مقالات

باسم الله…

تمهيد

علّمنا القرآن الكريم في بداية كل سورة ( عدا سورة التوبة ) و في آيات كثيرة اُخرى أن نبدأ عملنا باسم الله و أن نعطّر أجواء قلوبنا و أرواحنا بطيب اسمه .
باسم « الله » و هو الجامع للصفات الكمالية .

باسم « الرحمن » و « الرحيم » .
بسمه الذي على كل شيء قدير .
بسمه الذي بكل شيء عليم .
إن هذا الاسم المقدّس ينوّر القلب و يهب لروح الصفاء و القوة و النشاط .
ذِكر رحمته الخاصّة و العامّة تبعث في الإنسان عالماً من الأمل .
ذكر قدرته و جبروته يبعث في الإنسان الجرأة لمواجهة المصاعب .
ذكر علمه و إحاطته بكلِّ إنسان و بكل شيء يُطمئِنُ الإنسان بأنّه ليس لوحده .
فإذا بدأنا عملنا بهذه الروح فإنه سيصل إلى غايتهِ بلا شك ، و كل سعي و جهاد يبذل وفق هذا المنهج نتيجته النصر و الفلاح .
لذلك فقد رأينا أن أفضل ما نبدأ به بحثنا في هذا الكتاب هو موضوع ( بداية كل عمل باسم الله ) .
فنبدأ أولا بمناقشة الآيات المرتبطة بهذا المعنى ، ثم نقوم بعملية التفسير
و الجمع ، و في المرحلة الأخيرة نذكر بحوثاً مكملة تحت عنوان « توضيحات » و سنواصل إتباع هذا الأسلوب بالترتيب المذكور إلى آخر الكتاب إن شاء الله .
الآيات :
1 ـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 1
( كل سور القرآن عدا سورة براءة )
2 ـ ﴿ … اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ 2
3 ـ ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ 3
4 ـ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ 4

شرح المفردات

الاسم

يعتقد الكثير من علماء اللغة ان هذه الكلمة في الأصل مشتقة من مادة « سمو » ( على وزن علو ) بمعنى الارتفاع و حيث ان التسمية سبب للمعرفة و الظهور و علو المنزلة لكل شيء استخدمت كلمة اسم في هذا المعنى 5 .
( الرحمن ) و ( الرحيم ) كلمتان مشتقتان من ماده « رحمة » و المعروف انّ ( الرحمن ) يعني ذو الرحمة العامة الشاملة للجميع و ( الرحيم ) يوصف بها ذو الرحمة الخاصة و على هذا فان رحمانية الله جعلت فيضه و نعمته شاملة للعدو و الصديق و المؤمن و الكافر ، و لكن رحيميته أوجبت للمؤمنين مواهب خاصة في الدنيا و الآخرة في حين انّ هذه المواهب محرّمة على الغافلين و البعيدين عن الله .
و الشاهد على هذا الاختلاف ما يلي :
1 ـ « الرحمن » صيغة مبالغة و الرحيم صفة مشبهة ، و صيغة المبالغة تقيد معنى التأكيد بنحو أكثر و تدل على سعة هذه الرحمة و لكن البعض يرى ان كليهما صفة مشبهة أو أن كليهما صفة مبالغة ، و لكن مع ذلك صرحوا بانّ الرحمن تفيد معنى المبالغة الكثيرة 6 .
2 ـ و قال البعض أن الرحيم صفة مشبهة و تُفيد الإستمرار و الثبات لذلك هي مختصة بالمؤمنين ، لكن الرحمن صيغة مبالغة و لا تدل على المعنى المذكور .
3 ـ ( الرحمن ) اسم خاص بالله و لا يطلق على غيره ، في حين أن الرحيم يقال له و لغيره ، و هذا دليل على أن مفهوم الرحمن يدل على رحمة أوسع .
4 ـ هناك قاعدة معروفة في الأدب العربي و هي زيادة المباني تدل على زيادة المعاني ، يعني أن الكلمة التي حروفها أكثر فان مفهومها يكون أكبر و حيث ان ( رحمن ) خمسة أحرف و ( رحيم ) أربعة أحرف فمفهوم ( رحمن ) اوسع 7 .
5 ـ كما أن البعض استفاد هذا المعنى من آيات القرآن حيث أنَّ ( الرَّحمن ) . ذكر غالباً بنحو مطلق ، في حين ان ( رحيم ) ذكر مقيداً في كثير من الموارد مثلا قوله تعإلى :﴿ … إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ 8.
و قوله تعإلى :﴿ … إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ 9.
أما الرحمن فذكر من غير قيود فهو يدل على عموم رحمته .
6 ـ و تشهد بعض الروايات على هذا الاختلاف ، ففي حديث عميق عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) نقرأ : ( الرحمن اسمٌ خاص بصفة عامة و الرحيم اسم عام بصفة خاصة ) 10 .
و لكن مع هذا لا يمكن أن ننفي استخدام الكلمتين في معنى واحد ، كما ورد في دعاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) في يوم عرفة : ( يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما ) و يمكن أن يعد هذا استثناءً فلا ينافي الاختلاف المذكور .
﴿ … مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا … ﴾ 3.
كلتا الكلمتين اسم زمان أو اسم مكان بمعنى مكان الحركة و زمانها ، أو مكان التوقف و زمانه 11 .
الأولى مشتقة من مادة ( جريان ) و الثانية من مادة ( رسو ) على وزن ( رَسم ) بمعنى الثبات و الاستقرار لذلك يقال للجبال ( الرواسي ) جمع ( راسية ) لأنها ثابتة و مستقرة .

جمع الآيات و تفسيرها

لماذا نبدأ فقط باسم الله ؟

في الآية الأولى﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 1التي تصدرت كل سور القرآن ( ما عدا سورة براءة ) يعني نعلمكم أن تبدأوا عملكم باسم الله الرحمن الرحيم و تستعينوا به في اداء عملكم و تنفيذ خططكم 12 .
إن أعمالنا مهما تكن فهي فانية زائلة و صغيرة محدودة ، أما عندما نربطها بتلك الذات القدسية الباقية الخالدة التي لا حد لها و لا نهاية ، فانها ستصطبغ بصبغته و تستلهم من عظمته و أزليته .
قوتنا مهما تكن فهي ضعيفة لكن عندما ترتبط تلك القطرات بالبحار العظيمة للقدرة الإلهية فانه ستجد العظمة و تكتسب روحاً جديدة و هذا كله رمز بسم الله في بداية كل عمل .
* * *
في الآية الثانية كلام عن خطاب جبرئيل الأمين في بداية البعثة للنبي الأكرم ( صلى الله عليه و آله و سلم )عندما احتضن النبي وضمه و قال ﴿ … اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ 2.
و بهذا فقد بدأ جبرئيل منهاج رسالته عند بعثة النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) باسم الله .
الآية الثالثة تتحدث عن قصه نوح عندما حلت لحظة الطوفان و العقاب الإلهي الشديد على قومه الكفرة و الطغاة ، و عندما استعدت السفينة للحركة و صدر الأمر لأصحاب نوح الذين لم يتجاوز عددهم الثمانين بان يركبوا في الفلك قال﴿ … بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا … ﴾ 3ثم استعان بمغفرة الله و رحمته و قال ﴿ … إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ 3.
و في الآية الأخيرة كلام عن كتاب سليمان إلى ملكة سبأ بعد أن أخبره الهدهد عن قوم سبأ و عبادتهم للأصنام .
و عندما تناولت ملكة سبأ الكتاب جمعت أعوانها و افراد البلاط و قالت ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ 4.
من مجموع الآيات الأربع المذكورة ندرك جيداً أن ابتداء كل عمل يجب ان يكون بـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ 13، سواء كان في التعليم و الهداية مثل سور القرآن أو كان دعاءً من العباد مع الذات القدسية مثل سورة الحمد ، أو بداية البعثة و الرسالة و أول نداء للوحي مثل بداية سورة العلق ، أو أنه بداية الحركة للنجاة من الخطار و الطوفان و بداية توقف السفينة و النزول منها للابتداء بالمنهج الجديد كما في قصة نوح ، أو ابتداء الكتاب المرسل من أجل الدعوة للتسليم إلى الحق كما في كتاب سليمان لملكة سبأ .
و خلاصة الكلام أن العمل سواء كان من الله سبحانه أو من الخلق أو من جبرئيل او من الانبياء مثل نوح و سليمان أو من عامة الأفراد ، يجب أن يبدأ بـ﴿ بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ 13 و يرتبط بالذات المقدَّسة و يستمد منه القوه و العلم و الدراك .
و هذا هو معنى الحديث المعروف للنبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ( كل أمر ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو ابتر ) 14 .
و الأمر الذي ينبغي ملاحظته ان الصفات التي ذكرت بعد بسم الله في الآيات المذكورة تناسب العمل الذي بدأ بـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ 13 ففي قصة نوح جاء ذكر ( غفور رحيم ) و هو إشارة إلى شمول الرحمة الإلهية لأصحاب نوح ، و في قصة نزول أول آية جاء ذكر صفة الربوبية و الخالقية و نحن نعلم ان مسألة الوحي بداية لعمل تربوي و على هذا فان التربية التشريعية تقترن بالتربية التكوينية .
و بهذا نعلمُ أن الاستفادة من ذكر الصفات المناسبة تعليم للجميع حول كيفية ابتداء أعمالهم بـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ 13.

توضيحات

1 ـ الاهمية الخاصة لـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ .

نلمس في الروايات الإسلامية أهمية كبيرة لهذه الآية المباركة و أنّها في درجة ( الاسم الأعظم الإلهي ) ، كما روي عن الإمام الصادق( عليه السلام ) من أنّه قال :
( بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من ناظر العين إلى بياضها ) 15 .
و في حديث آخر عن الإمام الرضا( عليه السلام ) : ( أقرب من سواد العين إلى بياضها ) 15 .
إنّ لـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ 13أهمية بالغة إلى درجة بحيث أن بعض الروايات ذكرت ان في تركها تعريض النفس للعقاب الإلهي ، كما ورد في رواية ان عبدالله بن يحيى دخل في مجلس أمير المؤمنين ( عليه السلام ) و كان أمامه سريره فأمره الإمام ان يجلس عليه فتحطم السرير فجأة و وقع عبدالله على الارض و جرح رأسه و خرج منه الدم فأمر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بماء فغلسوا الدم ثم وضع الأمير يده على الجرح فاحس عبد الله بألم شديد في أوّل الأمر ثم بريء جرحه فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( الحمد لله الذي يغسل ذنوب شيعتنا و يطهرها بالحوادث المؤلمة ) .

فقال عبد الله : يا أمير المؤمنين لقد نبهتي ، أخبرني أي ذنب ارتكبته حتى اصاب بهذا الحادث المؤلم كي لا عود إلى ذنبي فان ذلك يسعدني .
فقال( عليه السلام ) : عندما جلست على السرير لم تقل :﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 1ألم تعلم ان رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قال عن لسان ربِّه : ( ان كل عمل ذي بال لم يبدأ فيه بسم الله فهو ابتر و لا ثمرة فيه ) .

فقال عبد الله : فديتك لا ادعها بعد هذا ابداً .
فقال الإمام( عليه السلام ) : اذا ستكون سعيداً 16 .
و لكن مع الواضح ان الاسم الأعظم أو بسم الله الذي هو اقرب ما يكون إليه ليس المقصود منه جريان ألفاظه على اللسان ، فالتلفظ لوحده لا يحل العقد المستعصية و لا يفتح أبواب الخيرات و البركات و لا ينتظم به شتات الأمور ، بل المراد هو التخلق به .
يعني ان مفهوم بسم الله يجب أن يرتكز في روح الإنسان و باطنه ، و عندما يتلفظ بها بلسانه يشعر ان كامل دقائق وجوده قد دخل في الحِمى الإلهيّة و صار من أعماق وجوده يستمد من ذاته المقدسة .
و ينبغي الانتباه إلى أن التأكيد على الابتداء بـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ 13ليس فقط في الكلام و إنما في الكتابة أيضاً كما في كتاب سليمان ( عليه السلام ) إلى بلقيس .

في حديث الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( لا تدع البسملة و لو كتبت شعراً ) ثم ذكر الإمام ( عليه السلام ) إنهم كانوا يبدأون رسائلهم قبل الإسلام بعبارة ( بسمك اللهم ) .
و لما نزلت الآية الكريمة ﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 17. بدأوا رسائلهم بعبارة ﴿ بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ 13.

و في حديث آخر نقرأ أن الإمام الهادي ( عليه السلام ) وصى احد وكلائه و هو داود الصرّمي الذي قال : أمرني ( عليه السلام ) بحوائج كثيرة فقال لي : قل كيف تقول ؟ ، فلم أحفظ مثل ما قالي لي ، فمدّ الدواة و كتب ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 1اذكر انشاء الله و الأمر بيد الله ، فتبسمت ، فقال : مالك قلت : خير . فقال : أخبرني ، قلت : جعلت فداك ذكرت حديثاً حدثني به رجل من أصحابنا عن جدك الرضا ( عليه السلام ) اذا مرّ بحاجة كتب : ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 1 اذكر انشاء الله فتبسمت ، فقال لي :

يا داود لو قلت ان تارك التسمية كتارك الصلاة لكنت صادقاً 18 .
إنَّ أهمية بسم الله تبدو بدرجه عظيمة بحيث نقرأ في حديث عن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) انه قال : ( إذا قال المعلّم للصبي بسم الله الرحمن الرحيم ( و يكرر الطفل ذلك ) كتب الله براءة للصبي و براء لأبوه و براءة للمعلِّم ) 19 .
و نختم هذا الكلام ، بمقالة مشهورة بين جماعة من المفسرين و هي :
إنَّ معاني كل الكتب الإلهية مجموعة في القرآن .
و معاني كل القرآن مجموعة في سورة الحمد .
و معاني كل سورة الحمد في بسم الله .
و معاني بسم الله مجموعة في الباء 20 .
و تمركز جميع مفاهيم القرآن و الكتب الإلهية في باء بسم الله يمكن أن يكون من ناحية كون كل المخلوقات في عالم التكوين ، و كل التعليمات في عالم التشريع تستمد وجودها من الذات المقدسة حيث أنّها علة العلل لجميع العوالم ، و نعلم أن باء بسم الله للاستعانة و طلب النصرة من الله و هذه مسألة جديرة بالدقة و التأمل .

2 ـ هل أن بسم الله جزء لكلِّ سورة ؟

لم يعد المفسرون و علماء العلوم القرآنية ( بسم الله ) من آيات السور عند حسابهم للآيات القرآنية إلاّ في سورة الحمد ، التي اجمع الفقهاء و اتفقوا على انّ بسم الله جزء منها و لذلك فقد ذكروا انّ آياتها سبع و منها بسم الله .
و كذلك فإنَّ احد الأسماء المعروفة لهذه السورة فـ « السبع » لأنها سبع آيات و « مثاني » ، لأنها نزلت على رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) مرتين نظراً لأهميتها .
و لكن مع هذا فان كتابة بسم الله في جميع المصاحف القديمة و الجديدة دليل قاطع على جزئيتها للسور .
روى عن عبد الله بن عمر انه كان اذا بدأ الصلاة بعد التكبير قرأ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 1، و كان يقول اذا لم تقرأ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 1فلماذا كتب في القرآن ؟! 21 .

و أورد السيوطي في المجلد الأول في تفسيره الدر المنثور و هو عالم معروف من أهل السنة روايات كثيرة حول جزئية بسم الله لسورة الحمد .
و هناك روايات كثيرة من طرق أئمة الهدى و أهل البيت ( عليهم السلام ) وردت في جزئية بسم الله لسورة الحمد و لبقية سور القرآن الكريم ، لذلك فان علماء الشيعة متفقون و مجمعون على جزئيتها في جميع الموارد 22 .
و نذكر مثالا على الأحاديث الواردة من طرق أهل السنة ما ورد عن « جابر بن عبد الله » من ان النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قال له « إذا قمت للصلاة فكيف تقرأ ؟ » فقال جابر : أقول الحمد لله رب العالمين ( أي بدون بسم الله ) فقال له النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قل ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 1.

و من اجل رفع سوء الفهم و التوهم أصرَّ النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) أن يجهر بـ ( بسم الله ) في كثير من الصلوات تقول عائشة : إن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم 23 .
و في حديث آخر يقول أحد أصحاب النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : كنت أصلي خلف النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و كان يجهر ببسم الله في صلوات المغرب و العشاء و الصبح و صلوة الجمعة خاصة 24 .
و الملفت للنظر ما رواه البيهقي من ان معاوية صلى بأهل المدنية فتلا بسم الله الرحمن الرحيم في أول سورة الحمد ، و لكن لم يقرأ بسم الله للسورة التي بعدها ولم يكبر حتى ذهب للركوع ، فعندما سلّم للصلاة اعترض عليه جماعة من المهاجرين و قالوا : أسرقت من الصلاة أم نسيت ؟ فكان معاوية بعد ذلك يقرأ بسم الله للسورة بعد الحمد أيضاً 25 .
و لكن مع ذلك فان جماعة من علماء السنة لا زالوا يتركون بسم الله في الصلاة و حتى في سورة الحمد أو يقرأونها اخفاتاً ! و هذا أمر عجيب ، و ينبغي أن نذكر إن الفخر الرازي ذكر في تفسير تسعة عشر دليلا على إثبات أن بسم الله الرحمن الرحيم جزء من سورة الحمد و أكثرها روايات عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه و آله و سلم ) .
و الآلوسي المفسر المعروف و ان ناقش هذه الأدلة في تفسيره ( روح البيان ) ، و لكنه يصرح ان بسم الله آية مستقلة في القرآن و ان كانت ليست جزءً من سورة الحمد 26 !
فهو يعترف بان بسم الله جزء من القرآن ، لكن لا نعلم لماذا يصر على أنها آية مستقلة و ليست جزءً من سورة الحمد ؟
و مهما كان فلا يخفى ان بسم الله موجودة في جميع المصاحف طوال التاريخ الإسلامي في بداية جميع السور إلاّ سورة البراءة ، و من المسلم أن هذا بأمر من النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و لا يمكن أن نقبل أن النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) أمر ان يكتب في القرآن شيء ليس منه ، و على هذا فلا حجّة لنا إذا فصلنا « بسم الله » من السور لان هذا نوع من أنواع التحريف للقرآن الكريم .
و لهذا يقول الإمام الباقر ( عليه السلام ) في مثل هؤلاء :
« سرقوا أكرم أية في كتاب الله :﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ 1.

و يضيف الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « مالهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها و هي ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾1!

و لهذا فقد وردنا من الأئمة ( عليهم السلام ) الإصرار على الجهر ببسم الله خاصة و في جميع الصلوات الليلية و النهارية لأجل القضاء على هذه البدعة الموروثة .
و خلاصة الكلام أن أهمية بسم الله بين آيات القرآن أوضح من أن تحتاج إلى البحث و لذلك يجب أن تعطي أهمية كبيرة ، و من المؤسف أن بعض الأفراد الفاقدين للذوق السليم و خشية من أن تقع كتاباتهم بأيدي الأفراد غير متوضئين أو تدوسه عليها الأقدام أو تقع في الأزقة و الأسواق يمتنعون عن كتابة بسم الله في رسائلهم و كتاباتهم ، و يضعون محلها عدداً من النقاط غافلين عن أنّ سيئة ترك بسم الله أشدّ بكثير من هذه المساويء .
نحن مأمورون بأن نكتبها ، و أن نسعى من أجْلِ المحافظة عليها و احترامها ، و إذا لم يراع الآخرون الحرمة اللازمة فلسنا مسؤولين عن أعمالهم ، و لا ينبغي لنا أن نترك بسم الله لهذا العذر لان الضرر الذي يصيبنا سيكون أكبر .
لذلك ينقل لنا التاريخ ان أول سكة ضربت في الإسلام كانت في زمان « عبد الملك بن مروان » و بأمر من الإمام الباقر عليه السلام و كتب على احد وجهيها « لا اله إلا الله » و على الوجه الآخر « محمد رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) » ، و من الواضح ان هذه السكة تقع في يد عامة الناس حتى غير المسلمين الذين كانوا يعيشون في محيط الإسلام ، فلم تكن مراعاة هذا الأمر مانعة من ضرب السكة و الشعارات الإسلامية
الحية و لا ينبغي لها ان تكون 27 .

3. لماذا لم تُذكر بسم الله في بداية سورة براءة ؟

الجواب على هذا السؤال ورد صريحاً في حديث روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
( لم تُنَزَل بسم الله الرحمن الرحيم على رأس « سورة براءة » لان بسم الله للأمان و الرحمة ، و نزلت براءة لرفع الأمان و بالسيف ) 28 يعني رفع الأمان عن الكفار الناكثين للعهود .
و يعتقد جماعة بان هذه السورة تتمة لسورة الأنفال لان سورة الأنفال تتكلم عن العهود و لهذا لم يذكر بينهما « بسم الله » .
و هذا المعنى ذكر في رواية عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « الأنفال و البراءة واحدة » 29 .
و احتُمل أيضاً ان الله سبحانه و من أجل أن يبيّن حقيقة انّ بسم الله جزء في جميع سور القرآن لم يذكر بسم الله في بداية هذه السورة .
و الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة ممكن .
و هناك آيات متعدّدة حول بسم الله في القرآن و خصوصاً في مورد ذبح الحيوانات ، و الكلام عنها ينبغي أن يكون في محل آخر .

4 ـ لا تقرنوا اسم الله باسم غيره ؟

حيث ان القادر المطلق و الرحيم الحقيقي هو الذات المقدسة لله سبحانه .
و ما عالم الوجود إلاّ مائدة من موائد إحسانه ، و كل ما لدنيا منه فيجب طلب المدد و العون منه و الابتداء باسمه ، و الآيات المتعلقة « بسم الله » و الروايات الواردة في هذا المجال كلها تؤكد على هذا المعنى .
و لهذا فان الذين يقرنون مع اسم الله اسم غيره كالطواغيت الذين يضعون أسماء السلاطين المتجبرين و المتكبرين إلى جنب اسمه سبحانه و يفتتحون بها و يشرعون بها . أو الأشخاص الذين يبدأون أعمالهم باسم ( الله ) و « الشعب » ، كل هؤلاء في الحقيقة مصابون بنوع من الشرك . و حتى اسم النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) لا ينبغي أن يُقرن إلى جنب اسم الله في هذا المجال فلا يقال بسم الله و نبيّه .
ففي حديث عن تفسير الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) : ان رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم )كان جالساً يوماً مع أمير المؤمنين على ( عليه السلام ) فسمعا شخصاً يقول « ما شاء الله و شاء محمد » و آخر يقول « ما شاء الله و شاء علي » .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) :
« لا تقرنوا محمداً و لا علياً بالله عز و جل » .
ثم أضاف : « و لكن إذا أردتم فقولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ، ما شاء الله ثم شاء علي » ، يعني اعلموا ان مشيئة الله قاهرة و غالبة على كل شيء فليس لها في الوجود من مساو أو نظير أو قرين . و ما محمد في دين الله و أمام قدرة الله إلاّ كطير يحلِّق في فضاء هذا الكون الواسع و كذلك علي 30 31 .

  • 1. a. b. c. d. e. f. g. h. i. j. القران الكريم: سورة الفاتحة (1)، الآية: 1، الصفحة: 1.
  • 2. a. b. القران الكريم: سورة العلق (96)، من بداية السورة إلى الآية 1، الصفحة: 597.
  • 3. a. b. c. d. القران الكريم: سورة هود (11)، الآية: 41، الصفحة: 226.
  • 4. a. b. القران الكريم: سورة النمل (27)، الآيات: 29 – 31، الصفحة: 379.
  • 5. البعض يرى ان الاسم من مادة ( وَسْم ) بمعنى ( العلامة ) و لكن يبدو ان هذا غير تام لان جمعه على هيئة اسماء و تصغيره بـ ( سُمّي ) و ( سمّيه ) يدل على عدم وجود ( الواو ) في أصله و البعض يعتبره مشتقاً من كلمة ( شما ) و هي اصطلاح عبري و عند التعريب صارت بهيئة اسم وسماء ( التحقيق في كلمات القرآن الكريم ) و لكن هذا مستبعد أيضاً و لا شاهد عليه . و الشاهد الآخر على عدم كون الاسم مشتقاً من مادة ( وسم ) ان الهمزة في اسم تسقط عند وصل الكلام و لو كانت من مادة ( وسم ) فالهمزة بدلا عن الواو و لا ينبغي ان تسقط .
  • 6. راجع تفسير مجمع البيان و روح المعاني و الميزان الجزء 1 الصفحات 20 و 55 و 16 على التوالي .
  • 7. تفسير شبر : 38 و روح المعاني : 1 / 56 .
  • 8. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 143، الصفحة: 22.
  • 9. القران الكريم: سورة النساء (4)، الآية: 29، الصفحة: 83.
  • 10. مجمع البيان ، المجلد 1 الصفحة 21 .
  • 11. قال بعض المفسرين إنها اسم زمان فقط كما ( مجمع البيان ) و البعض اعتبرها اسم مكان فقط كما في ( الميزان ) و البعض اعتبرها اسم زمان و مكان كما في ( تفسير شبّر ) .
  • 12. البعض يعتقد أن هناك جملة محذوفة و هي ( ابتديء ) ، و البعض قال هي ( استعينُ ) ، نعم في صورة كون الجملة عن الله سبحانه ( كما في جميع السور عدا الحمد ) فحينئذ يتعيّن المعنى الأول و لكن في خصوص سورة الحمد حيث ان الجملة تعبير عن لسان العباد فيكون فيها المعنى الأول أو الثاني أو كلاهما و على هذا فان ( ب ) في بسم الله إما بمعنى الاستعانة أو بمعنى الابتداء ( تأمل جيداً ) .
  • 13. a. b. c. d. e. f. g. القران الكريم: سورة الفاتحة (1)، من بداية السورة إلى الآية 1، الصفحة: 1.
  • 14. سفينة البحار الجزء 1 مادة ( سما ) .
  • 15. a. b. تفسير البرهان : 1 / 41 الحديث 2 و 9 .
  • 16. بحار الانوار : 73 / 305 مع التلخيص .
  • 17. القران الكريم: سورة النمل (27)، الآية: 30، الصفحة: 379.
  • 18. سفينة البحار مادة ( سما ) : 1 / 663 .
  • 19. تفسير البرهان : 1 / 43 الحديث 32 .
  • 20. تفسير روح المعاني : 1 / 37 .
  • 21. سنن البيهقي : 2 / 43 ـ 47 .
  • 22. راجع كتب الخلاف للشيخ الطوسي : 1 / 102 مسألة 82 و سنن البيهقي : 2 / 44 ـ 46 و الدر المنثور : 1 / 7 ـ 8 و البيان في تفسير القرآن : 552 .
  • 23. الدر المنثور : 1 / 8 .
  • 24. نفس المصدر .
  • 25. ذكر « الحاكم » هذه الرواية في « المستدرك » : 1 / 233 و اعتدَّ بسندها ، و ورد نفس هذا المضمون بتفاوت ضئيل في « الدر المنثور » : 1 / 8 و تفسير « روح المعاني » : 1 / 39 .
  • 26. روح المعاني : 1 / 37 .
  • 27. تاريخ التمدن الاسلامي ( جرجي زيدان ) : 1 / 143 .
  • 28. مجمع البيان : 5 / 2 و هذا الحديث ذكره الفخر الرازي عن ابن عباس عن علي ( عليه السلام ) مع اختلاف يسير وقال ( عليه السلام ) هناك : لان بسم الله الرحمن الرحيم أمان و هذه السورة نزلت بالسيف و نبذ العهود وليس فيها أمان ( 15 / 216 ) .
  • 29. مجمع البيان : 5 / 1 .
  • 30. إثبات الهداة : 7 / 482 الحديث 79 ( مع قليل من التلخيص ) .
  • 31. كتاب نفحات القرآن بقلم جماعة من السادة العلماء : 26 ـ 40 .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى