشهداً غريباً على كل حال، فقد بادر الأنصار إلى عقد اجتماع داخلي فيما بينهم لتعيين من يَلِي النبي(صلى الله عليه وآله) منهم من غير استشارة لبني هاشم والإمام عليّ وهو في الموقع الذي كان فيه بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله)ـــ ولا لسائر المهاجرين من قريش رغم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) وهو رسول الله ، كان يستشيرهم في أمور السلم والحرب ويستأنس برأيهم، وقد أمره الله بذلك، ولأنّ المشورة تقرب القلوب وتؤلف النفوس وتذهب بالضغائن، لكنهم خشوا إن أشركوا قريشاً وبني هاشم أن يُغلَبوا على الأمر، فرأوا أن يبايعوا أحدهم، ويجعلوا قوم النبي وعشيرته الأقربين (بني هاشم) في مقابل الأمر الواقع، وقد تمسكوا لاستحقاقهم في الأمر بأنّهم الذين آووا النبي (صلى الله عليه وآله)ونصروه بعد أن طرده قومه (قريش) من مأواه مكة وكادوا يقتلونه ثمّ حاربوه.
(1) سورة التوبة: آية 46ــــ48.
والواقع أنّه لو تمّ للأنصار أن يبايعوا أحدهم لكان وضع المسلمين خطيراً، لأنّ قريشاً ومهاجريها لم يكونوا يقبلون بذلك عادة، لأنّهم يرون أنفسهم أشرف العرب، وعصبيتهم أقوى من عصبية الأنصار، ولأنّهم قوم النبي فهم أحق بتراثه وفق العرف القبلي. كما أنّ خضوع سائر العرب للأنصار كان أمراً صعباً، وليس على حد خضوعهم لقريش؛ لمكانة قريش
المركزية عند العرب، ولذلك كان من المتوقع حدوث فتن بين المسلمين كأن يخرج جل قريش من المدينة إلى مكة وينافسون الأنصار على حكم العرب، وقد تقع الحرب بينهم وبين الأنصار.
هذا، وبينما كان الأنصار في صدد إبرام الأمر لأنفسهم، إذ بثلاثة من مهاجري قريش ـــ وكأنّهم يمثلون هوى جلّ رجال قريش غير بني هاشم ـــ وهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة يفاجئونهم بالدخول إلى السقيفة، ويطالبون بأن يكون الأمر لهم، ويقع الخلاف الشديد بينهم وبين الأنصار، فيحتج الأنصار بحقهم في أن يكون لهم نصيب من الأمر، ويحتج هؤلاء بأنّ قريشاً قوم النبي فيكونون هم أولى بتراثه.
وقد بادر أحد هؤلاء الثلاثة ـــ وهو عمر ـــ بالضرب على يد آخر منهم ــــ وهو أبو بكر، وكان أسنّ الثلاثة وأسبقهم إلى الإسلام ـــ يبايعه قبل أن يتفق مع الآخرين، وتبعه أبو عبيدة، فوقع الخلاف بين الأنصار وتحركت روح المنافسة بين رجالها فبايع بعضهم ثمّ تبعه الآخرون.
وهؤلاء المهاجرون الثلاثة لم يخبروا ولم يستشيروا الجناح الآخر في قريش، وهم بنو هاشم الذين حموا النبي (صلى الله عليه وآله) في مكة من قريش نفسها، ولا سيدهم الإمام عليّاً الذي هو ابن عمّ النبي وربيبه وقرينه، ومَن خصّه النبي بالمؤاخاة والوزارة ووجوه من الثناء المميز، وكان رجل بني هاشم وقريش في حياة النبي بعد أبيه أبي طالب بلا منازع، وكان بذلك أحق الناس بمقام النبي وفق العرف العربي والقبلي، مضافاً إلى الاستحقاق الإلهي بالنص والتعيين.
ثمّ ذهب أبو بكر إلى مسجد النبي على أنّه خليفة النبي (صلى الله عليه وآله) كأمر واقع إذ بويع عليها من قبل بعض المهاجرين والأنصار، فبايعه الآخرون.
ثمّ اطّلع على الأمر بنو هاشم والإمام عليّ بعد إبرامه، وامتعضوا من بيعة أبي بكر، وكان معه بعض المهاجرين من قريش وغيرهم كالزبير، ودخل عمر وعصابة معه بيت الإمام ليكرهوا الإمام ومن معه على البيعة، وكُسِر سيف الزبير فبايع، ولكن الإمام امتنع مهما وقع من الضغط عليه، واستمر على عدم البيعة لشهور عدة، والامتناع من بيعة الخليفة خاصة من الوجوه والأعيان وخاصة ممن يرى نفسه ويراه العرف أولى يعني أمراً خطيراً؛ لأنّه يُعتبر بحسب مفهومه العرفي عدم إذعان بشرعية الخلافة، ورغم ذلك استمر الإمام في الامتناع عن البيعة، ثمّ بايع بعد وفاة فاطمة (عليها السلام)، وقد تحدّث هو عن سبب ذلك، فقال إنّ السبب هو خوفه على الإسلام من جهة رجوع راجعة الناس عن الإسلام.
وفي كلام آخر أشار إلى أنّه لم يكن قادراً على تغيير الأمور بعد إبرامها ، وذكر لأبي بكر أنّه كان يرى نفسه أولى وقد استُبد بالأمر من دونه ، فهذه قصة ما جرى بعد النبي (صلى الله عليه وآله)
ولما تولّى الإمام عليّ (عليه السلام) الخلافة ـــ بعد خمس وعشرين سنة من حكم الخلفاء عندما خرج الأمر من يد قريش فقتل عثمان دون وصية لأحد ـــ لم يسكت عمّا جرى بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ، بل ملأ الكوفة بذكر أولويته وامتياز أهل البيت (عليهم السلام)، وعبّر عن ذلك بملاحن من القول تعرف مثلها العرب في الأوضاع الحرجة، حتى انتشر التشيع في الكوفة كما يُشهد بوضوح بالغ في التاريخ.
وتمسّك من بعده بنوه كالإمام الحسن والحسين (علیهما السلام) وذريتهم بأولويتهم بالأمر، كما يدل عليه ملاحظة مجموعة كلماتهم ومواقفهم.
ولكن مع ذلك نجد أنّ جماعة يسعون إلى أن يمثّلوا الموقف بعد النبي(صلى الله عليه وآله)على أنّه كان إجماعياً بين أهل الحل والعقد من الصحابة، ويعتبرون موقف الإمام مطابقاً مع اتجاه الصحابة ومذعناً بالخلفاء وراضياً بخلافتهم، وتلك مفارقة واضحة للتاريخ، وسذاجة بالغة في تحليل الأحداث، وسعي متكلف في تحصيل الواقع الخاطئ والذميم.
يتبع …
كتاب واقعة الغدير ج١ لسماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني دامت بركاته
__
استشهاد الرسول الأعظم #مدرسة أهل البيت
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT



