
قوله تعالى: «وَ هُوَ اَللّٰهُ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ فِي اَلْأَرْضِ» الآيتان السابقتان تذكران الخلق و التدبير في العوالم عامة و في الإنسان خاصة، و يكفي ذلك في التنبه على أن الله سبحانه هو الإله الواحد الذي لا شريك له في خلقه و تدبيره.
لكنهم مع ذلك أثبتوا آلهة أخرى و شفعاء مختلفة لوجوه التدبير المختلفة كإله الحياة و إله الرزق و إله البر و إله البحر و غير ذلك، و كذا للأنواع و الأقوام و الأمم المتشتتة كإله السماء و إله هذه الطائفة و إله تلك الطائفة فنفى ذلك بقوله: «وَ هُوَ اَللّٰهُ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ فِي اَلْأَرْضِ» .
فالآية نظيرة قوله: «وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلٰهٌ وَ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْعَلِيمُ» (الزخرف: ٨٤) مفادها انبساط حكم ألوهيته تعالى في السماوات و في الأرض من غير تفاوت أو تحديد، و هي إيضاح لما تقدم و تمهيد لما يتلوها من الكلام.
قوله تعالى: «يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ مٰا تَكْسِبُونَ» السر و الجهر متقابلان و هما وصفان للأعمال، فسرهم ما عملوه سرا و جهرهم ما عملوه جهرا من غير ستر.
و أما ما يكسبون فهو الحال النفساني الذي يكسبه الإنسان بعمله السري و الجهري من حسنة أو سيئة فالسر و الجهر المذكوران كما عرفت وصفان صوريان لمتون الأعمال الخارجية، و ما يكسبونه حال روحي معنوي قائم بالنفوس فهما مختلفان بالصورية و المعنوية، و لعل اختلاف المعلومين من حيث نفسهما هو الموجب لتكرار ذكر العلم في قوله: «يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ مٰا تَكْسِبُونَ» .
و الآية كالتمهيد لما ستتعرض له من أمر الرسالة و المعاد فإن الله سبحانه لما كان عالما بما يأتي به الإنسان من عمل سرا أو جهرا، و كان عالما بما يكسبه لنفسه بعمله من خير أو شر، و كان إليه زمام التربية و التدبير كان له أن يرسل رسولا بدين يشرعه لهداية الناس على الرغم مما يصر عليه الوثنيون من الاستغناء عن النبوة كما قال تعالى: «إِنَّ عَلَيْنٰا لَلْهُدىٰ» : (الليل: ١٢).
و كذا هو تعالى لما كان عالما بالأعمال و بتبعاتها في نفس الإنسان كان عليه أن يحاسبهم في يوم لا يغادر منهم أحدا كما قال تعالى: «أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجّٰارِ» : ( ص: ٢٨).
الميزان في تفسير القرآن ج٧ ص١١.
__
#محاسن_الكلام #مدرسة_أهل_البيت
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT



