مقالات

من سيرة السجاد(ع)…

بسم الله الرحمن الرحيم
و الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف بريّته محمد و آله الطيبين الطاهرين . . و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين . .
و بعد . .
بعد أن استشهد الإمام الحسين صلوات الله عليه مع أهل بيته و أصحابه . . اطمأن الأمويون ـ حينئذٍ ـ فقط . . إلى أن آل علي ( عليهم السلام ) ، قد انتهى أمرهم ، و طويت صفحتهم ، و لن تقوم لهم بعد ـ بزعم الأمويين ـ أية قائمة ، و لن تبرق لهم في الأفق أية بارقة . . بعد ذلك و مع ذلك فقد استمروا في إتباع سياساتهم الرعناء تجاه أهل البيت ( عليهم السلام ) و الأمة . . بهدف تكريس الأمر نهائياً في البيت الأموي ، و لكي يبقى العرش الأموي محتفظاً بوجوده و بتفوّقه . . و لكن قد خاب فألهم ، و طاش سهمهم . . فما كانت سياساتهم تلك إلا وبالاً و دماراً عاد عليهم أنفسهم . . فإننا نستطيع أن نقول : إن سياسات الأمويين تلك تتمثل بالخطوط التالية :
1ـ ملاحقة أهل البيت ( عليهم السلام ) إعلامياً بالافتراء عليهم ، و توجيه مختلف التهم الباطلة إليهم ، و تصويرهم على أنهم هم المعتدون ، و الظالمون الآثمون . . الذين لا يتورعون عن أية عظيمة و لا يمتنعون عن ارتكاب أية جريمة ، و حتى قتل الحسين عليه السلام ، فإنه لم يكن إلا لأنه كان هو الجاني على نفسه ، و الساعي إلى حتفه ، و هو المذنب و المعتدي ، و هم وحدهم الضحية ، و المظلومون معه في هذه القضية . .
و من ذا الذي يستطيع أن يرد على دعايات الأمويين هذه ، أو يظهر الترديد و التشكيك فيها ؟! أو بالأحرى من ذا الذي يستطيع أن يجهر بالحقيقة ، و لو من دون تعرض لدفع دعايات الأمويين و دحض افتراءاتهم و أكاذيبهم ؟!
2 ـ سياسة التجويع و الحرمان لأهل البيت ( عليهم السلام ) و شيعتهم ، و حرمانهم من كل الامتيازات و مصادرة أموالهم ، و حتى هدم بيوتهم ، حتى لا يجدوا اللقمة ـ لقمة العيش ـ إلا على موائد الأمويين ، و من لف لفهم ، و دار في فلكهم . . و إجبارهم ـ و خصوصاً شخصيات آل علي ـ على التوجه إلى الحكام في وفادات منتظمة ، لاستجداء لقمة العيش . . و لحفظ كراماتهم و دمائهم ، حتى لا يعتبرهم الحكم في موقف المعارضة ، فيستحل كل تصرف ضدهم ، مهما كان قاسياً و شرساً و عنيفاً . . حتى إذا تأخرت أحياناً وفادة بعضهم عليهم تجدهم هم أنفسهم يطالبون بذلك و يتساءلون عنه و عن سببه و سره . . إن لم يبادروا إلى استقدامهم بشكل مباشر و صريح . . و بذلك يكونون قد شغلوا تلك الشخصيات بالبحث عن لقمة العيش ، و صرفوا همتهم إلى هذا المجال . . بالإضافة إلى أنهم يستفيدون من ذلك سياسياً و إعلامياً كما هو واضح .
3 ـ ثم هناك سياسة الاضطهاد و الملاحقة المرة و الشرسة لكل من يتصل بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، أو يظهر منه الميل إليهم . . الملاحقة التي لا تنتهي إلا بالتصفيات الجسدية و النفسية ، أو بما لا يقل سوءاً و فظاعة و بشاعة عن ذلك . . و يستفيدون بذلك أمرين :
الأول : الحرب النفسية لآل علي أنفسهم ، و محاولة جعل اليأس يتطرق إلى نفوسهم ، فلا يفكرون بعد بأية حركة ، و لا بالوقوف أي موقف يتعارض مع مصلحة الهيئة الحاكمة . .
الثاني : منع الناس من الاقتراب منهم ، و الاستفادة من تعاليمهم ، و التخلق بأخلاقهم ، و التعرف على الإسلام الصحيح الذي عندهم . . فإن الناس إذا علموا أن الاقتراب من آل علي لا يعني إلا الدمار و الشقاء لهم ، و لكل من يلوذ بهم ، فإنهم سوف يجنبون أنفسهم ذلك . . و يؤثرون السلامة و الراحة ـ كما هو طبع كل إنسان ـ على التعب و العناء ، إن لم يكن الدماء و الفناء . . و على هذا الأساس ، و من هذا المنطلق كان إصرارهم على لعن سيد الأوصياء أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام على المنابر ـ بل كانوا يعتبرون كما يقول مروان ـ على ما يظهر ـ إن بذلك استقامة ملكهم ، و بقاء سلطانهم . . فإن لعنه ـ و العياذ بالله ـ إنما يعني :
ألف : خوف من يعرف الحقيقة من الاتصال بأهل بيت علي ( عليه السلام ) و شيعته ، و حرمانه من ثم من الاستفادة من تعاليمهم ، و التخلق بأخلاقهم ، و السير على منهاجهم ، الذي هو منهاج الإسلام الصحيح كما قلنا . . فإسلام علي عليه السلام ، لم تطلع عليه الأمة ، ولم تعرفه كما يجب ، و إنما عرفت الإسلام الأموي إسلام المصالح و الأهواء ، الإسلام الذي يستحل السلب و النهب ، و قتل النفوس البريئة ، و فعل كل عظيمة ، و ارتكاب كل جريمة في سبيل الملك و السلطان ، و في سبيل المال . . و اللذة . .
و أما من لا يعرف الحقيقة ـ و هؤلاء من الأغلبية الساحقة ـ كما سنرى فلسوف يصدق بأن هذه الشخصية و من يمت إليها بصلة أو رابطة شخصية منحرفة حقاً ، و ليس من المناسب ، و لا من الصالح الديني ، و لا الدنيوي الاتصال بها و بمن يمت أليها بصلة . . حتى ليتجرأ معاوية على القول لأهل الشام : إن علياً (عليه السلام) لم يكن يصلي 1 ـ و العياذ بالله ـ و حتى إن عشرة من قواد أهل الشام و أمرائهم ، إلى قيام الدولة العباسية ما كانوا يعرفون أن للنبي ( صلى الله عليه و آله ) قرابة سوى بني أمية ، و قد حلفوا على ذلك لأبي العباس السفاح بأغلظ الإيمان 2 . و غير ذلك من الشواهد الكثيرة جداً في التاريخ الإسلامي ، في عهد الأمويين و بعده . .
باء : و شيعة علي و أهل بيته أيضاً يرون أنفسهم غير مقبولين اجتماعياً ، و لا يمكنهم ممارسة أي نشاط مهما كان ، فتخمد جذوة الثورة في نفوسهم ، و ينصرفون عن التخطيط لأي عمل يضر بصالح الهيئة الحاكمة . .
جيم : كما أن الأمويين يكونون قد أخذوا بثارات بدر و غيرها ، و كذلك الجمل و صفين ، و شفوا غيظ قلوبهم من علي ( عليه السلام ) ، هذا الذي كان القضاء النازل عليهم ، و البلاء المبرم ، الذي لم يجدوا منه مناصاً و لا عنه محيداً . .
4ـ سياسة التجهيل : التي كانت تتعرض لها الأمة بأسرها ، و يكفي أن نذكر : أن الناس و الهاشميين بالذات كانوا في زمن السجاد عليه السلام ، لا يعرفون كيف يصلون ، و لا كيف يحجون 3 .
و إذا كانت الصلاة ، التي هي الركن الأعظم في الإسلام ، و يؤديها كل مكلف خمس مرات يومياً كان لا يعرف حدودها و أحكامها من هم أقرب الناس إلى مهبط الوحي و التنزيل ، و الذين يفترض فيهم أن يكونوا أعرف من كل أحد بالشريعة ، و أحكام الدين ، فكيف تكون حالة غيرهم من أبناء الأمة ، و ما هو مقدار معرفتهم بالشريعة و الدين إذن ؟ و ما هو مدى معرفة الأمة و بالأخص من هم أبعد عن مصدر العلم و المعرفة بالأحكام الأخرى التي يكون التعرض لها و الابتلاء بها أقل ؟! إننا نترك الجواب عن ذلك إلى أنس بن مالك الذي يقول ـ على ما رواه البخاري و الترمذي ـ ما أعرف شيئاً مما كان على عهد رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) . قيل : الصلاة ؟
قال : أليس صنعتم ما صنعتم فيها 4 و قال الزهري : دخلنا على أنس بن مالك بدمشق ـ و هو وحده ـ يبكي قلت : ما يبكيك ؟ قال : لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة ، و قد ضيعت 5 . .
و بعد عصر أنس بقليل نجد الحسن البصري يقول : لو خرج عليكم أصحاب رسول الله( صلى الله عليه و آله ) ما عرفوا منكم إلا قبلتكم 6 . و روى مالك في الموطأ عن عمه عن جده مالك أنه قال : ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس إلا النداء للصلاة 7 . . فنقل السيوطي في شرحه عن الباجي قوله ” : يريد الصحابة ، و أن الأذان باقٍ على ما كان عليه ، لم يدخله تغيير و لا تبديل بخلاف الصلاة ، فقد أخرت عن أوقاتها ، و سائر الأفعال دخلها التغيير انتهى 8 .
و عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خلوا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم و لا يعرفان شيئاً مما كانا عليه 9 .
و بعد هذا . . فإن من الطبيعي أن يعتبر من حفظ عن رسول الله صلى الله عليه و آله بعض الأحاديث ـ أربعين حديثاً مثلاً ، أو عرف بعض الأحكام ـ إن من الطبيعي أن يعتبر أنه أعلم الناس و أعظمهم في وقته و عصره ، و لا سيما إذا أضاف إلى ذلك و زاد عليه ما شاءت له قريحته ، و سمحت به نفسه ، حيث لا رقيب عليه و لا حسيب ، و لا من يستطيع أن يميز هذا عن ذاك . . و لذلك نجد أن سوق الكذابين و الوضّاعين ـ و حتى بعض من أسلم من أهل الكتاب نجد أن سوقهم قد راج ، و صاروا هم أهل العلم و المعرفة و الثقافة للأمة حينما انضووا تحت لواء الحكام و أبعد أهل البيت ( عليهم السلام ) عن الساحة و أجبروهم على التخلي عنها ، حتى لنجد أن السجاد عليه السلام يقول في دعائه الخاص بيوم الجمعة و عرفه 10 :
“اللهم إن هذا المقام لخلفائك و أصفيائك ، و مواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها . . حتى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلاً وكتابك منبوذاً و فرائضك محرفة عن جهات أشراعك ، و سنن نبيك متروكة الخ 11 . . ” .
بل نجد السجاد ( عليه السلام ) أيضاً يقول للقاسم :
” إياك أن تشد راحلة ترحلها هنا لطلب العلم ، حتى يمضي لكم بعد موتي سبع حجج ” 12 .
و كان السجاد عليه السلام إذا سافر صلى ركعتين ثم ركب راحلته ، و بقي مواليه يتنفلون ، فيقف ينتظرهم و لا يمنعهم من ذلك مع أن النوافل في السفر غير مشروعة . . بل نجد أن علياً قبل ذلك يشكو من عدم تمكنه من إظهار علمه ونشره ، فهو يتلهف ويقول : إن في صدري هذا لعلماً جماً علمنيه رسول الله لو أجد حفظة . . كما أن الباقر عليه السلام يقول ما يقرب من هذا . .
و علي عليه السلام أيضاً يتنفس الصعداء على المنبر و يقول :
” سلوني قبل أن تفقدوني فإن بين الجوانح مني علماً جماً هاه هاه ألا لا أجد من يحمله ” . .
و قال عليه السلام :
” لو أجد ثلاثة رهط استودعهم العلم ، و هم أهل لذلك لحدثت بما لا يحتاج فيه إلى نظر في حلال و لا حرام ، و ما يكون إلى يوم القيامة ” .
و كذلك هو يقول :
“إنه لو حدثهم ببعض ما يعلم من الحق في الكتاب الذي نزل به جبرئيل على محمد لتفرقوا عنه حتى يبقى في عصابة حق قليلة ” 13 . .
فإذا كان هذا هو حال الأمة في زمن علي عليه السلام . . ولم يكن الأمويون بعد قد تسلطوا على الأمة بشكل فعال ، فكيف كان حال الناس بعده . . في زمن معاوية و زمن يزيد ، الذي أخذ مسرف بن عقبة البيعة من أهل المدينة على أنهم خول له ، و الذي قتل الحسين ( عليه السلام ) ، و نصب المنجنيق على الكعبة ثم بعده عبد الملك بن مروان و الحجاج و غيرهم من جبابرة و ملوك بني مروان ؟! . .
نعم . . لقد صار أولئك الوضاعون و الكذابون و أصحاب المصالح ، و حتى مسلمة أهل الكتاب هم مصدر الثقافة و المعرفة ، و هم معلموا الأمة ، و هداتها .
و قد ساعد الحكام على ذلك . . و وفروا لهم الحماية الكافية ، و المال ، و ساعدوهم في كل ما يريدون و يشتهون ، و ذلك لأمور :
الأول : إن هؤلاء كانوا يخدمون العرش الأموي بشكل فعال ، و يؤيدونه بمختلف المختلقات و الافتراءات ، على شكل روايات تتخذ صفة القداسة في نفوس الناس ، و تترسخ في وجدانهم ، لأنها منسوبة إلى نبي الأمة الأعظم ، صلى الله عليه و آله و سلم .
الثاني : إنهم قد وجدوا فيهم ما يقدمونه للناس على أنه البديل عن أهل البيت عليهم السلام . . فلا يعيش الناس في الفراغ النفسي و العقائدي و التشريعي الذي سوف يتركه إبعاد أهل البيت ( عليهم السلام ) عن المجال العملي العام . .
الثالث : و هو الأهم : إن السياسة الأموية كانت قائمة أساساً على إبعاد الناس عن الإسلام الصحيح ، و حتى على القضاء على الشخصية النبوية في نفوس الناس قضاءً مبرماً و نهائياً . . هذه الشخصية التي سوف لن يكون تعرف الأمة عليها على حقيقتها في صالح العرش الأموي على الإطلاق . .
و لذلك نجد أنه كانت ثمة رقابة كاملة على سنة النبي ( صلى الله عليه و آله ) و سيرته ، و حتى على سيرة أصحابه و لا سيما الأنصار منهم كما يظهر من كتاب الموفقيات للزبير بن بكار ، و على سيرة علي عليه السلام و أهل البيت ( عليهم السلام ) و سلوكهم و مفاهيمهم و تعاليمهم بشكل أخص . . و محاولة التعتيم عليها أو التشكيك فيها ، و حتى قلبها رأساً على عقب إن أمكن ذلك . . و قد أشرنا إلى ذلك بشيء من التفضيل في مقال سابق فلا نعيد . .
و قد ساعدهم على ذلك سياستهم الخاصة تجاه صحابة النبي ( صلى الله عليه و آله ) ، و تجاه حديث النبي . . و التي كانت تقضي بالمنع عن التحديث عنه ( صلى الله عليه و آله ) إلا بنوع خاص من الأحاديث و بمنع كبار الصحابة من السفر إلى البلاد لتثقيف الناس . . حتى مات هؤلاء الصحابة و انقرضوا أو كادوا ، ولم يبق إلا بعض الصغار منهم ، و الذين لم يعرفوا الكثير منه ( صلى الله عليه و آله ) ولم يعايشوه بالشكل الواعي و الكافي . . بل إنك لتجد أن بعض كبارهم كان يعاشره البعض سنة فلا يسمعه يقول قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) ، و كان يجعل هذا من ميزاته و حسناته و يفوز بكثير من المدح و الثناء عليه 14 .
كانت تلك لمحة خاطفة عن الوضع الذي كانت تعيش فيه الأمة في زمن السجاد عليه السلام . . و كانت تلك بعض الخيوط السياسية للحكم الأموي آنذاك . .
و في هذا الجو بالذات كان على الإمام السجاد عليه السلام أن يقوم بمهمة إمامة الأمة و هدايتها إلى الإسلام ، الإسلام الصحيح ، إسلام محمد ( صلى الله عليه و آله ) و علي ( عليه السلام ) . . إسلام القرآن . . و لقد كانت مهمته هذه في غاية الصعوبة و الخطورة . .
فقد عرفنا موقف الحكم الأموي منه ، و من أبيه و جده ، و عمه ، و من أهل بيته و شيعته ، و كل من يلوذ بهم بسبب أو نسب . .
و إذا أضفنا إلى ذلك : أن الإمام الحسين عليه السلام كان أعظم شخصية في الأمة الإسلامية ، ولم تنس الأمة بعد ما سمعته من النبي صلى الله عليه و آله سلم في حقه . . مع ما عرفته فيه طيلة سبعة و خمسين عاماً من السلوك المثالي ، و الاستقامة على الحق ، و العلم و الوعي الذي لا يقاس و لا يضاهى ، و غير ذلك من الصفات الفضلى ، و السجايا النبيلة . . ولم يكن لولده السجاد زين العابدين عليه السلام ـ الذي لم يكن عمره يزيد على ثلاثة و عشرين عاماً ـ هذه المكانة التي كانت لأبيه الحسين ( عليه السلام ) ، و لا كان معروفاً لدى الأمة على نطاق واسع ، و لا اشتهر عنه بد ما كان قد اشتهر و شاع عن أبيه صلوات الله و سلامه عليه .
و حينما استشهد الحسين عليه السلام مع أهل بيته و أصحابه اعتبر الأمويون و الناس : أن أهل البيت ( عليهم السلام ) قد انتهى أمرهم ، و أفل نجمهم . . فلا الأمويون يخافونهم ، و لا غير الأمويين يرجونهم . . هذا عدا عن عدم جرأة أحد على الاتصال بهم ، و عدا عن الجهل المطبق بالإسلام ، فكانت الردة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) و الابتعاد عنهم عامة و شاملة . . و حتى ليقول الصادق عليهم السلام : ارتد الناس بعد قتل الحسين إلا ثلاثة : أبو خالد الكابلي و يحيى بن أم الطويل و جبير بن مطعم ( لعل الصحيح : حكيم بن جبير ) ثم إن الناس لحقوا و كثروا 15 .
و إذن . . فلابد للسجاد عليه السلام أن يبدأ العمل من نقطة الصفر تقريباً ، و لا سيما عقائدياً ، و يعيد الإسلام من جديد و يوجه الناس نحو تعاليمه و أحكامه . . و يعيد للناس عقيدتهم التي كانت قد تعرضت للكثير من التحريف ، و أن يعيد لهم ثقتهم بأهل بيت نبيهم ( صلى الله عليه و آله ) . .
و الخلاصة : أن يبدأ تماماً كما بدأ النبي ( صلى الله عليه و آله ) فيما سبق من نقطة الصفر .
و السجاد عليه السلام هو خليفة ذلك النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم .
و لابد له أيضاً . . من الحفاظ على العلويين ، و كل من يتشيع لهم . .
و لابد له بالإضافة إلى ذلك : من أن يكسر ذلك الطوق الحديدي الذي ضربه الحكم حولهم لاحتواء كل تصرفاتهم و نشاطاتهم . .
و لابد له كذلك . . من إعادة ثقة الأمة بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، و توجيهها نحوهم و اعتبارهم المصدر الأصفى لتعاليم الإسلام ، الإسلام القرآني الصحيح . و مصدر كل المعارف و العلوم النافعة و الأفكار الراقية ، و الأخلاق الفاضلة الكريمة . .
و لقد نجح عليه السلام في كل ذلك أيما نجاح ، رغم قسوة الظروف و رغم الأخطار الجسيمة التي كان يواجهها ، حيث لم يكن أية حماية أو رعاية من أي جهة كانت ، و من أي نوع كانت . . نعم لقد نجح في ذلك نجاحاً باهراً ، حتى إنه عندما خرج ولد زيد على الحكم الأموي بايعه الآلاف الكثيرة و إن كانوا قد تركوه ولم يثبتوا معه . . ثم توالت الثورات الشعبية العارمة واحدة بعد الأخرى ، و أغلبها كان بدوافع دينية ، و شعور مذهبي . .
و يكفي أن نذكر أن من نتائج جهوده عليه السلام ـ بالإضافة إلى كل ما سبق ـ : أن هيأ الجو على النحو الأكمل و الأفضل لمدرسة الإمامين بعده : الباقر و الصادق صلوات الله عليهما و على آبائهما و أبنائهما الطاهرين .
و أما عن أسلوب عمله و جهات جهاده و نضاله . . فإننا لا نستطيع في هذه العجالة . . أن نلم بكل جوانبها و مجالاتها ، فضلاً عن دقائقها و تفصيلاتها و لذلك فنحن نكتفي بالإشارة إلى الأمرين التاليين :
الأول : إنه بالإضافة إلى أنه كان يوجه الأمة من خلال سلوكه و تصرفاته و مواقفه . . فإنه كان أيضاً يوجه الأمة من خلال أدعيته ، التي كان يضمنها مختلف المعارف الإسلامية : عقائدياً ـ و هو الأهم ـ و سياسياً و أخلاقياً و غير ذلك . . ولم يكن بإمكان أحد أن يعترض عليه و يقول له : لا تدع ربك . . فإن ذلك سوف يكون مستهجناً و مرفوضاً من كل أحد . . حيث يرونه ـ بحسب الظاهر ـ لا يتعرض لدنيا هؤلاء الحكام ، و إنما شغل نفسه بعبادة ربه ، و تصفية و تزكية نفسه . .
و يظهر أن الحكام أنفسهم أيضاً قد اطمأنوا إلى أنه عليه السلام ليس في صدد التخطيط و العمل ضدهم ، و لا يفكر في الخروج عليهم ، فراق لهم انصرافه عن دنياهم . بل لقد أصبح له عندهم مكانة عظمة و احتراماً خاصاً لم يكن لأحد من أهل البيت قبله ، و لا كان لأحد منهم بعده . . و لذلك تجد الثناء العاطر ينهال عليه من كل جانب و مكان من قبل من ترضى عنهم الهيئة الحاكمة ، و تعتبرهم من أعوانها .
و لقد فاتهم : أنه كان في الظاهر يدعو الله ، و لكنه كان في واقع الأمر يدعو إلى الله ، و يوجه نحوه ، و يعرف الناس سبيله ، و يضمن كلامه الكثير من التعاليم الألهية ، و المعارف الدينية التي تهمهم في أمر دينهم و دنياهم . . كما اتضح ذلك جلياً فيما بعد . و أنه كان يقود عملية التغيير الشامل في بنية العقيدة للأم الإسلامية بأسرها .
الثاني : اهتمامه عليه السلام المتميز بشراء الموالي و عتقهم ، حتى ليقول البعض 16 ” و عرف العبدان ذلك فباعوا أنفسهم له ، و اختاروه و تفتلوا من أيدي السادة ليقعوا في يده ، و جعل الدولاب يسير ، و الزمن يمر ، و زين العابدين يهب الحرية في كل عام ، و كل شهر ، و كل يوم ، و عند كل هفوة ، و كل خطأ ، حتى صار في المدينة جيش من الموالي الأحرار ، و الجواري الحرائر ، و كلهم في ولاء زين العابدين ، قد بلغوا خمسين ألفاً أو يزيدون ” .
و يقول أيضاً : ” . . فهو يشتري العبيد لا لحاجة إليهم ، و لكن ليعتقهم ، و قالوا : إنه اعتق مئة ألف . .” 17 .
و دعا عليه السلام مملوكه مرتين فلم يجبه و أجابه في الثالثة ، فقال له : يا بني ، أما سمعت صوتي ؟
قال : بلى .
قال : فما بالك لم تجبني ؟
قال : أمنتك .
قال : الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني 18 .
و كان عليه السلام لا يضرب مملوكاً ، بل يكتب ذنبه عنده ، حتى إذا كان آخر شهر رمضان جمعهم و قررهم بذنوبهم ، و طلب منهم أن يستغفروا له الله كما غفر لهم ، ثم يعتقهم ، و يجيزهم بجوائز ، و ما استخدم خادماً فوق حول . .
و قال السيد الأمين : ” . . و لقد كان يشتري السودان و ما به إليهم من حاجة يأتي بهم عرفات ، فيسد بهم تلك الفرج ، فإذا أفاض أمر بعتق رقابهم ، و جوائز لهم من المال . . ” 19 .
و نحن نلاحظ هنا الأمور التالية :
أولاً : إنه يخاطب مماليكه بـ ( يا بني ) ، و كان يهدف إلى إعطاء النظرة الصحيحة للإسلام تجاه المماليك ، و أنه يعتبرهم بمنزلة الأخوة و الأبناء . . و إن الإسلام الذي يفرض على الإمام السجاد عليه السلام أن يعامل مماليكه معاملة يأمنوه معها يختلف عن ذلك الإسلام الذي يدعيه الآخرون الذين يعتبرون الموالي أحقر و أذل من الحيوان .
و ثانياً : إن كتابة إساءاتهم ، ثم محاسبتهم عليها ، و عتقهم حينه إنما يهدف إلى تنبيههم إلى أخطائهم ، و ترسيخ ذلك في نفوسهم ، و لاسيما حينما تطرح كقضية حاسمة في أسعد لحظات حياتهم : اللحظات التي ينالون فيها حريتهم ، التي هي في الحقيقة هوية وجودهم . .
فهم إذن قد نالوا أعز ما في الوجود من غير استحقاق . . و في هذا ضغط نفسي من نوع معين ، ليحاولوا الارتفاع بأنفسهم إلى درجة الاستحقاق و الجدارة ، و يبعث في نفوسهم روح العمل الجاد في سبيل التكامل في الفضائل الإنسانية ، و الالتزام بالتعاليم الأخلاقية الإسلامية .
و ثالثاً : إن ذلك يجعل له ـ بشكل طبيعي ـ مكانة خاصة في نفوسهم و النظر إليه نظرة خاصة فيها كل الاحترام و التقدير ، و اعتباره نوعية أخرى ، تختلف عما يعرفون و يعهدون ، و هذا يؤهلهم في المستقبل إلى الاستماع إلى تعاليمه ، و احترام آرائه التي هي تعاليم و آراء الإسلام ، ثم السير على منهاجه و إتباع سلوكه . .
و رابعاً : و أما إعطاؤهم المال في هذا الظرف بالذات . . فبالإضافة إلى أنهم يكونون عادة في أمس الحاجة إليه في هذا الظرف بالذات ، حيث لا يملكون فيه من حطام الدنيا شيئاً . . و يمنعهم بذلك من إتباع الأساليب الملتوية من أجل الحصول علي لقمة العيش . . فبالإضافة إلى ذلك هو يؤكد على إنسانية تعاليم الإسلام ، و إنه يعيش قضية الإنسان ، و يتفاعل معها ، و يهتم اهتماماً حقيقياً بحلها . . و لا يتاجر بآمال الناس و آلامهم و بكراماتهم كما هو شأن غيره ممن لم يعد أمرهم خافياً على أحد .
و خامساً : لقد كان من نتيجة هذه السياسة التي لا نجدها بهذا الشمول و السعة لدى غيره من الأئمة حتى علي عليه السلام . . لقد كان من نتيجة ذلك أن صار الموالي يعتبرون أهل البيت عليهم السلام هم المثل الأعلى للإنسان و للإسلام ، و كانوا مستعدين للوقوف إلى جانبهم في مختلف الظروف ، و لا نعدم بعض الشواهد التي تظهر أن الموالي كانوا ينتصرون للعلويين إذا رأوهم تعرضوا لظلم أو لبغي من قبل السلطات . كما يظهر لمن راجع كتاب عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب لابن عنبة ، و غيره . .
و سادساً : و أخيراً : إن ذلك كان إدانة لمنطق الأمويين القائم على أساس تفضيل العربي و إعطائه كل الامتيازات ، و حرمان غيره منها بكل صورة ، و اعتباره أذل و أحقر من الحيوان حتى كان يقال : لا يقطع الصلاة إلا كلب أو حمار أو مولى ، و منعوهم من الإرث كما في موطأ مالك ، و من العطاء و من القضاء ، و من الولاية و إمامة الجماعة ، و من الوقوف في الصف الأول منها ، و اعتبر غير العربي ليس كفؤاً للعربية ، و أباحوا استرقاقهم ، و لا يسترق غيرهم . . إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه و استقصائه .
و إذا لاحظنا أن العرب قبل الإسلام لم يكن لهم شأن يذكر ، و لا كان لهم حكم و لا سلطان ، و إنما كان الحكام هم غيرهم . . فإن من الطبيعي أن ترضي هذه السياسة غرور العربي ، الذي أصبح يرى نفسه حاكماً على ملك الأكاسرة و غيرهم ، و ذلك ربما كان يزيده عنفاً و غلواً في معاملته القاسية لغير العرب . .
و من الجهة الأخرى . . فإن من الطبيعي أن يحس غير العرب بالغبن و بالمظلومية و عدم حفظ حقوقهم . . فكان هذا سبباً لتعاطفهم مع الدعوة العباسية التي تسببت في الإطاحة بالعرش الأموي . . و على الأخص حينما رأى غير العرب أنه لم ينصفهم و يعاملهم معاملة عادلة و حسنة إلا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ثم جاء السجاد ( عليه السلام ) و غيرهم من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ليعلن رفض الإسلام لمنطق الأمويين هذا القائم على أساس التمييز العنصري البغيض ، و أن هذا لا يمثل رأي الإسلام الصحيح ، و لا ينسجم مع منطلقاته في التعامل و التفضيل القائم على أساس العمل فقط : ﴿ … إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ … ﴾ 20 و : ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ 21 .
فكان كل ذلك . . قد هيأ الأجواء لتعاطف غير العرب مع الدعوة ضد الأمويين ، كما أنه في نفس الوقت قد خفف من غلوائهم وحقدهم . . و لهذا فإننا لا نجد تطرفاً كثيراً في معاملة غير العرب للعرب حينما حكموهم في الدولة العباسية في فترات متعددة . . و إن كان للظروف الخاصة الأخرى أثر كبير أيضاً في هذا المجال . .
و هكذا . . فإن علي بن الحسين ( قد قام بمهمة شاقة جداً و خطيرة جداً ، مهمة بعث الإسلام في الأمة من جديد في حين أنه لم يكن يعترف بإمامته في وقت ما غير ثلاثة أشخاص و هيأ الظروف و الأجواء و أعاد العلاقات و الروابط و الصلات بين أهل البيت ( عليهم السلام ) و بين الأمة رغم جهد الحكام المستمر و المستميت لقطعها ، و القضاء عليها .
نعم . . لقد قلب كل الموازين رأساً على عقب كما أوضحناه بأسلوبه الحكيم ، و الهادئ الرصين . . صلوات الله عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين .
و يلاحظ : أنه قد فعل كل ذلك و نجح فيه أعظم النجاح ، بصورة متميزة و فريدة ، قد خفيت على الحكم ، و على كل أجهزته بصورة تامة و لعل ذلك هو ما يفسر لنا ما نجده مع اهتمامهم بإبراز عظمته عليه السلام ، و سعة علمه و فضله حتى من قبل المتعاطفين مع الحكم و الممالئين له ، حتى ليقول يحيى بن سعيد و الزهري : ” ما رأيت قرشياً قط أفضل من علي بن الحسين ” 22 .
و الحمد لله رب العالمين .

  • 1. تاريخ الطبري : 4 /30 و الكامل لابن الأثير : 3 / 313 و الفتوح لابن الأعثم : 3 / 196 و صفين لنصر بن مزاحم : 354 و شرح النهج للمعتزلي : 8 / 36 و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي : 2 / 184 و نقله المحمودي عن تاريخ دمشق لابن عساكر : 38 رقم 1139 و ترجمة الإمام علي لابن عساكر بتحقيق المحمودي : 3 / 99 و الغدير : 10 / 122 و 290 عن بعض من تقدم . .
  • 2. راجع : الحياة السياسية للإمام الرضا( عليه السلام ) للمؤلف : 54 .
  • 3. راجع : كشف القناع عن حجية الإجماع : 67 .
  • 4. ضحى الإسلام : 1 / 386 و راجع : الصحيح من سيرة النبي( صلى الله عليه و آله ) للمؤلف : 1 / 28 .
  • 5. جامع بيان العلم : 2 / 244 و راجع : الصحيح من سيرة النبي( صلى الله عليه و آله ) للمؤلف : 1 / 28 حول مصادر أخرى .
  • 6. جامع بيان العلم : 2 / 244 ـ 245 .
  • 7. الموطأ ( المطبوع مع تنوير الحوالك ) : 1 / 93 و جامع بيان العلم : 2 / 244 .
  • 8. شرح الموطأ للزرقاني : 1 / 221 و تنوير الحوالك : 1 / 93 ـ 94 عن الباجي .
  • 9. الزهد و الرقائق لابن المبارك : 61 .
  • 10. الصحيفة السجادية ، دعاء رقم 48 .
  • 11. راجع : الصحيح من سيرة النبي( صلى الله عليه و آله ) : التمهيد .
  • 12. كشف القناع عن حجية الإجماع : 66 .
  • 13. راجع المصدر السابق : 66 ـ 69 .
  • 14. راجع : الصحيح من سيرة النبي( صلى الله عليه و آله ) ( التمهيد ) و الحياة السياسية للإمام الحسن( عليه السلام ) الفصل الثاني كلاهما للمؤلف .
  • 15. راجع : رجال الكشي : 123 و 115 و غيره .
  • 16. زين العابدين : 47 ، لعبد العزيز سيد الأهل .
  • 17. المصدر السابق : 7 .
  • 18. كشف الغمة : 2 / 299 .
  • 19. أعيان الشيعة : 4 / 468 .
  • 20. القران الكريم : سورة الحجرات ( 49 ) ، الآية : 13 ، الصفحة : 517 .
  • 21. القران الكريم : سورة الزلزلة ( 99 ) ، الآية : 7 و 8 ، الصفحة : 599 .
  • 22. أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي : 3 / 146 و 207 .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى