مقالات

المبيت بمنى…

المبيت في منى عزيمة أم رخصة؟

المشهور شهرة عظيمة بل كاد يكون إجماعاً أن المبيت عزيمة، شذ عن ذلك الشيخ الطوسي في (التبيان)، والطبرسي في (مجمع البيان).

والوجه فيما ذهب إليه المشهور الأخبار المتضافرة كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: (إذا فرغت من طوافك للحج وطواف النساء فلا تبين إلا بمنى)1.
وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام عن رجل بات بمكة في ليالي منى حتى أصبح، قال: إن كان أتاها نهارًا، فبات فيها  حتى أصبح فعليه دم يهريقه2.
وصحيحة معاوية بن عمار الأخرى عن أبي عبد الله عليه السلام: (لا تبت ليالي التشريق إلا بمنى، فإن بت في غيرها فعليك دم)3.
فالنهي عن المبيت بغير منى في صحيحة معاوية، ولزوم الكفارة لمن بات بغيرها في إحدى الصحيحتين وصحيحة علي بن جعفر، دليل كاف على كون المبيت عزيمة.
إلا ان هناك خبرين يظهر منها الرخصة، وهما صحيحة العيص بن القاسم قال:سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى، قال: (ليس عليه شيء وقد أساء)2.
ومعتبر سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: (فاتتني ليلة المبيت بمنى من شغل، فقال: لا بأس)2.
فنفي البأس في الرواية الثانية، وعدم ترتب شيء عليه في الأولى، يظهر منه الرخصة في المبيت، وأنه لا يعدو كونه مستحبا، وبالتالي فالنهي عن المبيت في غير منى محمول على الكراهة، كما هو مراد الشيخ والطبرسي.
وقد وجّه الشيخ الطوسي في الاستبصار هاتين الطائفتين – حيث قال هناك بالعزيمة- باحتمال حمل الطائفة الثانية على من بات في مكة متعبدًا، أو على من خرج من منى بعد النصف الأول.
لكن هذا التوجيه في غير محله، إذ لا يعقل أن يتوجه الخطاب في قوله عليه السلام (وقد أساء) كما في صحيحة العيص إلى من بات متعبداََ في مكة، لأنه في طاعة الله كما ورد في صحيحة أخرى لمعاوية بن عمار4.
كما يصعب حمل الروايتين على من خرج من منى بعد النصف الأول لعدم وجود قرينة تشير إليه، بل ظاهر الروايتين خلاف ذلك تماماََ، ففي خبر بن يسار جاء: (فاتتني ليلة من ليالي منى)، أي جميع الليل ولا يصح حملها على ما كان بعد النصف إلا بقرينة.
كذلك فإن الحمل على اختصاص الروايتين بليلة الثالث عشر كما في (السداد) للعصفور غير تام، لأن التعبير بليلة المبيت فيه دلالة على الحادية عشر أو الثانية عشر فقط.
وهكذا الحمل على الجهل أو الاضطرار، لأن الإساءة في قوله (وقد أساء) لا تجتمع مع الجهل ولا مع الاضطرار، إذ لو كان جاهلاَََ أو مضطراَََ فلا إساءة.
ولو قيل بأن معتبرة بن يسار خاصة بالمضطر لما ورد فيها من انه بات في غير منى (من شغل)، فانه يجاب بأن صحيحة العيص مطلقة فقد جاء فيها (فاتته ليلة من ليالي منى).
وأما التوجيه الذي ذكره السيد الخوئي في المعتمد من ان عدم البأس في خبر بن يسار يراد منه عدم البأس في حجته فلا دلالة فيه على نفي الكفارة5، فغير تام لأن عدم البأس مطلق شامل لجميع الجهات حيث أن الإمام عليه السلام في مقام البيان، أضف إلى ذلك صراحة خبر العيص فقد جاء فيه (ليس عليه شيء) وهو لسان شامل للتكليف والوضع فلا إثم ولا كفارة وبالتالي لا فساد لحجته.
لكن السيد الخوئي ناقش في الإطلاق المفهوم من صحيحة العيص، بأن مثل هذا الإطلاق لا ينفي الكفارة، إذ مفاده ليس عليه شيء إلا الشاة، وذلك لمقتضى الجمع بين ما دل على لزوم الكفارة ومثل صحيحة العيص، وله أشباه ونظائر، فهو من قبيل ما ورد في المفطرات بالنسبة للصائم (لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث أو أربع: الأكل والشرب والجماع و الارتماس)6 مع إن المفطرات عشرة5.
والظاهر أن هذه المناقشة قياس مع الفارق، ففي بحث الصوم التوفيق المذكور إنما تم التوصل إليه من خلال ملاحظة لسان الروايات الخاصة هناك، أضف إلى ذلك إن هذا التوفيق شاذ بالنظر إلى المعمول به فقهيًا، ففي مثل هذه الحالات تحمل الأوامر على الاستحباب كما تحمل الاخبار المجوزة على مطلق الإباحة التي ربما تحتمل الكراهة.
ولهذا كأن السيد الخوئي نفسه لم يصر على التمسك بهذا التوفيق واحتمل مع ذلك استحكام التعارض مرجحا العزيمة حيث حمل الأخبار المرخصة على التقية5.
والأوفق بحسب الظاهر القول باستحكام التعارض، وترجيح الأخبار الدالة على ان الأمر على نحو العزيمة، والإغماض عن الأخبار المرخصة لإعراض الأصحاب عنها قديمًا وحديثًا، وقد يكون الإعراض راجعًا لاحتمال صدورها تقية أو لأمر آخر.

مفهوم التنصيف

الظاهر لا كلام في أن المبيت المطلوب لا يشمل الليل كله، وإن كانت هناك بعض الأقوال  الشاذة سنأتي  على مناقشتها لاحقاَََ، بل يكفي التنصيف على نحو التخيير لا تعيين الأول كما ستأتي مناقشته.
لكن ما هو مفهوم  التنصيف هنا ؟ فهل ما يقابل النصف الأول من الليل تمام النصف الثاني، أم مجرد الإصباح في منى بحيث يكفي التواجد فيها قبل طلوع الفجر ولو بفترة يسيرة، وهل أن كفاية الإصباح على القول بها خاصة بمن خرج إلى مكة بقصد زيارة  البيت أم مطلقاَََ؟
توجد ثلاث طوائف من الروايات أغلبها صحاح، ولا يضر الخدش في سند بعضها ولو قلنا به لاعتضادها بغيرها بعد ملاحظة التوافق بينها في المعنى.

الطائفة الأولى

المصرحة باشتراط المبيت تمام النصف الثاني وهي:

  1. صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام قال: (لا تبت  ليالي التشريق إلا بمنى، فإن بت في غيرها فعليك دم، فإن خرجت أول الليل فلا ينتصف الليل إلا وأنت في منى…)7.
  2. صحيحة جعفر بن ناجية عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا خرج الرجل من منى أول الليل فلا ينتصف له الليل إلا وهو بمنى، وإذا خرج بعد نصف الليل فلا  بأس أن يصبح بغيرها)8.

الطائفة الثانية

المصرحة بكفاية الإصباح مطلقاََ وهي:

  1. صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلا بها)2.

الطائفة الثالثة

المصرحة بكفاية الإصباح في حال الذهاب إلى مكة بقصد الزيارة وهي:

  1. صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام أنه قال في الزيارة: (إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلا بمنى)9.
  2. صحيحة العيص بن القاسم قال:سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزيارة من منى، قال: (إن زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى)9.
  3. صحيحة صفوان قال: قال أبو الحسن عليه السلام: سألني بعضهم عن رجل بات ليالي منى بمكة، فقلت: لا أدري، فقلت له: جعلت فداك ما تقول فيها؟ فقال عليه السلام: (عليه دم شاة إذا بات، فقلت: إن كان إنما حبسه شأنه الذي كان فيه من طوافه وسعيه لم يكن لنوم ولا لذة، أعليه مثل ما على هذا ؟ قال: ما هذا بمنزلة هذا، وما أحب أن ينشق له الفجر إلا وهو بمنى)2.

بداية يمكن القول بالتعارض بين الطائفة الأولى والثانية، باعتبار أن الأولى تشترط البقاء في  منى تمام النصف الثاني لتحقق مفهوم المبيت بمنى الشرعي، بينما الثانية تقول بكفاية مجرد الإصباح وهو يعني التواجد ولو جزءاََ يسيراَََ من النصف الثاني إلى طلوع الفجر.
وبناء على ذلك ينبغي الترجيح، وقد قدم جمهرة من الفقهاء الطائفة الأولى، نظراَ لكونها نصاََََ بينماَََ الثانية ظاهر، أو الثانية مجملة والأولى مفصلة، إذ لا يعلم هل الثانية مطلقة  أم مقيدة، أي هل كفاية الإصباح مشروطة بالاضطرار مثلاََََ أو الجهل أو لمن قصد الزيارة للبيت وما أشبه، أم هي مطلقة، لذلك فهي من هذه الجهة مجملة، بينما الطائفة الأولى مفصلة باعتبار أنها تبين تفصيل الحكم الأولي، وبهذا يقدَّم التفصيل على الإجمال.
لكن هذا الكلام غير تام ، بل يمكن ادعاء العكس أيضاَََ، والأوفق القول بالتساوي في مستوى الظهور، ولا وجه للقول بأن الأولى مفصلة والثانية مجملة،إذ الإطلاق يستفاد من الطائفتين.
ولا تعارض بينهما، فالثانية تنص على كفاية الإصباح مطلقاَََ بينما الأولى تؤكد على رتبة من مراتب الفضل، أي يستحب البقاء في منى النصف الثاني بتمامه لمن لم يختر النصف الأول، مع عدم الكراهة في الاكتفاء بالإصباح.
ولا داعي لاحتمال القيدية بالنسبة للطائفة الثانية، لتمامية ظهورها في الإطلاق، ومجرد الاحتمال بدون قرائن واضحة غير نافع، بل يمكن ادعاء احتمال القيدية بالنسبة للطائفة الأولى أيضاَََ، بأن يقال باحتمال اختصاصها بمن لا يطمئن أو لا يستطيع إدراك ما قبل الفجر بمنى أو غير ذلك.
هذا ما يمكن استظهاره من الطائفتين بغض النظر عن الطائفة الثالثة، ولذلك لابد من مراجعة الثالثة للتأكد من تمامية هذا الاستظهار. وما ينبغي التركيز عليه معرفة النسبة بين الطائفة الثانية والثالثة.
قد يقال بأن النسبة بينهما الحكومة، بأن تكون الثالثة حاكمة على الثالثة ومفسرة لها، فيكون  المراد من الثانية ليس الإطلاق وإنما خصوص من خرج من مكة بقصد زيارة البيت، سواء كانت الزيارة للإتيان بمناسك الحج أو لمطلق التعبد لإطلاق مثل صحيحة أبي الصباح الكناني.

لكن التمسك بإطلاق صحيحة جميل للقول بإجراء الإصباح مطلقاَََ خيار وجيه لاعتبارات عدة:

  1. أقوال الإمام عليه السلام في الطائفة الثالثة إجابات على أسئلة، وبالتالي فالخروج من منى مجرد مورد ومصداق، خاصة أنه المورد الغالب ولهذا كثر السؤال عنه بخصوصه، نعم لو كان بداية إنشاء من الإمام لأمكن القول بتوجه التقييد.
  2. تمامية الإطلاق في صحيحة جميل، مع كون الإمام عليه السلام  في مقام البيان.
  3. عدم كفاية مجرد احتمال ناظرية أخبار الطائفة الثالثة إلى صحيحة جميل للخدش في الإطلاق.
  4. يضاف إلى ذلك ما جاء في صحيحة العيص قال: (إن زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى)، باعتبار أن من زار عشاء في الغالب من الصعب عليه أدراك النصف الثاني كاملًا فيصبح كفاية الإصباح بالنسبة له مستساغة إذ لا خيار آخر له، أما من زار نهارًا فالوقت بالنسبة له متسع، فلا أقل من قدرته على إدراك تمام النصف الثاني بل حتى الأول قد يكون ممكنًا، ومع ذلك أجزأه الإصباح، ما يعني أن حكم الإصباح مجزئ مطلقا.

بناء على ذلك يصح التمسك بإطلاق صحيحة جميل ،وتكون روايات الطائفة الثالثة ترقياََ، أي لاسيما إذا كان قاصداَ زيارة البيت.
فتكون النتيجة كفاية الإصباح مطلقاَََ سواء مع قصد زيارة البيت أو بدونه، ولا يشترط في الإصباح المبيت في خصوص منى بل يكفي المبيت في الطريق إذا كان قد خرج من مكة، وذلك لأن حكم المبيت في الطريق شامل لمن قصد زيارة البيت ومن لم يقصد. ولو قيل بأن صحيحة محمد بن إسماعيل وصحيحة جميل بن دراج وصحيحة هشام الآتي ذكرها ظاهرة في اختصاص جواز المبيت في الطريق بمن قصد زيارة البيت نظرًا لأنها بأجمعها تنص على أن من زار البيت وتجاوز بيوت مكة متجها إلى منى يجزئه المبيت في الطريق قبل وصوله إلى منى، فانه يقال ان هذا مجرد مورد وإنما تكلم عنه الإمام عليه السلام لأنه الغالب وإلا فا لحكم يشمل كل من كان في مكة وإن لم يكن مشتغلًا بالنسك بدليل صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، فقد جاء فيها (لا تبت ليالي التشريق إلا بمنى، فإن بت في غيرها فعليك دم، فأن خرجت أول الليل فلا ينتصف الليل إلا وأنت في منى إلا أن يكون  شغلك نسكك أو قد خرجت من مكة) فقوله عليه السلام فان بت غيرها لا يتعلق بمن قصد زيارة البيت فقط وإنما مطلقاَََ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن من يجوز له أن لا يعود إلى خصوص منى قبل الانتصاف ليدرك النصف الثاني إما أن يكون مشتغلاََََ في نسكه أو أن يكون  قد خرج من مكة، مع ملاحظة أن الخروج من مكة ليس مترتباَََ على الاشتغال بالنسك، أي ليس من خرج من مكة بعد فراغه من النسك، وإنما من خرج من مكة مطلقاَََ وإن لم يكن قد اشتغل بالنسك كما هو ظاهر الصحيحة. وعليه فان من لم يبت النصف الأول في منى يجزئه الإصباح في منى أو في الطريق إليها سواء خرج لمكة للزيارة أو لمجرد البقاء فيها.
وينبغي التنبيه إلى أن جواز المبيت في الطريق اختياري وليس اضطرارياَََ كما يشهد له إطلاق الصحاح الثلاث وصحيحة معاوية، أي يمكنه المبيت في الطريق حتى لو كان باستطاعته الوصول إلى منى، وإن كان المبيت في خصوص منى أفضل.
ولا يشترط التواجد في خصوص مكة المكرمة لمن لم يبت في منى النصف الأول، بل يمكن أن يذهب إلى غيرها حتى لو كانت خارج الحرم بعيدة أو قريبة، لإطلاق صحيحة جميل أيضًا؛ لأن الخروج من منى لا يختص بالذهاب إلى مكة وإنما يمكن أن يشمل غيرها وإن كان الذهاب إلى مكة هو الغالب. مع العلم بأن هذه المسألة مبنية في الأساس على حكم الخروج من مكة بعد عمرة التمتع وقبل الحج، وبالتالي فالقائلون بالجواز لا يفرقون هنا بين ما كان قبل الإحرام للحج وبين ما كان بعده إذا لم يكن متعارضًا مع الإتيان ببقية أعمال الحج، وأما القائلون بعدم الجواز فقد يعممونه إلى ما بعد التحلل من إحرام الحج وقد يفرقون.
وعلى كلٍّ فبعد التسليم بجواز الخروج من مكة بعد عمرة التمتع، يأتي الكلام هنا بأن المطلوب ليس البقاء في منى أو مكة فقط على نحو التخيير حتى يقال بعدم جواز الخروج من منى إلى غير مكة، وإنما المطلوب الإتيان بأعمال منى بكيفيتها وكذلك أعمال مكة، وإذا كان الخروج إلى مناطق أخرى غير متعارض معه فلا مانع من الخروج وإن كان الأفضل البقاء في منى.

التنصيف بين التعيين والتخيير

يظهر من الروايات أن التنصيف في حد ذاته بالمفهوم الذي ذكرناه لا إشكال فيه، لصحيحتي معاوية بن عمار والعيص بن القاسم المتقدمتين، حيث جاء في الأولى: (فإن خرجت أول الليل فلا ينتصف الليل إلا وأنت في منى، وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تصبح في غيرها) كما جاء في الثانية: ( إن زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى، وإن زار بعد أن  انتصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة).
وأما ما جاء في صحيحة – على الأصح – أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الدلجة إلى مكة أيام منى وأنا أريد أن أزور البيت؟ قال: (لا حتى ينشق الفجر كراهية أن يبيت الرجل بغير منى)10.
فيمكن حمله على الأفضلية وذلك توفيقاَََ بينها وبين صحيحتي معاوية والعيص.
كما أن القول بأن مفهوم البيتوتة يشمل الليل كله، حيث جاء عن الفراء (بات الليل كله إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية)11، غير مقبول، أولاََ لأن  من أدرك بعضه يقال بات كما يفهم من عبارة الزجاج (كل من أدرك الليل فقد بات)2، وثانياَََ صراحة النص الدالة على كفاية التنصيف كصحيحتي معاوية والعيص المتقدمتين وصحيحة جعفر بن ناجية المتقدمة وسيأتي الكلام عنها.
بهذا يتبين أن استيعاب الليل مستحب لا أكثر، ويكفي البقاء نصفه.
لكن هل هو على نحو التعيين أو التخيير، وهل هو مشروط أم مطلق؟
ذكر صاحب (الرياض) بأن الأصحاب قالوا بالتعيين في النصف الأول كما هو عليه الإمام الخميني بين المعاصرين، بينما قال الحلبي بالتخيير وهو ما عليه مشهور المعاصرين.
وسواء قلنا بالتعيين أو التخيير، فقد اشترط بعض كالشيخ في (المبسوط) وابن إدريس في (السرائر) عدم الدخول إلى مكة إلا بعد طلوع الفجر لمن خرج من منى بعد مبيت النصف الأول.
وأما بناء على تعيين النصف الأول، فقد اشترط المشهور جواز الخروج الاختياري من منى أول الليل في حال الرغبة بالاشتغال بالعبادة في مكة لا مطلقًا.
وربما يستظهر البعض من صحيحة عبد الغفار الجازي تعيّن المبيت في النصف الأول، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل خرج من منى يريد البيت قبل الليل فأصبح بمكة، قال: لا يصلح له حتى يتصدق بها صدقة أو يهريق دمًا، فإن خرج من منى بعد نصف الليل لم يضره شيء12.
بتقريب أن الإمام عليه السلام نهى عن الخروج من منى قبل انتصاف الليل، ثم لم يأمر بالرجوع قبل الانتصاف لأدراك النصف الثاني، ما يشعر بعدم كفايته.
وكذلك صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل بات بمكة حتى أصبح في ليالي منى، فقال: إن كان أتاها نهارًا فبات حتى أصبح فعليه دم شاة يهريقه، وإن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شيء13. 
يضاف إلى ذلك أن الروايات التي جوّزت الخروج أول الليل أي قبل انتصاف الليل إنما خصّت الجواز بمن ذهب لمكة قاصداَََ الزيارة لا مطلقاَََ، كصحيحة معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) قال:(إذا فرغت من طوافك للحج  وطواف النساء فلا تبيت إلا بمنى إلا أن يكون شغلك في نسكك ،وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تبين في غير منى)14.
حيث يظهر منها أن الخروج بعد نصف الليل جائز مطلقاَََ، بينما الخروج قبل ذلك لا يجوز إلا إذا كان بقصد الاشتغال في النسك.
هذا وقد احتمل السيد الخوئي للقائلين بهذا الرأي دليلاَََ آخر، مفاده أن مقتضى ظاهر الأدلة وجوب البقاء من أول الغروب إلى آخر الليل، كما قد يظهر بدواََ من صحيحة أبي الصباح الكناني المتقدمة- وتقدمت مناقشاتها -، خرج من ذلك الخروج بعد نصف الليل كما قد يظهر من صحيحة معاوية بن عمار الأخيرة، فيبقى الباقي وهو النصف الأول على الوجوب15، وبالتالي بمعونة ما جاء في صحيحة معاوية الأخيرة نفهم بأن جواز الخروج أول الليل جائز في حالة واحدة وهي إذا كان الخروج بقصد زيارة البيت.
لكن هذه التوجيهات بأجمعها مردودة، لصراحة الروايات في كفاية النصف الأول أو الثاني على نحو التخيير، ومن غير تقييد بقصد زيارة البيت لمن أراد الخروج قبل أو أثناء النصف الأول، كصحيح جعفر بن ناجية المتقدم (إذا خرج الرجل من منى أول الليل فلا ينتصف الليل إلا وهو بمنى، وإذا خرج بعد نصف الليل فلا بأس أن يصبح بغيرها).
حيث يظهر منه كما هو واضح جواز الخروج مطلقاَََ من منى أول الليل واختيار النصف الثاني، وبالتالي فالخروج من منى أول الليل جائز مطلقاَََ خصوصاَََ لمن قصد زيارة البيت كما هو الغالب ربما أو لا أقل هو محل الابتلاء عند البعض.
وأما ما تمت الإشارة إليه استفادة من صحيحة الجازي وعلي بن جعفر المتقدمتين من أن الأمام عليه السلام لم يأمر بالرجوع إلى منى قبل منتصف الليل لإدراك النصف الثاني، فلا دلالة فيه على عدم كفاية النصف الثاني، إذا أن الفرض في صحيحة الجازي أن الخروج كان قبل منتصف الليل بقصد الزيارة، ولا يمكن لمن كان هذا خياره أن يعود إلى منى قبل المنتصف؛ لأن الذهاب إلى البيت والإتيان بالأعمال يستغرق وقتًا طويلا، ولذلك لا يعقل أن يأمره الإمام عليه السلام بالرجوع قبل الانتصاف.
وأما صحيحة علي بن جعفر فالسؤال في الأصل فيها عن رجل بات بمكة إلى الصباح، فلا يمكن أن يأمره الإمام عليه السلام بالرجوع قبل الانتصاف؛ لأنه سؤال عن أمر قد حدث وانتهى، نعم من الطبيعي أن يتكلم الإمام عليه السلام عن وقت خروجه من منى للنظر في صحة عمله أو عدم صحته، كما فعل عليه السلام فعلا،  فإن كان قد خرج قبل مبيت النصف الأول فعليه كفارة لأن المبيت فاته بتمامه، وإن كان قد خرج بعد نصف الليل فعمله صحيح لأنه قد بات النصف الأول. لهذا لا تعارض بين صحيحتي الجازي وابن جعفر مع صحيحة بن ناجية.
وهكذا صحيحة معاوية بن عمار فهي لم تجوّز الخروج من منى في النصف الأول لمن قصد الزيارة فقط، وإنما جوّزت البقاء في مكة اشتغالاََ بالعبادة لمن لم يبت في منى بغض النظر عن النصف الأول أو الثاني، وأما من بات النصف الأول في منى فلا يضره أن يبيت في غيرها وإن لم يكن مشتغلاَََ بالعبادة. أي أن هذه الصحيحة لا صراحة فيها على اختصاص الخروج أول الليل بمن قصد الزيارة، بل هي صريحة في جواز البقاء في مكة اشتغالاََ بالنسك بدل المبيت في منى من غير أن يكون هناك نظر للنصف الأول أو الثاني.
لهذا تبقى صحيحة بن ناجية على إطلاقها بلا معارض، فتكون بذلك مفسِّرة لمفهوم المبيت، فلو سلمنا بأن المبيت إنما يكون من أول الغروب إلى آخر الليل – مع أننا أشكلنا على ذلك سلفاََ -، لكن الذي خرج منه بالنص ليس الخروج بعد نصف الليل فقط كما وجه به السيد الخوئي كلام المشهور، وإنما يخرج منه بالنص من بات أحد النصفين على نحو التخيير كما هو المستفاد من مجموع الروايات السابقة، وبذلك أجاب السيد الخوئي نفسه على التوجيه الذي احتمله16.
بهذا يظهر جلياََ بأن اختيار أحد النصفين جائز مطلقاََ على نحو التخيير.

الخروج من منى بين المشروطية والاطلاق

سواء قلنا بالتعيين أو التخيير، من بات النصف الأول جاز له الخروج من منى، لكن هل يجوز له دخول مكة أم لا؟
ذهب جمع كـ(النهاية) و(المبسوط) و(الوسيلة) و(السرائر) و(الجامع) إلى أن الخارج من منى بعد النصف الأول لا يجوز له دخول مكة قبل الفجر.
وقد صرح صاحب (الجواهر) بعدم وجود مدرك واضح لهذا الرأي، فقد قال: (ولكن لم نعرف له مأخذاَََ معتداَََ به كما اعترف به في الدروس17.
ثم نسب إلى البعض احتمال الاستناد إلى بعض الاستظهارات من بعض الأخبار، قال: (وإن قيل لعلهم استندوا إلى ما مر من الأخبار الناطقة بأن الخارج من مكة ليلاَََ إلى منى يجوز له النوم في الطريق إذا جاز بيوت مكة، لدلالتها على أن الطريق في حكم منى، فيجوز أن يريدوا الفضل لما مر من الأفضل الكون إلى الفجر، والوجوب اختصاراَََ على اليقين وهو جواز الخروج بعد الانتصاف من منى لا مما هو في حكمها)16.
والأخبار التي يعنيها ثلاثة:

  1. صحيحة محمد بن إسماعيل عن أبي الحسن عليه السلام في الرجل الذي يزور فينام دون منى، فقال:إذا جاز عقبة المدنيين فلا بأس أن ينام18.
  2. صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال:من زار فنام في الطريق فإن بات بمكة فعليه دم، وإن كان قد خرج منها فليس عليه شيء وإن أصبح دون منى2.
  3. صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا زار الحاج من منى فخرج من مكة فجاوز بيوت مكة فنام ثم أصبح قبل أن يأتي منى فلا شيء عليه2.

وتقريب الاستدلال بها أن الإمام عليه السلام أكد على ضرورة الخروج من مكة وإلا لزمت الكفارة كما في صحيحة جميل، كما أكد من جهة ثانية على عدم اشتراط البقاء في منى، فإذا جاوز بيوت مكة جاز له المبيت في غيرها كعقبة المدنيين مع أنها ليست من منى.
وذلك يدلل على أن الطريق الخارج عن مكة بمنزلة منى وفي حكمها.
وبالتالي قد ثبت سلفاََ جواز الخروج من منى بعد مبيت النصف الأول، لكن لم يثبت جواز الخروج عما في حكمها من الأماكن، بمعنى أن الحد المتيقن جواز الخروج من خصوص منى فقط لا ما نزِّل منزلتها كما بعد عقبة المدنيين، خصوصاََ إذا نظرنا إلى الصحاح الثلاث التي تأمر بالخروج من مكة. فتكون النتيجة جواز الخروج من منى بعد النصف الأول إلى غيرها، ولكن بشرط عدم دخول مكة.
ويمكن تدعيم هذا الرأي بما جاء في صحيحة أبي الصباح الكناني المتقدمة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الدلجة إلى مكة أيام منى وأنا أريد أن أزور البيت؟ فقال: لا حتى ينشق الفجر كراهية أن يبيت الرجل بغير منى.
حيث يظهر من كلام الإمام عليه السلام النهي عن دخول مكة ليلاََََََََََ.
وكذلك صحيحة علي عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن رجل زار البيت فطاف بالبيت والصفا والمروة ثم رجع فغلبته عينه في الطريق فنام حتى أصبح، قال:عليه شاة.2
وذلك بحمل المبيت فيها على من بات قبل الخروج من مكة، لا من جاوز بيوتها الذي دلت على كفايته الصحاح الثلاث المذكورة.
لكن جميع ما ذكر فيه كلام، ولا يجاب عليه فقط بإطلاقات مثل صحيح بن ناجية الذي جاء فيه (وإذا خرج بعد نصف الليل فلا بأس أن يصبح بغيرها)، وصحيح الجازي (فإن خرج من منى بعد نصف الليل لم يضره شيء)، على اعتبار أن الإصباح في غير منى مطلق يشمل جميع الأماكن مكة وغيرها، وكذلك الخروج من منى مطلق يشمل الخروج إلى أي مكان.
فلا يجاب على الرأي السابق بمثل هذه الإطلاقات فقط، لاحتمال الإيراد عليها بأنها مقيدة بما ذكر من أدلة للرأي السابق، وإنما يجاب عليه بصراحة صحيحة العيص فقد جاء فيها:(وإن زار بعد أن انتصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة)، وصحيحة علي بن جعفر ففيها: (وإن خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شيء) حيث ورد فيهما التصريح بجواز دخول مكة بعد نصف الليل سواء مع قصد الزيارة كما في صحيحة العيص أو بدونه –أي مطلقاَ – كما في صحيحة علي بن جعفر.
بهذا يتبين بأن الخروج من منى بعد نصف الليل مطلق وغير مشروط.

التنصيف الحقيقي والحكمي

مما سبق بيانه يتضح لنا كفاية المبيت نصفاََ من الليل، لكن هل يراد منه النصف الحقيقي أي من الغروب إلى نصف الليل أو من نصف الليل إلى الفجر، أو يراد النصف الحكمي بمعنى مقدار النصف من الليل زمنياََ ولو كان ملفقاَََ من النصفين؟
ذهب المشهور من الفقهاء قديماََََ وحديثاَََ إلى القول بالنصف الحقيقي، ولو ادعي على ذلك الإجماع لما كان في ذلك مجازفة، في حين ذهب السيد الأستاذ المدرسي إلى القول بكفاية النصف الحكمي.
لعل الوجه المستظهر من الأخبار للرأي الثاني أن المكلف مطالب بالمبيت في منى، ويصدق على المبيت شرعاَََ البقاء في منى بمقدار نصف ليلة في أي وقت كان سواء كان من الغروب إلى النصف أو من النصف إلى الفجر أو ملفقاَََ منهما، بل قد يصدق حتى على من بقي بمقدار يسمى فيه أنه بات. وتقريب ذلك يعتمد على مقدمات:

  1. كفاية الإصباح في منى، مع أنه ليس إلا جزءاَََ يسيراَََ من الليل.
  2. لا خصوصية لآخر الليل، فما ينطبق على آخره ينطبق على أوله.
  3. أن من خرج من مكة متوجهاَََ إلى منى يجزئه المبيت في الطريق دون منى.
  4. بالنسبة للمقدمة الثالثة أيضاََ لا خصوصية لآخر الليل، إذ يمكن التعدي إلى أوله.

وقد مرت علينا الروايات الدالة على المقدمة الأولى والثالثة، فصحيح جميل بن دراج يدل على الأولى وهو (إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلا بها)، وكذلك صحيح العيص حيث جاء فيه (إن زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى).
وصحيح جميل بن دراج الآخر يدل على الثالثة وهو (من زار فنام في الطريق فإن بات بمكة فعليه دم، وإن كان قد خرج منها فليس عليه شيء وإن أصبح دون منى).
بالتالي فإن المقدمة الثالثة تدلل على أن التوجه إلى منى بذاته يقوم مقام البقاء في منى، وإلا لا وجه لجواز المبيت في الطريق، وبضم المقدمة الرابعة نتوصل إلى أن التوجه إلى منى أول الليل بمنزلة التوجه لها آخر الليل، والمقدمة الأولى تدلل على كفاية البقاء قسماَ من الليل بحيث يصدق معه المبيت، مع التنبه إلى عدم وجود خصوصية لآخر الليل، فآخر الليل إنما ذكر في الأخبار لأن المورد يتعلق بمن خرج من منى وفاته النصف الأول، لذلك فالحكم يشمل على الظاهر أول الليل، لأن المناط صدق المبيت وهو يصدق على أول الليل كما يصدق على آخره.
ولازم هذا الكلام كله كفاية ما يصدق عليه مبيتاَََ، وإنما يصدق كما يظهر من الروايات بمقدار النصف، فيكتفى آنئذ حتى بالنصف الحكمي.
وينبغي لنا بعد عرض الأدلة التأمل فيها وفيما تؤدي إليه، وذلك بملاحظة النقاط التالية:
1- المطلوب شرعاََ من التواجد في منى المبيت فيها، كما هو ظاهر الكثير من الأخبار كصحيحة معاوية بن عمار حيث جاء فيه: (فلا تبيت إلا بمنى)2.
لكن هل يظهر من الأخبار كيفية خاصة للمبيت أم هو مطلق؟ هذا ما سيظهر معنا في النقاط التالية.
2- الظاهر من بعض النصوص اشتراط الحقيقي لا سيما النصف الأول، وإن كان يكتفى في الثاني بمجرد الإصباح، كما توحي به صحيحتا معاوية والعيص المتقدمتان، حيث ورد فيهما اشتراط الخروج بعد النصف الأول، ففي الأولى (وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تبيت بغير منى)، وفي الثانية (وإن زار بعد أن انتصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة).
وكذلك صحيحة الجازي وصحيحة جعفر بن ناجية، فهي بأجمعها ظاهرة في التخيير بين تمام النصف الأول لوحده أو النصف الثاني لوحده ولو بمقدار الإصباح الذي دلت عليه صحاح أخرى.
3- هل يمكن أن نظفر بخبر يشير إلى إمكانية الدمج بين النصفين ولو اضطراراَََ، أو أن المطلوب مقدار نصف ليلة بأي كيفية كانت؟
الظاهر أن الروايات لا تساعد على كلا الفرضين، ثم لا دليل على جدوائية إضافة مقطع من النصف الثاني، فالتكليف منحصر إما بالأول أو الثاني، والدليل الموجود إنما هو على عدم وجوب الاستيعاب لمن خرج قاصداَََ منى ، والمبيت يصدق بدون الإضافة.
نعم لو استطعنا أن نفهم بأن أدلة التنصيف يفهم منها مقدار النصف من الليل لا خصوص الأول أو الثاني، وأن المبيت يتحقق بمقدار النصف، لكان هناك وجه للتلفيق، لكن الظاهر من الروايات أن المطلوب إما الأول بخصوصه أو الثاني بخصوصه.
4- نستطيع أن نفهم من الروايات كفاية الاستيعاب العرفي خاصة بالنسبة للمتوجه إلى منى، من غير حاجة للتلفيق ولا الاحتياط به، ولكن لو ضم شئ من الثاني فهو حسن للأدلة الدالة على استحباب البقاء إلى الفجر في منى وقد مر ذكرها، وبتعبير آخر لا معنى للضم لأن صدق المبيت يتحقق سواء مع الضم أو بدونه.
لكن ما هو الدليل على عدم وجوب الاستيعاب الدقي وكفاية العرفي؟
بداية يراد من عدم الاستيعاب الدقي هنا ليس المطلق منه الشامل لحال الاختيار، وإنما الخاص بمن كان قاصداََ منى ولم يتمكن من الوصول إليها إلا بعد الغروب بقليل، وكذلك من قصدها قبل النصف الثاني ولم يصل إلا بعده بسبب زحام أو شبهه. مثل هذا يجزئه المبيت بقية النصف من غير حاجة إلى ضم جزء إضافي من النصف الثاني بالنسبة لمن كان قاصداََ للأول فقط، وهذا ما نعنيه بالاستيعاب العرفي، ويمكن الاستدلال على ذلك بوجوه سنأتي عليها بعد ذكر المقدمة التالية:
من جاز له الخروج بعد الانتصاف هل هناك نص صريح يدلل على ضرورة أن يكون في منى من بداية الغروب، أم هو يفهم من واقع الحال والعادة؟
الظاهر أن صحيح جميل بن دراج وصحيح جعفر بن ناجية المتقدمين يثبتان ضرورة التواجد في منى من أول الليل وهو الغروب، فالثاني اعتبر الخروج أول الليل ضاراََ بميت النصف الأول بينما الأول صرّح بأن الخروج من  منى قبل الغروب لا يجزيء معه المبيت النصف الأول وإنما يتحول التكليف تلقائياَََ إلى النصف الثاني، والعبرة ليس بالخروج قبل الغروب وإنما عدم إدراك الغروب باعتبار أن الخروج قبل الغروب مفوّت للغروب، وإلا لو خرج قبل الغروب وعاد وأدرك الغروب فلا إشكال، ولعل صحيح جميل أصرح من صحيح جعفر بن ناجية.
فقد جاء في صحيح جميل: (إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلا بها)، وهو ظاهر في أن من لم يدرك الغروب في منى لا يجزئه ما بقي من النصف الأول وإنما يتحول فرضه إلى الثاني.
وإما صحيح بن ناجية فقد جاء فيه: (إذا خرج الرجل من منى أول الليل فلا ينتصف له الليل إلا وهو بمنى)، والظاهر أن المقصود من أول الليل الغروب، وبناء عليه فإن الخروج أول الليل مفوّت للنصف الأول حتى على فرض الرجوع إليه. ومع ذلك فإن صراحة صحيح جميل أقوى، لاحتمال كون المراد من أول الليل ما بعد الغروب.
بهذا يتضح وجود نص صريح يدلل على أن النصف الأول يبتدئ من الغروب، ومعنى هذا الكلام وجوب الاستيعاب العرفي لا الدقي؛ لأن هذه الروايات لم تتكلم عن الاستيعاب وعدمه، وإنما حددت المقصود بالنصف الأول فقط، ولازمه اشتراط الاستيعاب، لكن مع ذلك نفهم من روايات أخرى أن المطلوب الاستيعاب العرفي خاصة بالنسبة لمن كان متوجهًا إلى منى.
إذًا ما هي أدلة وجوب مجرد الاستيعاب العرفي؟
يمكن إثبات ذلك بضم بعض الوجوه إلى بعضها الآخر:
1- قد يفهم من أدلة الإصباح عدم خصوصية للنصف الثاني، وبالتالي كما كفى عدم الاستيعاب فيه كفى في الأول.
وما قد يقال من وجود خصوصية للثاني نظراََ لعدم وجود خيار لمن فاته الثاني إلا الإصباح، بخلاف من فاته الأول فله خيار المبيت في النصف الثاني، غير صحيح لأمرين:
أ/ الإصباح مجزئ اختياراً حتى بالنسبة لمن استطاع أدراك النصف الثاني كاملًا، كما سبق بيانه. بالتالي فمن اختار النصف الثاني أجزأه عدم الاستيعاب مع قدرته على استيعابه، كذلك الأمر بالنسبة للأول.
ب/ لا خصوصية للفجر حتى يقال أن العبرة في الإجزاء بغير المستوعب إنما هي خصوص الليل المتصل بالفجر، بل ما يصدق على الليل المتصل بالفجر يصدق على الليل في النصف الأول، لكون الاثنين ليلاََ ويصدق فيهما مفهوم المبيت.
نعم الظاهر من أدلة من خرج أول الليل عدم كفاية ما يكفي في الإصباح -أي ولو مقطع بسيط متصل بالفجر -، بل لا بد من مسمى المبيت في النصف الأول.
وبالمقارنة بين ما ثبت في الإصباح ومسمى المبيت في الأول، يتضح أن الحكم اختياري أيضاَ بالنسبة للأول وليس للمضطر فقط، وإن كان الأحوط اختصاصه بالمضطر.
2- في مسألة النوم في الطريق لمن خرج من مكة، لا خصوصية لآخر الليل بل يشمل أوله بدليل صحيحة محمد بن إسماعيل وصحيحة جميل بن دراج وصحيحة هشام بن الحكم التي سبق التعرض لها مفصلاً، لما فيها من الإطلاق الظاهر الشامل لآخر الليل وأوله، فقد جاء في أحدها مثلاَََ وهي صحيحة بن إسماعيل عن أبي الحسن عليه السلام في الرجل يزور فينام دون منى، فقال: (إذا جاز عقبة المدنيين فلا بأس أن ينام).
فلا السؤال ولا الجواب فيهما خصوصية لآخر الليل، وأما ما في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة: (فإن خرجت أول الليل فلا ينتصف الليل إلا وأنت في منى، إلا أن يكون شغلك نسكك أو قد خرجت من مكة)، الظاهر في آخر الليل فهو مجرد مورد لا ينفي ولا يعارض الإطلاق.
3- من فاته قليل من أول الليل بعد الغروب وبقي إلى الانتصاف يقال بات النصف الأول.
فمن مجموع هذه الوجوه يمكن استظهار كفاية الاستيعاب العرفي، خصوصاً لمن كان متجهاً إلى منى ووصل متأخراً، وبها يمكن تفسير ما ذكره سيد مشائخنا الشيرازي: (من عدم لزوم الاستيعاب بالدقة ،والظاهر أنه لا يكفي فيه المسمى)19. وما أفتى به الأستاذ الشيرازي عند تعرضه للمستثنى من المبيت في منى، وهذا نص فتواه: (من خرج من مكة المكرمة ولم يصل إلى منى ونام في الطريق، بل لا يبعد إلحاق من خرج من مكة ولم يصل إلى منى إلا بعد الغروب أو بعد منتصف الليل لزحام ونحوه من سائر الأعذار)20.
وينبغي التنبيه لملاحظة قبل إقفال البحث وهي أن الاستيعاب العرفي لا يستبعد كونه اختيارياً، فالأدلة المذكورة تنتهي لهذا المستوى من التسامح واليسر حيث يظهر منها كفاية الاستيعاب العرفي ولكن بالنسبة للقاصد، أو لا أقل الناوي للتوجه إلى منى، وإن كان تخصيص الحكم بمطلق المعذور احتياطاً حسناً21.

  • 1. وسائل الشيعة: ج10، ص206. دار إحياء التراث العربي – بيروت.
  • 2. a. b. c. d. e. f. g. h. i. j. المصدر نفسه.
  • 3. المصدر نفسه ص207.
  • 4. المصدر نفسه، ص208.
  • 5. a. b. c. موسوعة الإمام الخوئي: ج29، ص388.
  • 6. وسائل الشيعة: ج7، ص….
  • 7. وسائل الشيعة،مصدر سابق ،ج 10 ص 207.
  • 8. المصدر نفسه ،ص 210
  • 9. a. b. المصدر نفسه، ص 206
  • 10. وسائل الشيعة ، ج 10 ص 208.
  • 11. جواهر الكلام ،الشيخ محمد حسن النجفي،ج20 ص 8.
  • 12. وسائل الشيعة: ج10، ص209.
  • 13. المصدر نفسه ص210.
  • 14. المصدر نفسه ص206.
  • 15. موسوعة الإمام الخوئي ،مصدر سابق ،ج29 ص382.
  • 16. a. b. المصدر نفسه
  • 17. جواهر الكلام ،مصدر سابق،ج20 ص 7
  • 18. وسائل الشيعة ،ج 10 ص209
  • 19. الفقه ،السيد الشيرازي ،ج 46 ص 19 ،دار العلوم –بيروت ،الطبعة الثانية 1408هـ
  • 20. جامع أحكام الحج والعمرة ،السيد صادق الشيرازي ،ص269، لجنة سيد الشهداء –الكويت ،الطبعة الأولى 1427هـ
  • 21. الدراسة منشورة في مجلة الفقاهة العدد(18)- الشيخ فيصل العوامي – 13 / 6 / 2011م – 11:42 ص
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى