مقالات

ليلة القدر…

تبلغ دقائق ولحظات ونفحات ليلة القدر المباركة قمّة العظمة والجلال، ونحن قد تعوّدنا الحديث عنها بما يربطنا بحظيرة القدس المباركة من خلال حمده وتسبيحه والشكر له والثناء عليه وتهليله وتكبيره جل وعلا، ومن ثمّ الخضوع والتبتّل والخشوع والتوسّل والطلب ممّا نطمع في عطائه ورحمته ورزقه وممّا لا ينتهي من النعم والخيرات.

ويظلّ هذا الطمع مادام سبحانه غنيّاً حميداً وعظيماً قديراً ، وهو إلى الأبد كذلك ، فنبقى نتوسّل إليه بوسائله المتمثّلة في أنبيائه ورسله ، وبعميدهم وخاتمهم وسيّدهم محمد صلى الله عليه وآله الأئمة الهداة الميامين عليهم السلام ، فهم الوسيلة وبهم الشفاعة ، وهذا هو حقّ هذه الليلة المباركة وحدودها في الحديث وما يلهج به اللسان .

الساعات المباركة تحدد مصير الإنسان

وقد يعجز الإنسان عشرين أو خمسين أو سبعين أو مائة عام أو أقلّ من ذلك أو أكثر ، ولكنّ ساعة أو ربّما دقائق ولحظات في حياته قد تحدّد مصيره . نعم ؛ إنّها ساعة واحدة قد تهديك إلى سبيل الجنّة والمغفرة والرضوان ، وقد تسوقك ـ والعياذ بالله ـ إلى العذاب النار . فلا ريب أن مثل هذه الساعات من هذه الليلة الربّانية ، ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر هي الساعات الأكثر قرباً من تلك الساعة .
فإنك حين تعدّ ألف شهر ، وتصبّها في قالب السنين ، تجد أنّ هذه الشهور تساوي بعدّتها ما يقارب اثنين وثمانين عاماً ، فليلة واحدة من هذه الليالي العطرة المباركة بالرحمة والمغفرة تعادل كفّتها في الميزان كفّة العمر كلّه ، بل وتزيد عنه خيراً، كما يقول تعالى: ﴿ … خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ 1 ولست أبالغ إذا قلت إنّ ساعة من هذه الليلة التي تبدأ من غروب الشمس إلى طلوع خيط الفجر إذا ما نظر إليك فيها الربّ الكريم الرؤوف الرحيم من فوق عرشه الذي استوى عليه ، نظرةً ملؤها الرحمة والرأفة ، فسوف تصبح حينئذ أسعد إنسان ، ويحقّ لي أن أغبطك على بلوغ هذه الدرجة ، إذ ستنتقل بوثيقة الرحمة الإلهية من صفّ المطرودين المنبوذين الآيسين من روح الله ورحمته إلى صف أولئك المحصّنين بحصن الله الذي لا حصن أقوى منه.
ففي تلك الساعة تكون قد دخلت عالم رحمة الله الواسعة من الباب الذي فتحه لك سبحانه ودخلت من خلاله في حصنه المنيع .

التفكر خير من العبادة

لقد ورد في الحديث الشريف: ” تفكّر ساعة خير من عبادة سنة ” 2، فأنت قد تعمّر سبعين عاماً تعبد الله فيها ولكن من غير توجّه تام أو تفكّر وتبصّر ، ولكنك حين تعبد الله ساعة لا ينقطع فيها تفكيرك ، وتوجّهك ، واتصال كيانك بالله من خلال شعورك وعقلك وبدنك ، فتلك هي العبادة الحقّة التي ربّما تعادل سنّي عمرك السبعين التي قضيتها في العبادة .
ولا فرصة أعظم وأثمن لبلوغ هذه الساعة من ساعات ليلة القدر ، وهنا أوضح لك دليلاً تهتدي به لنيل ثواب هذه الساعة العظيمة ؛ توضّأ من أول الليل ، ثم اشرع بقراءة سورة القدر ألف مرّة ، ثم قم وصلِّ مائة ركعة ، واقرأ في كلّ واحدة فيها سورة الإخلاص عشر مرات ، وبعد أن تنتهي منها ، عليك بدعاء الجوشن الكبير الذي إن قرأته بوعي ومن صميم الروح والقلب بحيث تذوب في معانيه عند قراءته ، فإني أضمن لك عند الله الدخول في حفظه في الدنيا ، والتحصّن بحصنه في الآخرة .
ثم عليك بعد ذلك بالدعاء لمولانا الإمام المنتظر صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف ، وعندما تفرغ من الدعاء له ، توجّه الى حيث سيّد الشهداء عليه السلام وأنت تعرف مقامه وعظم مصابه ، فليكن توجّهك مساوياً لهذه المعرفة وذلك المقام العظيم ، ولتكن منكراً في قلبك لما علمته من مصابه الأليم .
وكلّ هذه الأعمال إنّما هي مقدّمات ووسائل ، فإن كنت قد أدّيتَ هذه الأعمال بشكل روتيني ومن غير اندماج وتفاعل ، وبلا روح ولا مناعة ولا تفكّر ولا توجّه ، فإنّ حالك سوف لا يختلف عن حال الحجر والصخر ، وهذا هو الواقع!!

الاتصال بين القلب والخالق

ومن أجل كسب ثواب هذه الساعة العظيمة فإنّ المهم في الأمر أن يتمّ الاتصال بين قلبك وبين ربك ، والمهمّ أيضاً أن تزول وتسقط تلك الحواجز والحجب التي تحول بين النفس وبارئها .
فكم من النعم والخيرات والبركات التي أنعم الله بها علينا كما يقول تعالى: ﴿ … وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا … ﴾ 3 لو فقدنا واحدة منها لتحوّلت حياتنا الى ألم وفاقة لا ينقطعان ، وذلك خزي محيط بنا ـ والعياذ بالله ـ .
وتعتبر نعمة البصر من تلك النعم التي لا تحصى ، فانظروا وتأمّلوا كم هي عظيمة ، وكيف أنّ الحياة ستفقد طعمها وقيمتها إن هي فقدت ، وقد قال لي أحد الذين حُرموا من هذه النعمة: لولا انّ الانتحار حرام لفضّلته على هذه الحياة وأنا لا أعرف تعبيراً أبلغ من هذا يظهر قيمة هذه النعمة العظيمة وفضله الكبير ـ سبحانه ـ في منحها لنا . وأنت لو نظرت في ملامح الرجل الضرير وتقاسيم وجهه بدقّة للاحظت فيه آثاراً من الذلّة ، لعلّ أولى علائمها احتياجه لمن يقوده ويهديه .

النكران و قلة الشكر

ومع ذلك كله ؛ ترى عظم نكراننا ، وقلّة شكرنا إن كان هناك شكر ، وقلّة حمدنا إن وفّقنا لهذا الحمد . والأنكى من ذلك جرأتنا على الله تعالى في كثير من أفعالنا وأقوالنا ، والحمد لله حمداً لا ينقطع إذ عاملنا بالفضل ولم يعاملنا بالعدل ، وإلاّ فنحن لا نستحقّ حتى هذا الهواء الذي نتنفّسه .
أفليس الأولى بنا أن ننظر إلى هؤلاء الذين من حولنا من المعوّقين الذين يستشعرون الذلّ والحاجة لمن يعيش معهم ، تُرى ما الذي يجول في خاطر كسيح الرجلين واليدين وهو يرى الناس رجالاً ونساءً وأطفالاً يسيرون بسهولة ، ويأكلون ويشربون ويكتبون ويعملون بأيديهم بدون أي حرج أو حاجة إلى مُعين؟ لو فكّرنا بما يدور في خاطر هذا المعوّق لعرفنا قيمة النعمة العظيمة التي نرفل فيها .
لقد أعطى الله سبحانه الواحد منّا الرجلين ، ولكنّه لم يشكره أو يودّي حق هذا الشكر ، فمن النادر أن نجد من بيننا من يصلّي وهو متوجّه الى ربّه بكامل حواسّه وجوارحه ، فنحن نصلّي ولكننا لا نؤدّي تلك الصلاة الكافية لأداء بعض هذا الشكر .
وبالاضافة إلى ذلك فنحن الآن معافون ، نستطيع التمنّي والعمل والتنزّه ، بينما لنا إخوة في المستشفيات يعانون ما يعانون . فلنقدّر قيمة نعمة العافية التي نحن غافلون عنها .
وينقل في هذا المجال عن أحد الأثرياء الأميريكيين أنّه كان يعاني أمراضاً في المعدة ، يبدو أنه لم يجد لها علاجاً يشفيها ، فحرّم عليه الاطباء أغلب أنواع الطعام ، وقد قيل إنّ هذا الغني المليونير كان ينظر إلى العمّال البسطاء وهم يجلسون للغذاء ويتناولون “السندويتشات” فيقول ليتني كنت مثلهم ، وإنّي لمستعدّ أن أتخلّى عن نصف أموالي شريطة أن أعثر على العلاج الذي يشفيني ويتيح لي أن أتناول هذه السندويتشة .
أمّا نحن ؛ فنجلس إلى المائدة كلّ يوم ونتناول الطعام ثلاث مرّات أو أكثر ، ومع ذلك فإنّنا لا نحسّ بقيمة نعمة العافية ، ونغفل عن عظيم فضلها .

لا مصلحة لله في شكرنا

ولننظر إلى ضخامة وتشعّب الأمور التربويّة والأخلاقية التي أمرنا الله سبحانه أن نلتزم بها وهي في نفعنا نحن ، وليس له سبحانه ـ مصلحة ـ سواء تمسّكنا بها أم لم نتمسّك ، لأنها ستعود علينا بالضرر إن لم نلتزم بها اجتماعياً وربّما اقتصادياً وثقافياً ، وإن التزمنا بها فإن التزامنا هذا سوف لا يضرّه ولا ينفعه .
وحتّى فيما يخصّ العبادة والفرائض العبادية التي أمرنا تعالى بتأديتها ، فانّها هي الأخرى تنعكس علينا نفعاً أو ضرراً في الدنيا والآخرة في حالة التزامنا أو عصياننا ، كما أشار إلى ذلك تعالى في قوله: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ … ﴾ 4 .
فهو سبحانه يأمرنا بالكثير من الالتزامات الأخلاقية كالصدق والوفاء والإخلاص والتضحية والإيثار ، وينهانا عن ما يخالفها من السلبيات ، ولكنّك ترانا نعمل بما يخالف إرادته سبحانه فلا نلتزم بما أمر ، ونفعل الذي ينهانا عنه ، فترانا نكذب ونخون ونسرق ونغتاب ونستأثر ونرتكب ما شاكل ذلك من السلبيّات الأخلاقيّة غافلين عن أنّ كلّ واحدة منها تشكل حجاباً يحجبنا عن رحمة الرحمن ولطفه ، وقد يستمرّ هذا الحجاب يوم القيامة خمسمائة عام كما تؤكّد على ذلك الروايات .

رحمة الله واسعة

لقد وسعت رحمة الله كل شيء . فنحن وإن ارتكبنا من المعاصي والآثام ما ارتكبناه ، وتجمّعت في سماء قلوبنا تلك الغيوم السوداء المدلهمّة ، لكنّه تعالى لم يقطع الأمل منّا في اللجوء إلى جناح رحمته ، ولم يحرمنا من الفرص التي هي واسعة تمرّ ولا يُحْرَم من وافرها إلاّ الشقيّ ، ولا يفوز بها إلاّ ذو حظّ عظيم ، ومن المؤكد أنّ هذه الفرص تقع في هذه الليلة ، ليلة القدر المباركة .
وقد ذكرت الروايات أنّ دمعة واحدة تخرج بصدق من عين تائب صادقاً في توبته ، خاشع منكسر لائذٍ بربّه ، تكفي لتطفئ نيران وحرّ وادٍ من وديان جهنّم ، وما أدراك ما وديانها؟!
فالله سبحانه يحبّ العبد التائب المستغفر المنكسر القلب ، الخاشع ، وهو أيضاً يحبّ المتطهّرين ؛ وغير الآيسين من رحمته: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ 5.
وكثيراً ما نردّد مع أنفسنا ومع الله فنقول : ” استغفر الله ربي وأتوب إليه ” ، ولكنّنا لسنا في مسيرة التوبة ، وفي جهتها الحقيقية ، لأن التوبة الحقيقية إنّما تصدر من صميم قلب الإنسان ووجدانه وتظهر على حركاته وسكناته وأفعاله ، وتظهر على علاقاته مع زملاه ومجتمعه وتعامله مع الناس ، ووفائه بالحقوق وما في ذمّته ، ثم تبرز سماتها على وجهه.

المعنى الحقيقي للتوبة

فللتوبة معنىً عظيم يحمل أبعاداً واسعة لا يمكن أن تفي هذه السطور حقّها في الحديث عنها ، بل تحتاج الى مجلّدات لتفصيلها ، فنحن نؤمن بالتوبة ، وتلهج بها ألسنتنا ، ولكن هل هي التوبة الحقيقية التي يحبّها الله من العبد؟ ، فنحن نقول إنّنا تائبون ، ولكنّنا لو دقّقنا في واقعنا وقلوبنا لوجدنا الكبر والحسد والأنانية مازالت جاثمة علينا ، فلا ندع مجالاً للتوبة لكي تتجسّد عملاً بعد أن أُقرَّت لساناً ، وإنّه لمن الكبر والغفلة أن ترانا نقنع أنفسنا بأنّنا مؤمنون ومستحقّون للجنّة ، ولا ينقصنا من الإيمان شيء ، فنأمن عذاب ناره ، بينما نحن في واقعنا مملوؤون بالخطايا والذنوب والآثام .
والمجرمون حين يعرضون على النار يوم القيامة تتلى عليهم تلك الاسئلة التي يعرض لها القرآن من مثل: ألم تأتكم آياتي ، ألم تأتكم رسلي ، ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم؟ وما شاكل ذلك من أسئلة يذكّرون بها بمهمّات الرسل والبلاغات والإنذارات والتحذيرات وما آلت إليه الأمم الكافرة ، وعندما لا يجدون مفرّاً من الاعتراف فيرمون في تلك النار المستعرة ، وهيهات لهم من الخلاص والخروج إلاّ برحمة من الله ومغفرة .

فرص ثمينة للتوبة

فتلك الساعات التي نحياها في ليلة القدر هي الفرص المتاحة لنا للتوبة النصوح والإنابة إلى الله ، إنها الساعات التي نرجع فيها إلى ربّنا أذلاّء خاضعين خاشعين ، فنطهّر بذلك قلوبنا من الكبر وجنون العظمة بالبكاء والتضرّع والتذلّل والتصاغر والتحاقر لله .
فأنت مؤمن وتعرف أنّ الكبرياء والعظمة إنّما هما لله سبحانه ، فليس لك أن تتكبّر وتصاب بالغرور فتأمن سخط الله ومكره وعذابه ، فاذرف من تلك الدموع ما شئت لتطفئ تلك الوديان ، وديان السعير التي أُجِّجت لعصيانك وكفرك ، وتب الى الله توبة نصوحاً ، واعبده وأحسن عبادته وأكثر منها ، ولا تقل صلّيتُ ما فيه الكفاية ، وقرأت من الدعاء ما يكفي ، فلا تستكثر إيمانك ، فأنت مهما عبدت وصلّيت وأخلصت بقيت محتاجاً وفقيراً في عملك الى الله ، وإنّه لمن بقايا الكبر والغرور أن ترى نفسك قد بلغت درجة عالية من الإيمان ، لأن المسيرة الإيمانية ، مسيرة التقوى ، هي كمسيرة العلم ، فأنت مهما تعلّمت فإنّك تبقى لا تعلم شيئاً ، وهذا المنهج في التقوى علّمنا إيّاه أئمتنا من أهل البيت عليهم السلام في أدعيتهم وتبتّلهم ومناجاتهم .

طول الأمل نوع آخر من الغرور

وقد يصاب الإنسان بنوع من الغرور هو أخطر على مستقبله الإيماني وعاقبته ، ألا وهو الأمل وطول الأمل الذي قيل عنه :
يا من بدنياه أشتغل *** قـد غـرّه طول الأمل
فالموت يأتي بغتة *** والقبـر صنـدوق العمل
فأحدنا قد يؤمّل نفسه قائلاً : لقد فاتتني ليلة القدر لهذا العام ، وسأتوب في السنة القادمة ، أو قد يوفّقني الله لأزور بيته الحرام فأتوب حينئذ هناك ، وربّما يجد في نفسه الذنوب والانحراف عن الجادّة فيتماهل في توبته وقت إحساسه هذا ويقول ؛ أمامي أعوام أخرى سأتوب إلى الله فيها!
وهذه هي الوسوسة التي يحدّث الشيطان بها الإنسان ، ولا أدري متى كان الشيطان يحبّ ويريد التوبة للإنسان وهو عدوّ لدود له ، فالأولى للإنسان المؤمن أن يحذر الشيطان حينما يسوّف له التوبة .
وهناك حقيقة أخرى ذكرتها الروايات وانتبه إليها علماء النفس بتجاربهم ، وهي أنّ حالة الوثوق بالنفس تنمو لدى الإنسان كلّما مرّت عليه سنّي العمر ، فيزداد إصراره على ما يؤمن ويعتقد به ، ولذلك فمن الصعب عليه أن يبدّل عاداته ، ومعنى ذلك أنّه لو كان في شبابه لسهلت عليه التوبة ، ولكنّه حينما يتقدّم في العمر يزداد رسوخاً في كفره وعصيانه كما يشير إلى ذلك الدعاء الشريف :
” يا ويلتا كلّما كبر سنّي كثرت معاصي ، فكم ذا أتوب وكم ذا أعود ، ما آن لي أن أستحيي من ربّي ” 6 .
وكما يقول تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ … ﴾ 7.
ولا أدري متى سنعود الى صوابنا ونعزم على التوبة؟ وإن كانت هذه الفرص والساعات التي نعيشها في ليلة القدر حيث المجالس والاجتماعات الروحانية والأجواء الإيمانية المعطّرة برياحين القرآن والأحاديث الشريفة والأدعية المباركة والمناجاة . أقول: إن كانت هذه الفرص لا تؤثّر في نفوسنا وقلوبنا ولا تطهّر أرواحنا إذن فما أقسى قلوبنا والعياذ بالله!
فلتكن لدينا الهمّة والعزيمة ، ولنتّكل على الله في ولوج أبواب رحمته سبحانه وهو أرحم الراحمين .

ضمان الجنة

ومن الأعمال المستحبة الأخرى التي توصّلنا الى رحاب المغفرة والعفو وقبول التوبة قراءة سورة الروم والعنكبوت . فقد روي عن أبي بصير ، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، أنه قال: من قرء سورة العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين ، فهو والله يا أبا محمد من أهل الجنة ، لا أستثني فيه أحداً ، ولا أخاف أن يكتب الله عليَّ في يميني إثماً ، وإنَّ لهاتين السورتين من الله مكاناً” 8 . وحقّاً فإنّ هذا أمر يثير الدهشة ، فأنا حين أقرأ سورة الروم وأتعمّق فيها أقف متسائلاً عن السرّ الذي تشتمل عليه هذه السورة الكريمة والذي جعل الإمام الصادق عليه السلام يؤكّد عليها ويعتبرها مفتاحاً لدخول الجنّة ، وهكذا الحال بالنسبة إلى سورة العنكبوت وأيضاً سورة الدخان التي من المستحب قراءتها في هذه الليلة . ترى ما هي أسرار هذه السور المباركة ؟
أمّا بالنسبة إلى سورة الدخان ؛ فإن سرّها واضح ، لأنها نزلت في ليلة القدر متحدّثة عنها وعن فضلها ، ولذلك فإن تلاوتها في هذه الليلة جاءت مناسبة ، وأما فيما يتعلّق بسورة العنكبوت ؛ فإنها ـ على ما يبدو ـ توحي بأن مثل هذه الدنيا كمثل بيت العنكبوت ؛ بحضاراتها ودولها وإمكانياتها وقدراتها ، فهي لا قيمة لها ، ولا هدف يرجى منها في حدّ ذاتها بل إنّ الآخرة هي الهدف وهي الرجاء ، وعلى العكس من ذلك فإن الدنيا واهنة زائلة: ﴿ … وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ …﴾ 9 .

مفتاح التقرّب الى الله

فمادام القلب متعلّقاً بهذه الدنيا ولم يخرج حبها منه ، فإنه لا يستطع التقرّب الى الله ، فلا مناص ـ إذن ـ أن نطرد حبّ الدنيا ـ الذي هو رأس كل خطيئة ـ من قلوبنا ، ونجتثّه من أنفسنا ، فلا نعيش على طول المنى والآمال للحصول على المتاع والترف المادّي ، ثم ما قيمة اللذّة إن كان انقضاؤها في دقائق أو ساعات؟ ترى ما الذي تبقى لأولئك الذين انساقوا وراء الملذات ومتع الدنيا وزخارفها ، فكم عمّروا وبنوا ومشوا واشتروا ، وكم ربحوا ونالوا ، ولكن أين هم وأين هي دنياهم؟ لقد تركوها جميعاً ثمّ رحلوا إلى الدار الآخرة يحملون أوزارها بما لم يشكروا ربّهم على نعمائه ، وبما لم يعطوا حقوق الغير من حقوق الله كما يقول تعالى: ﴿ … وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ 10.
وهكذا الحال بالنسبة إلى الذين ملكوا وحكموا من قبل ، فما الذي وجدوه؟ فمنهم من أصبح ملكاً لروسيا وآخر لأميركا ، وها هي مذكراتهم تنطق بأحوالهم ، فهذا أحدهم يقول: إن عيني لم تر النوم لستة أشهر بسبب ما عانيته من هموم ومشاكل شتّى حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من ملك ومال وجاه وعظمةً ، لكن هذه المظاهر المادية جمعها على حساب راحته وسعادته ، فقضى شبابه بالكد والسهر والتعب والهموم والمشاكل .

الشكر يوجب الزيادة

ومن الظواهر التي تكاد تمثّل سنّة إلهية أن الله تعالى حين يعطي شيئاً فإنّ هذا العطاء يكون سبباً في انتقاص شيء مقابله إن لم يكن هناك الشكر ؛ فقد يعطي سبحانه نعمة المال الوفير لكنّ هذا المال إن لم يؤدَّ حق الله وحق الناس فيه فيخمّس ويزكّى فانّ لذة الاستمتاع به سوف تنغّص بأمر يحدث أو يساور الإنسان فعندئذ تذهب ذلك المال ، فالتاجر ـ مثلاً ـ حين لا يوفي الناس حقوقهم فيحتكر ويبيع بأسعار فاحشة ويتركز همّه على جمع الأموال فإنه سيحرم وبسبب الطمع من نعمة النوم والاستقرار الفكريّ ، فتراه يعمل نهاراً دون انقطاع ، ويعيش ليله في حسابات لا طائل من ورائها ، وإذا بالنوم يفرّ من عينيه ، والأرق يسيطر عليه ويعكّر راحته وصفوه!
إنّ الإنسان ـ وبدافع من طمعه وجشعه ـ يظلّ يأمل ويحلم بالكثير حيث يزيّن له الشيطان سيّء أخلاقه وآماله ، وحين يرجع هذا الإنسان إلى نفسه ، ويعجب لحال الذل الذي آل إليه إذا بملك الموت يقف أماماه ليسترد منه الأمانة وحينئذ لا ينفع الندم إذ الأوان قد فات والآمال تبخّرت وإذا به يصبح مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ … خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ 11 .
فلا عمل صالح يرفع عنه العذاب وأوزار ما حمله من دنياه تثقل ظهره ، ولا فرصة يكفّر فيها عن ذنبه ويتوب إلى ربّه .
فملك الموت ـ مهما تأخّر عنك ولو أعطيت ألف سنة من العمر ـ فإنّه حينما يأتي ستستقل عمرك والفرص التي أتيحت لك في الحياة ، كما قال تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ … ﴾ 12.

للشرك معنى واسع

فطول الأمل والحرص هما من سمات المشركين بالله ، والشرك ليس هو عبادة الأصنام والأوثان فحسب ؛ بل إنّ له عشرات المذاهب والصور ، والمال قد يصبح سبباً في نوع من أنواع الشرك وصوره ؛ فالذي يفكّر ماذا سيربح غداً وبعد غد ، وكيف ستكون تجارته في العام القادم وما بعده ، وكيف سيحصل على المزيد والمزيد ليؤمّن حياته بهذا المال ، فإنه سينسى الله ويعبد هذا المال ، وهذا هو الشرك الصريح والواضح .
فكلّ ليلة قدر فرصة العمر الثمينة ، فلنشدّ الرحال ، رحال الإيمان والتقوى ولنسافر في رحابها وأجوائها إلى الله تعالى ، “والراحل إليك يا ربّ قريب المسافة منك ، وأنت لا تحتجب عن خلقك إلاّ أن تحجبهم الأعمال السيئة دونك” 13 .
فنسأل الله بحق نبيّه ورسوله محمد صلى الله عليه وآله أن يعيننا في ليلة القدر على أنفسنا ويرزقنا عزيمة التوابين والمؤمنين ، ويوفّقنا للاقتراب منه ، فقد خُلقنا من ضعف فصار هذا الضعف جزءً من كياننا ، فمثلنا كمثل الذين وقع في بئر فلا يستطيع الخروج منها إلاّ بوسيلة تعينه على ذلك ، فنسأل الله أن يمدّنا بهذا الحبل لنعتصم به ونخرج من ذلّ وشح أنفسنا ومن أحلامنا وأوهامنا ووساوسنا . وتلك هي مضامين ومعاني سورة العنكبوت المباركة .

مضامين سورة (الروم) الأخلاقية

أما سورة الروم ؛ فهي تحدّثنا عن أهم عبادة ، والتي أشار إليها الحديث المروي عن زرارة ، عن أحدهما (الإمام محمد الباقر أو الإمام جعفر الصادق) عليهما السلام ، قال: “ما عُبد الله عز وجلّ بشيء مثل البداء” 14 . فهي تعني أنّ الله إذا أراد أن ينظر إليك ويهبك مّما لا تتصوّره فانه سبحانه يفعل ذلك بإرادته ومشيئته وليس مهمّاً من تكون أنت ، وعندها قد تتحوّل الى شخصية خيّرة طيبة مؤمنة متقية مخلصة كشخصية الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري ، أو شخصية سلمان وعمّار بن ياسر وغيرهما من الصالحين ، وليس ذلك على الله بعزيز إن أنت عقدتَ العزم وخضت الغمار في رحاب الله وقدسه ، فأعطيت ليلة القدر وكلّ الليالي والأيام حق الله فيها ، وسلكت فيها سبل النجاة .
ولا يغيب عنا إن الشيطان قد يكرّس اليأس في قلب الإنسان بحيث يجعله لا يفكر في التوبة ولا يمنّي نفسه بها ، وبالتالي يمضي في غيّه وضلاله وظلمه لنفسه وللناس ، فيرتكب ما يرتكبه من المحرّمات والفجور والخطايا .
فعلى الواحد منّا ـ إن هو ارتكب ظلماً أو إثماً ـ أن لا ييأس من روح الله فيحسب نفسه من أهل النار وأنّه لا مفرّ له منها ، وأنّ الله لن يتوب عليه ، بل على العكس من ذلك فإنّ الله يحبّ العبد حين يلح عليه بالتوبة ، فلابدّ أن تحلّ ساعة خشوع وخضوع وانكسار ورقة في القلب متناهية فيسيل على أثرها الدمع مختلطاً بنغم النحيب الذي تغرفه أوتار القلب النادم الذليل المنكسر الخاشع التائب فتطفئ ألسنة النيران في وديان السعير :
“ولأصرخنّ إليك صراخ المستصرخين ، ولأبكينّ عليك بكاء الفاقدين ، ولأنادينك أين كنت يا وليّ المؤمنين ، يا غاية آمال العارفين ، يا غياث المستغيثين” 15 .

قصة طريفة في هذا المجال

ولا بأس هنا أن أذكر واقعة حدثت لي أثناء الحج ؛ إذ كان في سفرنا الكثير من الناس الذين كانوا على تباين كبير في تقواهم وإيمانهم ، ومن بينهم كان هناك رجل جاء حاجاً وهو لا يفكّر في هذه الفريضة ، ولا يستشعر في وجدانه أحاسيسها ومشاعرها ، فكان يهتم بما يشبع بطنه وما يجعله يؤمّن نوماً ريحاً ، وماذا سيشتري من الهدايا ، وكأنه جاء لتحقيق هذه الأغراض المادّية فحسب ، فكنت أنصحه وأنبّهه بقدسيّة الحج وقدسيّة مناسكه وأماكنه كعرفات ومنى والمشعر وما إلى ذلك ، فكان لا يصغي لي ولا يهتم بتذكيري حتى بلغت مناسك الحج الطواف ، فقد انتهى الطواف وكان قلبه ما يزال قاسياً لا يلين ، أي أنّه كان يطوف ويردّد التلبية ولكنّه منصرف في فكره عن ذلك كلّه فلا يشعر بحلاوة الطواف ولذّته .
وعند انتهاء طواف الوداع المسمّى بطواف النساء وفي اللحظات الأخيرة لاحظت ذلك الرجل اللاأباليّ قد تغيّر حاله ، فراح يبكي وينتحب انتحاباً شديداً ، فاجتمع الناس حوله ، فحاولت أن أهدّئه ولكني لم استطع فبقي على حاله هذه فترة طويلة حتّى هدأ شيئاً فشيئاً ، ففكرت في نفسي قائلاً : يا سبحانه الله! لقد كان لحظة صعقة بنور الله أوقظت روحه وضميره .
وهكذا الحال بالنسبة لنا ، فيجب علينا أن لا نيأس من روح الله ، علّ مثل تلك الصعقة الربانية أن تدركنا فتوقظ فينا الضمير والروح ، وعسى أن تهبط علينا وترسل موجة من أمواج النور الالهيّ فننقلب برحمة من الله على أوضاعنا التي كنا عليها بالأمس ، ولا يكون ذلك إلاّ بالإخلاص وعقد العزم على ولوج طريق التوبة ، فتبدأ ـ مثلاً ـ من هذه البصيرة ، التي قالها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: “أنت كما أحبُّ فاجعلني كما تحبُّ ” 16 .
فحاول أن توصل نفسك الى مرحلة العزيمة والثقة في تغيير ما في نفسك وكما يريد الله منك وهو معينك لا محالة: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا … ﴾ 17 .

محور سورة الروم

أمّا المحور الذي تدور حوله سورة الروم بآياتها المباركة ؛ فهو كون الأمور جميعاً بيد الله ، يفعل بها ما يشاء: ﴿ … لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ … ﴾ 18 ، فالله سبحانه هو مقلّب القلوب والأحوال ، وهو الذي يقرّب الإنسان منه ويدينه إليه أو يبعده عنه ويقضيه ، ولعلّ أحداً منا لا يجهل قصّة ذلك البطل “الحر الرياحي” ومواقفه في كربلاء بين أمسه ويومه ، أفليس هو الذي حال بين الحسين عليه السلام وبين العودة الى الحجاز ، فأبى إلاّ أن يسلّمه لعبيد الله أو يسلك سبيلاً لا يؤدّي إلى الكوفة أو الحجاز ، لقد كان ذلك في أمس كربلاء ، حيث لم يصح ضميره بعد رغم أنّه قد عرف الحسين عليه السلام ، وعرف ابن من هون ومن التي ولدته؟
لقد كانت الغشاوة ما تزال تغطّي قلبه ، حتّى بدأت الجذوة تتّقد شيئاً فشيئاً في ضميره حين عرف نوايا القوم ، واتّضحت له أهدافهم ، فقال قولته المشهورة : “إني لأخيّر نفسي بين الجنّة والنار” ، فما أعظم وأحلى وأطيب الإنسان حين يستيقظ منه الضمير والوجدان الخالصان النقيّان ، وحين يعود الى ربّه ، وقد جسّد الحرّ الرياحيّ ذلك بقوله: “والله لا أختار على الجنّة شيئاً” . فهزّ اللجام وراح صوب مولاه ، ووقف بين يديه قائلاً: “عذراً أبا عبد الله! فأنا الذي فعلت بك كذا وكذا . . .” إلى آخر ذلك الموقف المشرّف ؛ موقف التوبة النصوح .
فالمسافة بين المعسكرين كانت قصية في الحساب المادّي ، ولكن هل تعلمون أنّ هذه المسافة في حقيقتها وبقياس المعنويات والقيم الروحيّة هي أكثر وأوسع من ذلك بكثير ، ولعل أدقّ تعبير يصف هذه المسافة أن تقول إنها الطريق بين الجنّة والنار .
فكلّ واحد منّا يشعر أن كاهله قد ثقل من الأوزار أن يضع نصب عينيه موقف الحرّ وأمثاله ، فلا ييأس من رحمة الله ، لأنّ الأمر كلّه بيد الله: ﴿ … لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ … ﴾ 18 ، فليس هناك أمر يصعب عليه سبحانه فهو يفعل ما يريد .

الاستغفار هو البداء

ليس من الصحيح أن نحكم على أحد ما بكونه من أهل جهنّم ، فما أدرانا لعلّه أن يتوب ويستغفر فيتوب الله عليه ، ويغفر له ، وهذا هو البداء ، الذي جسّده تعالى بقوله: ﴿ … لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ … ﴾ 18.
والبداء هذا يتّصل بفكرة الحرية الأساسية في الإسلام ، ولذلك كان نفحة من نفحات الحضارة الراقية ، لأنّه ـ بالشكل الذي عرضناه ـ يدلّنا على انسجام المجتمع ، وتماسكه ، ووحدته ، وخلوصه شيئاً فشيئاً لله سبحانه ، فيصبح عندها مجتمعاً حرّاً كريماً ، وهذه هي سمة التمدّن الحضاري المنشود .
ويعتبر الدعاء من أعظم المظاهر التي يتجلّى فيها البداء ، ولذلك كان الدعاء مخّ العبادة ، كما جاء عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام ؛ رجلان افتتحا الصلاة في ساعة واحدة فتلا هذا من القرآن فكانت تلاوته أكثر من دعائه ، ودعا هذا فكان دعاؤه أكثر من تلاوته ثمَّ انصرفا في ساعة واحدة أيهما أفضل؟ فقال : كلٌّ فيه فضل ، كلٌّ حسن . قال: قلت قد علمت أنَّ كلاً حسن وأنَّ كلاً فيه فضل . فقال : الدُّعاء أفضل ، أما سمعت قول الله تبارك وتعالى ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ 19 . هي والله العبادة ، هي والله العبادة . أليست هي العبادة ، هي والله العبادة ، هي والله العبادة . أليست أشدّهنّ ، هي والله أشدّهنَّ ، هي والله أشدّهنَّ ، هي والله أشدهنَّ 20 .
والقرآن الكريم يؤكد على الدعاء في الكثير من آياته كقوله تعالى: ﴿ … ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ … ﴾ 19 وقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ … ﴾ 21 وقوله: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ 4.
فعلنيا أن نتوجّه إلى الله بكل جوارحنا ، وبقلوب نقية ، وخلوص نيّة ، فندعوا ربنا ولا نكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ … إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ 19 .
فلنجد في الدعاء ، ولا نيأس ولا نتكبّر ولا نكن غافلين عنه ، فهذا هو الله سبحانه معنا أينما كنّا ، ولا شيء يفصل بيننا وبينه إلاّ الذنوب ، ولذلك كان الوصول إليه واجتيازها عبر جسر التوبة النصوح ، وطلب المغفرة ، والدعاء ، فلنقف بين يدي الجليل سويعات بقلوب منكسرة وعيون تفيض بالدمع ، ولنعرض ونعترف بذوبنا وخطايانا وظلمنا أمام الله ، ولنتب إليه ، ونعاهده على أن نردّ مظلمة كلّ من ظلمناه ، وحقّ كلّ من بخسناه حقّه فأكلناه بالحرام ، ثم لنسأله سبحانه أن يغفر لنا ، ويتوب علينا ، فهو التواب الرحيم ذو المغفرة .
أسأل الله سبحانه أن يجعل في هذا الدعاء بركة لنفسي ولإخواني ، وأن يعرّفنا فضيلة ليلة القدر ، وشرفها ، ويعيننا على أنفسنا ، وينصرنا على عدوّنا وعدوّه الشيطان الرجيم ، انّه ولي التوفيق 22.

  • 1. القران الكريم: سورة القدر (97)، الآية: 3، الصفحة: 598.
  • 2. بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 327 .
  • 3. القران الكريم: سورة ابراهيم (14)، الآية: 34، الصفحة: 260.
  • 4. a. b. القران الكريم: سورة الفرقان (25)، الآية: 77، الصفحة: 366.
  • 5. القران الكريم: سورة الزمر (39)، الآية: 53، الصفحة: 464.
  • 6. بحار الأنوار ، ج 84 ، ص 242 .
  • 7. القران الكريم: سورة الحديد (57)، الآية: 16، الصفحة: 539.
  • 8. بحار الأنوار ، ج 94 ، ص 19 .
  • 9. القران الكريم: سورة العنكبوت (29)، الآية: 41، الصفحة: 401.
  • 10. القران الكريم: سورة التوبة (9)، الآية: 34 و 35، الصفحة: 192.
  • 11. القران الكريم: سورة الحج (22)، الآية: 11، الصفحة: 333.
  • 12. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 96، الصفحة: 15.
  • 13. بحار الأنوار ، ج 91 ، ص 276 .
  • 14. بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 107 .
  • 15. مفاتيح الجنان ، ص 65 ، دعاء كميل بن زياد .
  • 16. بحار الأنوار ، ج 91 ، ص 92 .
  • 17. القران الكريم: سورة العنكبوت (29)، الآية: 69، الصفحة: 404.
  • 18. a. b. c. القران الكريم: سورة الروم (30)، الآية: 4، الصفحة: 404.
  • 19. a. b. c. القران الكريم: سورة غافر (40)، الآية: 60، الصفحة: 474.
  • 20. بحار الأنوار ، ج 81 ، ص 223 .
  • 21. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 186، الصفحة: 28.
  • 22. من كتاب ليلة القدر معراج الصالحين ، آية الله السيد محمد تقي المدرسي .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى