مقالات

بين التشبيه والتعطيل

 الإِبتعاد عن التشبيه والمقايسة أَساس معرفة صفاته سبحانه
إِعتاد الإِنسان الساكن بين جدران الزمان والمكان أنْ يتعرف على الأشياء مقيّدة بالزمان والمكان، موصوفة بالتحيز والتجسم، متسمة بالكيف والكم، إلى غير ذلك من لوازم المادة ومواصفات الجسمانية.

إِنَّ مزاولة الإِنسان للحس والمحسوس مدى حياته وانكبابه على المادة وإِخلاده إلى الأرض، عوّده على تمثيل كل ما يتعقله، بصورة الأَمر الحسي حتى فيما لا طريق للحس والخيال إلى حقيقته كالكليات والحقائق المنزهة عن المادة. ويؤيّده في ذلك أنَّ الإِنسان إِنَّما يصل إلى المعقولات والكليات من طريق الإِحساس والتخيل فهو أنيسُ الحسّ وأليفُ الخيال1.

وكأَنَّ البشرَ جُبلوا على المعرفة على أَساس المقايسة والتشبيه فلا يمكنهم أَنْ يجرّدوا أَنفسهم من ذلك إِلاَّ بالرياضة والتمرين. فقد قضت العادة الملازمة للإِنسان أعني أُنْسَهُ بالمادة، واعتيادَه على معرفة كل شيء في الإِطار المادي، أَنْ يصوِّر لربّه صُوَراً خيالية على حسب ما يألفُه من الأُمور المادَّية الحسية. وقلَّ أَنْ يتفقَ لإِنسان أَنْ يتوجه إلى ساحة العزَّة والكبرياء، ونفسه خالية عن هذه المحاكاة.

• بين التشبيه والتعطيل
على ذلك الأَساس افترق الإِلهيون إلى مشبهة تشبه ربَّها بإِنسان له لحم، ودم، وشعر، وعظم، وله جوارح وأعضاء حقيقيّة من يد، ورجل، ورأْس، وعينين، مصمت، له وفرة سوداء، وشعر قطط. يجوز عليه الإِنتقال والمصافحة2.

فهؤلاء تورَّطوا في مغبة التجسيم ومهلكة التشبيه. وإنكارُ بارئ بهذه الأَوصاف المادية المُنْكَرَة أَولى من إثباته رباً للعالم، لأَن الإعتقاد بالبارئ على هذه الصفات يجعل الأُلوهيَّة والدعوة إليها أَمراً مُنْكَراً تتنفر منه العقول والأَفكار المنيرة. 

فإِذا كانت تلك الطائفة متهورة في تشبيهها ومفرطة في تجسيمها، فإِنّا نَجِدُ في مقابلها طائفةً أخرى أَرادت التحرز عن وصمة التشبيه وعار التجسيم فوقعت في إِسارة التعطيل، فحكمت بتعطيل العقول عن معرفته سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله، قائلة بأنه ليس لأحد الحكم على المبدأ الأَعلى بشيء من الأحكام، وليس إلى معرفته من سبيل إلاّ بقراءة ما ورد في الكتاب والسنة، فقالت: إنَّ النجاة كل النجاة في الاعتراف بكل ما ورد في الشرع الشريف من دون بحث ونقاش ومن دون جدل وتفتيش. فهذا “مالك” عندما سئل عن معنى قوله سبحانه: (ثم استوى على العرش)، قال: الإِستواء معلوم، والكيف مجهول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة3

وقد نُقل عن سفيان بن عيينة أنَّه قال: “كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه”4

ولكن هناك طائفة ثالثة ترى أَنَّ من الممكن التعرف على صفاته سبحانه من طريق التدبر وترتيب الأَقيسة المنطقية وتنظيم الحجج العقلية على ضوء ما أَفاض الله سبحانه على عباده من نعمة العقل والفكر، بشرط أنْ يكون الباحث محايداً، منحازاً عن أَيَّ رأْي مسبق، وأَن يكون في بحثه ونقاشه مخلصاً للحق غير مبتغ إِلاَّ إِياه.

وحجتهم في ذلك أَنَّ الله سبحانه ما نص على أَسمائه وصفاته في كتابه وسنة نبيه إلاّ لكي يتدبر فيها الإِنسان بعقله وفكره في حدود الممكن والمستطاع مجتنباً إِفراط المشبهة وتفريط المعطلة. فهذا أمر يَدْعُو إِليه العقل والكتاب العزيز والسنَّة الصحيحة.

وهناك كلمة قيمة للإِمام علي عليه السَّلام تدعو إلى ذلك الطريق الوسط، قال عليه السَّلام: “لم يُطْلِع العقولَ على تحديد صفته، ولم يحجُبْها عن واجب معرفته5. والعبارة تهدف إلى أَنَّ العقول وإِنْ كانت غير مأْذونة في تحديد الصفات الإِلهية لكنها غير محجوبة عن التعرف حسب ما يمكن، كيف وقد قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾(الذاريات:56). والعبادة الصحيحة والكاملة لا تتيسّر إِلاّ بعد أَنْ تتحقق المعرفة المستطاعة بالمعبود.

ويكفي في تعيّن هذا الطريق ما ورد في أَوائل سورة الحديد من الآيات الستّ ونذكرها تبركاً وهي قوله سبحانه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ يُحْيي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ * هُوَ الاَْوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الاَْرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الاُْمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾(الحديد:1-6).

وهل يظن عاقل أنَّ الآيات الواردة في آخر سورة الحشر إنما أَنزلها الله تعالى لمجرد القراءة والتلاوة، وهي قوله سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَـالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَـادَةِ هُوَ الرَّحْمَـنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَـالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَْسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(الحشر:22-24). ومع ذلك فما معنى التدبر في الآيات القرآنية؟.

وبذلك تقف على مدى وهن ما أُثِر عن بعض علماء السلف حيث يقول: “إِنما أُعطينا العقل لإِقامة العبودية لا لإِدراك الربوبية فمن شغل ما أُعْطِيَ لإِقامةِ العبودية بإِدراك الربوبية فاتته العبودية ولم يدرك الرّبوبية”6.

إِنَّ إِقامة العبودية الكاملة رهن معرفة المعبود بما في إمكان العبد. وإِلاّ فإِنَّ العالم بجميع ذراته يسبّح الله سبحانه ويحمده ويقيم العبودية له بما أُعْطِيَ من الشعور والإِدراك المناسب لوجوده، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾(الأسراء:44). فلو كانت وظيفةُ الإِنسان إقامة العبودية مجرداً عن المعرفة التفصيلية للمعبود، تكون عبوديته أَشبه بعبودية سائر الموجودات بل أنزل منها بكثير، إذ في وسع الإِنسان معرفة معبوده تفصيلا بمقدار ما أُعْطِيَ من المقدرة الفكرية التي لم يُعطها غيره.

فإِنّْ أُريد من إِدراك الربوبية إِدراك كنه الذات فهو أَمر محال، ولم يدَّعِه أَحد. وإِنْ أُريد معرفتة أَسمائه وصفاته وأَفعاله حسب المقدرة الإِنسانية في ضوء الأقيسة المنطقية والكتاب والسنَّة الصحيحة القطعية فهذه وظيفة العقل. وجميعنا نرى أَنَّه سبحانه يذم المشركين الذين لم يَعْرِفوه حق معرفته “بما في وسع الإِنسان” إِذ يقول سبحانه: ﴿ما قَدَروُا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(الحج:74).

وباختصار: لو كان الهدف هو معرفة كنه الذات الإِلهية وحقيقة الصفات والأَسماء، كان ترك البحث متّجهاً، وأَمَّا إِذا كان المقصود هو التعرف على ما هناك من الجمال والكمال ونفي ما ربما يتصور في الذَّات الإِلهية من النقص والعجز، فلا شك أَنَّ للعقل أنْ يطرق هذا المجال، وفي مقدوره أنْ يصل إِليه.


* الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني.مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج 1 . ص86-90.


1- الميزان، ج 10، ص 273
2- الملل والنحل، ج 1، ص 104
3- الملل والنحل، ج 1، ص 93
4- الرسائل الكبرى لابن تيمية، ج 1، ص 32
5- نهج البلاغة، الخطبة 39
6- الحجة في بيان المحجة، كما في “علاقة الاثبات والتفويض”، ص 33

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى