محاسن الكلام

{وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ(٨٢)} يونس

قوله تعالى: « وَ يُحِقُّ اَللّٰهُ اَلْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ‌ » لما كشف الله عن الحقيقة المتقدمة في جانب النفي بقوله: « إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ‌ » أبان عنه في جانب الإثبات أيضا في هذه الآية بقوله: « وَ يُحِقُّ اَللّٰهُ اَلْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ‌ » و قد جمع تعالى بين معنيي النفي و الإثبات في قوله : «لِيُحِقَّ اَلْحَقَّ وَ يُبْطِلَ اَلْبٰاطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ‌:» الأنفال: ٨.

و من هنا يقوى احتمال أن يكون المراد بالكلمات في الآية أقسام الأقضية الإلهية في شئون الأشياء الكونية الجارية على الحق فإن قضاء الله ماض و سنته جارية أن يضرب الحق و الباطل في نظام الكون ثم لا يلبث الباطل دون أن يفنى و يعفى أثره و يبقى الحق على جلائه، و ذلك قوله تعالى : «أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ‌ بِقَدَرِهٰا فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً رٰابِياً وَ مِمّٰا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنّٰارِ اِبْتِغٰاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتٰاعٍ‌ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اَللّٰهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْبٰاطِلَ فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفٰاءً وَ أَمّٰا مٰا يَنْفَعُ‌ اَلنّٰاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ‌:» الرعد: ١٧، و سيجيء استيفاء البحث فيه في ذيل الآية إن شاء الله تعالى.

و الحاصل أن موسى (ع) إنما ذكر هذه الحقيقة لهم ليوقفهم على سنة إلهية حقة غفلوا عنها، و ليهيئ نفوسهم لما سيظهره عملا من غلبة الآية المعجزة على السحر و ظهور الحق على الباطل، و لذا بادروا إلى الإيمان حين شاهدوا المعجزة، و ألقوا أنفسهم على الأرض ساجدين على ما فصله الله سبحانه في مواضع أخرى من كلامه.

و قوله: « وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ‌ » ذكر الاجرام من بين أوصافهم لأن فيه معنى القطع فكأنهم قطعوا سبيل الحق على أنفسهم و بنوا على ذلك بنيانهم فهم على كراهية من ظهور الحق، و لذلك نسب الله كراهة ظهور الحق إليهم بما هم مجرمون في قوله: « وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ‌ » و في معناه قوله في أول الآيات: « فَاسْتَكْبَرُوا وَ كٰانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ‌ ».

الميزان في تفسير القرآن
ج ١٠ ص ١١١.
__

مدرسةأهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى