مقالات

آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ

أنيس القلوب وأسير النفوس يدخل الى المسامع من دون استئذان ويطرق زوايا الروح بشغف وخشوع وتخر له الخلائق لعظمة قائله ومُنزله، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور إذا دخل القلب وجلت ثنايا الروح لقدسية الكلام والبلاغة والروعة والمهابة وإذا سمعت آيات الترهيب والتخويف اجلالاً لعظمة الله سبحانه وتعالى فإن القلوب يغشاها الخوف ويسكنها الرجاء وعظيم مغفرة الله هو الكتاب الذي تقشعر الجلود لبيانه، حين سمعته الجن قالت: }فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ| (الجن 1-2) فلذلك عندما نزل القرآن الكريم على سيد المرسلين أبي القاسم محمد(ص) ادّعوا بأنهُ شاعر لبلاغة القرآن وكانت معجزتهُ هي البلاغة التي كان يعجز أي أحد أن يأتي  بمثلها فلذلك حبطت جميع القدرات أمام كتاب الله العزيز إذ إن القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، ولا تُحد وجوه إعجازه، لذا فقد طفق العلماء قديماً وحديثاً ينظرون في أسرار القرآن العظيم، وفي ذكر وجوه إعجازه، والإشارة إليها، والإشادة بها، فذكروا كثيراً من وجوه إعجازه بل لا بد أن نعلم علم اليقين أن القرآن وإعجازه لا يقف عند حد معين  فعلى الرغم من كثرة ما كُتب عن الإعجاز القرآني في القديم والحديث على السواء  فإنه ما يزال قطرة من بحر ما ينبغي أن يُكتب للكشف عن هذه الجوانب التي كلما أمعن الباحثون النظر فيه وأخلصوا النية له وامتلكوا وسائل البحث الجاد من علم بالتراث وفقه في اللغة وبصر بالأساليب وذوق أدبي مرهف صقلته القراءة الواعية المتنوعة، تكشّف لهم عن عطاء سخي لا ينفد ومعانٍ جديدة تُؤكّد إعجازه، وأكّد ربُّ العزة عجز الانس والجن معا عن الاتيان بمثل هذا القرآن }قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا|(الاسراء 88 )وسيبقى القرآن الكريم كتاباً مفتوحاً، ونبعاً فياضاً يفيض بالأسرار والأمور العِظام التي تشير إلى عظمة هذا الكتاب وإعجازه فعندما تحد رب العزة القوم الجاهلين أن يأتوا بحديث مثله :

}فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ| (الطور 34)، فعجزوا لأن الفصاحة ليست وحدها الاعجاز القرآني هناك العلم بتفاصيل الماضي الغائب عن معرفة العرب فضلاً عن غيرهم وحديثة عن تفاصيل الحاضر وحل معضلاته فضلاً عن عبوره للمستقبل القريب والبعيد وتحقق الكثير من بيانات القرآن بعد زمن بعيد عن الإخبار عنها يبقى القول في أن من إعجاز الفصاحة القرآنية أنه يجمع بين العمق والبساطة في الوقت نفسه بحيث يمكن لمن يريد الهداية يجدها في بساطة اسلوبه، مع أن الآية نفسها يجد فيها العالم المتمكن ابعادا للتعمق والاجتهاد.

فإنه كتاب الله المتجدد الذي يعطي كل يوم عبرة ودرسًا ومازال نهرًا عميقًا تتلى آياته بعجب ويغرف منه من يريد النجاة ما ألطفهُ فهو فيضٌ متدفق وصلاح للأمة وما أعذبه على النفس وكم ترتاح لقراءته العيون وتطرب لسماعه الآذان كيف لا وهو يُخرج لآلئ الكلم وحلو المنطق  وعذب الحروف وعسل النغم.

إن هذا الكتاب قد حوى علماً لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ولكن الهمم تقاصرت في النيل والاستزادة من أحكامه وفوائده  كيف لا والحق سبحانه يقول : }وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ|(النحل -89) .

فهو دواءٌ لكل داء غنى بالمعرفة ومقنع حد الإشباع وهو النور والشفاء لما في الصدور والوقاء الدافع لكل شر والرحمة للعالمين وفقنا الله لإدراك معانيه وأوقفنا عند أوامره مطيعين.

فهذا كلام الله تراه العيون كالبدر من حيثُ التفت رأيته يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا وكالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد وقت شروقها ومغيبها، لكن محاسن أنواره لا يثقفها إلا ذو بصيرة ثاقبة وأطايب ثمره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية ومنافعهُ لا ينالها إلا النفوس النقية فالقرآن الكريم كالجوهرة كلما قلَبت فيه النظر تبين لك لوناً رائقاً وجوهراً فائقاً فهنيئاً لمن تدبر بكتاب ربهُ وقد وعدهُ الله أن فيه الهدى والرحمة والبشرى فلا نتقاصر الهمم عن كنوزه وتقعد عزائمنا عن النيل من جواهره ودرره وياقوته والله إن المغبون كل الغبن من قعد عنه ولم ينهض به شرفاً وعلماً وفهماً وتدبراً، ولكن لا يعقلها إلا العالمون.

فالقرآن الكريم كتاب للأجيال كلها ولابد لكل جيل أن ينهل منه، وأن يقول كلمته فيه وأن يغرف من هذا النهر الفائض بالعلوم والمعرفة ويتدبر الآيات الكريمة فنسأل الله ربنا أن يرزقنا فهماً في كتابه وعملاً بما فيه على منهاج نبي الرحمة وأهل بيته الأطهارعليهم السلام ويجعلنا من المتمسكين به والمتكلمين بقوله والعاملين بهدايته والسائرين على منهجه فهو الهداية والنجاة في الدنيا والاخرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى