التعليممقالات

ماليزيا وتعايش الثقافات …

تقدم ماليزيا نموذجاً فعلياً وليس ممكناً فحسب، لتعايش المجموعات البشرية التي تنتمي إلى ديانات وثقافات وقوميات متعددة ومتنوعة، ويتصف هذا النموذج في داخل المجتمع الماليزي بالفاعلية والحيوية، بمعنى أنه نموذج متحرك وليس ساكناً، وبالتالي فهو معرض دائماً للتغير والتقلب والاحتكاك، بالشكل الذي يجعله في دائرة التجريب والاختبار، لمعرفة مدى ثباته وتماسكه، وهو ما تبين فعلياً، وكشف عنه الواقع على الأرض.

وهذا النموذج التعددي هو من أكثر ما يقدم ماليزيا إلى العالم ناظراً ومنظوراً إليها، فهي من جهة تقدم نفسها إلى العالم بهذا النموذج المتفوق، وينظر إليها العالم بإعجاب على أساس هذا النموذج من جهة أخرى، والذي ضاعف من قيمة هذا النموذج وجعله ملفتاً لأنظار العالم، كون ماليزيا دولة إسلامية تفتخر بإسلاميتها ولا تتنكر لها.
ومن هذه الجهة، تبرهن ماليزيا على إمكانية تقبل وتسامح وتعايش المجتمع المسلم مع المجموعات البشرية الأخرى غير الإسلامية، وبدون تهميش أو تمييز أو اضطهاد، وإنما على أساس المساواة والشراكة والاندماج.
وحين يريد الدكتور محاضير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق، أن يلفت النظر لهذا الأمر مميزاً ماليزيا به عن غيرها، يقول (هناك مجتمعات عديدة تنظر إلى التعددية الدينية على أنها نقمة وليست نعمة، لأنها كثيراً ما تجلب العنف والصراعات المسلحة، لكنها في ماليزيا تشكل عنصراً هاماً لجمع وتقريب المواطنين من مختلف الديانات إلى بعضهم بعضاً، مما يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية)، ويربط الدكتور محاضير بين الإسلام والوحدة الوطنية في ماليزيا، في إشارة مهمة بقوله (إن ما حققته ماليزيا من وحدة وطنية ما هو إلا ثمرة لممارسة الشعائر الدينية وخاصة تلك المرتبطة بالإسلام في وضح النهار وبعيداً عن العزلة)، وهنا تكمن في نظر الدكتور محاضير ضرورة فهم الدين الرسمي للدولة، فإذا كان الإسلام الذي هو الدين الرسمي لماليزيا بدا غامضاً حسب قوله، وتتم ممارسة شعائره في الخفاء، فإن ذلك يشكل سبباً كافياً للاعتقاد بأن السلطات الرسمية سوف تسعى لفرضه على أتباع الديانات الأخرى، وستضع العقبات أمام ممارسة العقائد الأخرى، ولرفع هذا الوهم اقتضت الضرورة في رأي الدكتور محاضير أن يمارس المسلمون في ماليزيا شعائر دينهم أمام الناس، وفي وضح النهار من دون تخف أو عزلة.
وقد ساهم الموقع الجغرافي لماليزيا في تكوين المجتمع الماليزي بهذه الطبيعة المتعددة ثقافياً ودينياً وقومياً، وحسب الموسوعة العربية العالمية فإن الموقع الجغرافي لماليزيا يعد من أكثر العوامل أهمية في تاريخها، حيث تنتشر شبه جزيرة ماليزيا فوق المحيط الهندي جنوبي بحر الصين، وكانت قديماً نقطة التقاء للتجار الهنود والصينيين الذي اعتمدوا على الرياح الموسمية في رحلاتهم التجارية، وجذبت مراكز ماليزيا الغنية المغامرين والتجار من بلاد عديدة، وامتزجت فيها الشعوب والحضارات، فأثر الهنود في الفن والثقافة الماليزية، وأدخل العرب الإسلام للمنطقة وغدا الدين الرسمي لها، وقدم الهولنديون والألمان الأفكار والأساليب الاقتصادية، ومهد البريطانيون دعائم التطور السياسي.
من هنا فإن تعايش الثقافات والديانات في ماليزيا هو من أكثر ما يدحض مقولة صدام الحضارات عند هنتنغتون، ويبعث على الشك فيها، هذا بالنظر لهذه المقولة بوصفها مقولة تفسيرية ناظرة للواقع الخارجي بما هو عليه بدون التدخل فيه أيديولوجياً، وأما عند النظر لهذه المقولة بوصفها مقولة تحريضية فإن النموذج الماليزي هو من أكثر ما يريد هنتنغتون أن يحذر منه الغرب، لأنه يقدم صورة ممكنة لتحالف الإسلام مع القوى الصاعدة في آسيا وعلى مستوى العالم، وتحديداً مع الصين والهند، لكن الصحيح أن ماليزيا هي نموذج لتعايش الثقافات وليس صدامها1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الخميس / 13 سبتمبر 2007م، العدد 14992.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى