مقالات

العصمة…

تنسحب أدلّة الإمامة کضرورة دينية في ضوء العقل على مسألة العصمة أيضا ً للتلازم الوثيق بين الإمام و العصمة کصفة جوهرية في دور الإمامة دينيا ً واجتماعيا.

ولأهمية الموضوع نستعرض بشکل مختصر الأدلّة العقلية مرّة اُخري. فقي الدليل الأوّل تم إثبات ان النوع الانساني يتحرّک نحو تکامله و أنّ الصراط المستقيم ما هو إلّا روح الشرائع الإلهية التي حملها الأنبياء الي البشر، و هي بذلک تمثل الطريق الحقيقي الذي لا يقبل التفکيک بين درجاته و حلقاته؛ وان غاية الحرکة التکاملية الممکنة بشريا ً تتجسد في روح الشريعة و منزلة الولاية ولا إمامة، و إن وجود فرد کامل بين ظهراني البشر ضرورة حياتية لاستمرار وديموتة الوجود الإنساني بأسره لأنّه المحل الذي ينعکس عنه الفيض الإلهي للحق تعالى، و هو يمثّل العلاقة بين عالمي الغيب و الشهادة.

وعلى هذا فإن العصمة ضرورة من ضرورات الإمامة لإنّها التجسيد الحي لتکامل الإمام و کامله و اعتباره المثال الحي لإمکانية البشر في سلوک الطريق القويم من خلال حرکة تکاملية يجسّد مسرتها الامام.

و ما دام الصراط المستقيم يرتبط ارتباطاً وثيقا ً لا يقبل الإنفکاك مع أحکام الدين، فإن کلّّ من يحيد عن حکم واحد سيکون خارجا ً عن الصراط، وبالتالي فلن يمثّل هذا الفرد بأيّ حال من الأحوال تکامل الإنسان و غاية النوع الإنساني.

وهذا أيضا ً ينسحب على الخطأ و النسيان وعدم احتمالهما في ذات الإمام لإنّهما يقودان الى ذات النتيجة الآنفة الذکر.

ولأجل استيعاب الدليل أکثر، أنصح القارئ بمراجعة الدليل الأوّل حول ضرورة الإمامة لإنّه سيسلّط الضوأ أکثر على جوانب الموضوع.

الدليل الثاني

قلنا في الدليل الثاني ان الهدف الإلهي لا ينحصر بمجرّد بعث الأنبياء و إبلاغ الرسل للشرائع لأن ذلك لايؤمن المسيرة التکاملية للنوع الإنساني، باعتبار ان فترة وجود النبي محدودة تنتهي بوفاته، بينما تبقي مسؤولية تطبيق الشريعة في حياة البشر لامسؤول. لقد اقتضي اللطف الإلهي أن يجتبي الله عزوجل أفرادا ًمن أجل تداوم غاية الأنبياء في حفظ الشريعة و مسؤولية تنقيذها و إقامة حکم الله.

ومن هنا يتوجب أن يکون المسؤولون عن إقامة دين الله معصومين عن الخطأ منزّهين عن الذنب و العصيان و الإثم ؛ ليجسدوا من خلال سيرتهم طريق الأنبياء و أهداف الشريعة، و هؤلاء الأفراد يتمّ اختيارهم من قبل الله عزوجل، فهم و اجبوا الطاعة بناءً علي ذلک.

إشکال

قد يورد البعض إشکالا ًحول نظرية العصمة بلزوم عصمة القضاة و الحکام لارتباطهم بالمعصوم في تنفيذ أحکام الدين، و إذا انتفي شرط عصمتهم في ذلك، فلماذا لاتنتقي ضرورة عصمة الإمام أيضا ً؟

الجواب

إن الدليل نهض علي ضرورة وجود إمام معصوم في رأس الهرم القيادي کمرجع يمثل حقيقة الدين ليکون بذلک ملاذا ً للمسلمين اذا ما تشابهت عليهم الطرق، لأنّه يمثل الصراط المستقيم، و بالتالي المعلم المضيء الذي يحدد طريق التکامل للإنسانية، و مدار بحثنا أن هناك مخاطر کبرى تترتب على وجود إنسان غير معصوم في رأس الهرم القيادي لا حتمال انحرافه عن الطريق، و بالتالي الجنوح بالاُمة إلى هاوية الشقاء.

فوجود إمام معصوم سوف يکفل للاُمة تشکيل حکومي صالح لقيادة المجتمع الإسلامي، لأنّه ينصب من يشاء و يعزل من يريد، و غايته في کلّّ ذلك تنفيذ و إقامة حکومة العدل الإلهيي بعيدا ًعن مطبّات الهوى و مزالق الأوهام.

الدليل الثالث

قلنا فيما سبق إنّ الأحکام و القوانين الإلهية إنّما جاءت لتکامل البشرية وتأمين السعادة للإنسان في حياته الدنيا و في الآخرة، و من هنا ينبغي بقاؤها سليمة من کلّّ تحريف حذفاً أو إضافةً، و بشکل تکون في متنأول البشر، حتى لا يبقي هناك عذر لمعتذر، و من هنا جعل الله للشريعة حَفَظة لايتطرق إليهم الخطأ والنسيان. ولو کانوا كسائر البشر فإن الشريعة ستکون في معرض للتغيّر والتبدّل والإنحراف.

والقرآن وحده لا يکفي لبيان الطريق لأنّ في أحکامه تعميما ً يصعب فهمه على سائر الناس، و فيه ما يحتاج الي تفسير و توضيح.

الدليل الرابع

الامام معلم للإنسانية، و قدوة لها؛ تتمثل خطاه و تنتهل من سيرته و هداه، ولا يکفي للمرء أن يکون امامه بليغا ً في الحديث جميلاً في العرض و الإسلوب، بل لابد أن يکون ثقة معتمدا، له منزلة في القلوب.

والإمام لا يحتل قلوب الناس و لا يجتذب حبّهم إلّا إذا أصبح قوله فعلاً، وکانت سيرته مثالاً منسجما ًمع کلماته؛ ليکون له في ذلك مصداق و شاهد على أحقيته، و في هذا فقط يمکنه أن ينفذ إلي القلوب فيفجر فيها کوامن العاطفة وينابيع الحب الصادق، لأن الناس لا يسحرهم الکلام فقط بل يتطلّعون الى صاحب الکلام الجميل أن يکون جميلا ً في عمله أيضاً. فالعمل و السلوک عمل، أسلوبا ًدعائيا ًعقيم التأثير؛ ان لم يکن سليبا ً في أثره.

وجماهير الاُمّة حساسة تماما ً في هذا المضمار تبحث في شخصية الإمام و سيرته لا أقواله و مواعظه، و إلاّ فما قيمة المواعظ مهما بلغت إذا کانت صادرة عن ظالم يحذّر الناس عواقب أعمالهم في الآخرة و هو غارق في الآثام مستغرق في دنياه يظلم و ينهب و يغتصب؟!

ومن هنا تعيّن علي الإمام أن يکون معصوما ًعن الخطأ والغفلة و النسيان فإن جازت عليه هذه الصفات لم يبق من اعتبار لحديثه لاحتمال الخطأ فيه، فتسقط الثقة عنه، بينما الهدف الإلهي هو إرشاد الإنسانية إلي جادّة الطريق1.

  • 1. من کتاب دراسة عامة في الامامة.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى