محاسن الكلام

(٢){إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ(٩٢)}سورة الأنبياء

قوله تعالى: «إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ‌ » الأمة جماعة يجمعها مقصد واحد، و الخطاب في الآية على ما يشهد به سياق الآيات خطاب عام يشمل جميع الأفراد المكلفين من الإنسان، و المراد بالأمة النوع الإنساني الذي هو نوع واحد، و تأنيث الإشارة في قوله «هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ‌ » لتأنيث الخبر.

و المعنى: أن هذا النوع الإنساني أمتكم معشر البشر و هي أمة واحدة و أنا الله الواحد عز اسمه ربكم إذ ملكتكم و دبرت أمركم فاعبدوني لا غير.

و في قوله: «أُمَّةً وٰاحِدَةً‌ » إشارة إلى حجة الخطاب بالعبادة لله سبحانه فإن النوع الإنساني لما كان نوعا واحدا و أمة واحدة ذات مقصد واحد و هو سعادة الحياة الإنسانية لم يكن له إلا رب واحد إذ الربوبية و الألوهية ليست من المناصب التشريفية الوضعية حتى يختار الإنسان منها لنفسه ما يشاء و كم يشاء و كيف يشاء بل هي مبدئية تكوينية لتدبير أمره، و الإنسان حقيقة نوعية واحدة، و النظام الجاري في تدبير أمره نظام واحد متصل مرتبط بعض، أجزائه ببعض و نظام التدبير الواحد لا يقوم به إلا مدبر واحد فلا معنى لأن يختلف الإنسان في أمر الربوبية فيتخذ بعضهم ربا غير ما يتخذه الآخر أو يسلك قوم في عبادته غير ما يسلكه الآخرون فالإنسان نوع واحد يجب أن يتخذ ربا واحدا هو رب بحقيقة الربوبية.
و هو الله عز اسمه.

و قيل: المراد بالأمة الدين، و الإشارة بهذه إلى دين الإسلام الذي كان دين الأنبياء و المراد بكونه أمة واحدة اجتماع الأنبياء بل إجماعهم عليه، و المعنى أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها و هي ملة اتفقت الأنبياء (ع) عليها.

و هو بعيد فإن استعمال الأمة في الدين لو جاز لكان تجوز الإيصال إليه إلا بقرينة صارفة و لا وجه للانصراف عن المعنى الحقيقي بعد صحته و استقامته و تأيده بسائر كلامه تعالى كقوله: «وَ مٰا كٰانَ اَلنّٰاسُ إِلاّٰ أُمَّةً وٰاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا» يونس: ١٩ و هو كما ترى يتضمن إجمال ما يتضمنه هذه الآية و الآية التي تليها.

على أن التعبير في قوله: «وَ أَنَا رَبُّكُمْ‌ » بالرب دون الإله يبقى على ما ذكروه بلا وجه بخلاف أخذ الأمة بمعنى الجماعة فإن المعنى عليه إنكم نوع واحد و أنا المالك المدبر لأمركم فاعبدوني لتكونوا متخذين لي إلها.

و في الآية وجوه كثيرة أخر ذكروها لكنها جميعا بعيدة من السياق تركنا إيرادها من أراد الوقوف عليها فليراجع المطولات.

الميزان في تفسير القرآن ج١٤ ص٣٢١.
__

المولد النبوي الشريف #أسبوع الوحدةالإسلامية

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى