
لا لعبادة الشخصية و تقديس الفرد:
تعلّم الآية الأولى من هاتين الآيتين حقيقة أخرى للمسلمين استلهاما من أحداث معركة «أحد» إذ تقول: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَفَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ و هذه الحقيقة هي أن الإسلام ليس دين عبادة الشخصية حتّى إذا قتل النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و نال الشهادة في هذه المعركة افتراضا ينتهي كلّ شيء و يسقط واجب الجهاد و النضال عن كاهل المسلمين، بل إن هذا الواجب مستمر، و عليهم أن يواصلوه لأن الإسلام لا ينتهي بموت النبي أو استشهاده، و هو الدين الحقّ الذي أنزل ليبقى خالدا إلى الأبد.
إن عبادة الشخصية و تقديس الفرد من أخطر ما يصيب أية حركة جهادية و يهددها بالسقوط و الانتهاء، فإن ارتباط الحركة أو الدين بشخص معين حتّى لو كان ذلك هو النبي الخاتم صلى اللّه عليه و آله و سلّم معناه توقف كلّ الفعاليات و كلّ تقدّم بفقدانه و غيابه عن الساحة، و هذا النوع من الارتباط هو أحد علائم النقص في الرشد الإجتماعي.
إنّ تركيز النبي و إصراره على مكافحة تقديس الفرد و عبادة الشخصية آية اخرى من آيات صدقه، و دليلا آخر يدل على حقانيته، لأن قيامه و دعوته لو كان لنفسه و بهدف تحقيق مصالحه الشخصية للزم أن يعمق في الأذهان و القلوب هذه الفكرة، و يزيد من توجيه الأنظار إلى نفسه و أن جميع الأشياء في هذا الدين مرتبطة بشخصه بحيث إذا غاب عنهم ذهب و انتهى كلّ شيء، و لكن القادة الصادقين كالنبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلّم لا يفعلون مثل هذا أبدا، و لا يشجعون على مثل هذه الأفكار، بل يكافحونها بقوة، و يقولون: إن أهدافنا أعلى من أشخاصنا و هي لا تنتهي بموتنا و بغيابنا، و لهذا يقول القرآن الكريم: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَفَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ؟ و هو بذلك يستنكر ما دار في خلد البعض أو قد يدور من أن كلّ شيء في هذا الدين ينتهي بغياب النبي القائد صلى اللّه عليه و آله و سلّم.
و الجدير بالذكر أن القرآن استخدم للتعبير عن الردة إلى الجاهلية كلمة اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ و «الأعقاب» جمع عقب (وزان خشن) بمعنى مؤخرة القدم، فهو تعبير موح يصور التراجع إلى الوراء و الارتداد الواقعي، و هو أكثر إيحاء و أقوى تصويرا من لفظة الردة و الرجوع و العودة، لأنه بمعنى السير القهقري.
ثمّ إنه سبحانه يقول: وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللّٰهَ شَيْئاً يعني أن العودة إلى الكفر و الوثنية تضرّكم أنتم دون اللّه سبحانه، لأن أمثال هذا التراجع لا يعني سوى توقفكم في طريق الخير و السعي نحو السعادة الكاملة، بل فقدان كلّ ما حصلتموه من العزّة و الكرامة و المجد بسرعة.
ثمّ إنه لما كان هناك في معركة أحد أقلية استمرت على جهادها رغم الصعوبات، و انتشار الخبر المفجع عن مقتل الرسول، كان من الطبيعي أن ينال صمودهم هذا و ثباتهم التقدير اللائق، و لهذا قال سبحانه: وَ سَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ و بذلك مدح القرآن الكريم استقامتهم و صمودهم، و وصفهم بالشاكرين لأنهم أحسنوا الاستفادة و الانتفاع بالنعم في سبيل اللّه، و هذا أفضل مصاديق الشكر.إن الدرس الذي تعطيه هذه الآية في مكافحة عبادة الشخصية و تقديس الفرد هو أبلغ و أفضل درس لجميع المسلمين في جميع العصور و الأزمنة، فعليهم جميعا أن يتعلموا من القرآن أن لا يربطوا القضايا الإستراتيجية و الأهداف العليا و المصيرية بالأشخاص، بل لا بدّ أن يلتفوا حول الأسس و المبادئ الخالدة التي لا تفنى و لا تتغير، و لا تتأثر بتغير الأشخاص أو غيابهم عن الساحة بسبب الموت أو القتل حتّى لو كان ذلك هو النبيّ الأكرم، لكيلا تتوقف عجلة المسيرة عن الحركة، و لا يتعطل دولاب العمل عن الدوران، بل إن ذلك هو رمز الخلود في أي مبدأ و حركة أساسا.
و على هذا الأساس فإن جميع البرامج و التشكيلات المرتبطة بالأشخاص و القائمة بوجودهم الشخصي هي في الحقيقة برامج و تشكيلات غير سليمة و لا طبيعية، و هي معرضة للزوال و الفناء في أية لحظة.
و ممّا يؤسف له أن يكون أغلب التشكيلات الإسلامية اليوم من هذا القبيل، أي أنها قائمة بالأشخاص، و لذلك فهي سرعان ما تزول و تتهاوى و تلاشى عند ما يغيب الأشخاص بذواتهم عن الساحة.
إن على المسلمين أن يستلهموا من هذه الآية فيقيموا مؤسساتهم المتنوعة المختلفة بنحو يستفاد فيها من مواهب الأشخاص اللائقين الموهوبين دون أن يكون مصيرها مرتبطا بمصيرهم حتّى لا تندثر بتغيرهم أو غيابهم.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج٢ ص٧١٧.
__
مدرسةأهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT



