محاسن الكلام

(٤){الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(١)}سورة الأنعام

١,١٤,٦,١١- ٥- فِي كِتَابِ اَلْإِحْتِجَاجِ‌ لِلطَّبْرِسِيِّ‌ (ره) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنُ اَلْعَسْكَرِيُّ‌ : ذُكِرَ عِنْدَ اَلصَّادِقِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ‌ اَلْجِدَالُ فِي اَلدِّينِ وَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ‌ وَ اَلْأَئِمَّةَ اَلْمَعْصُومِينَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ‌ قَدْ نَهَوْا عَنْهُ‌ فَقَالَ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ‌ : لَمْ يُنْهَ عَنْهُ مُطْلَقاً وَ لَكِنَّهُ نُهِيَ عَنِ اَلْجِدَالِ بِغَيْرِ اَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَمَا تَسْمَعُونَ قَوْلَ اَللَّهِ تَعَالَى.
«وَ لاٰ تُجٰادِلُوا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‌» وَ قَوْلُهُ تَعَالَى «اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‌ إِلَى أَنْ قَالَ‌ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ‌ وَ لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي اَلْبَاقِرُ عَنْ جَدِّي عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ زَيْنِ اَلْعَابِدِينَ‌ عَنْ أَبِيهِ‌ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ سَيِّدِ اَلشُّهَدَاءِ‌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ‌ : أَنَّهُ‌ اِجْتَمَعَ يَوْماً عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ‌ أَهْلُ خَمْسَةِ أَدْيَانٍ اَلْيَهُودُ وَ اَلنَّصَارَى وَ اَلدَّهْرِيَّةُ‌ وَ اَلثَّنَوِيَّةُ‌ وَ مُشْرِكُو اَلْعَرَبِ‌ إِلَى أَنْ قَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ‌.
ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‌ عَلَى اَلدَّهْرِيَّةِ‌ فَقَالَ‌ وَ أَنْتُمْ فَمَا اَلَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى اَلْقَوْلِ بِأَنَّ اَلْأَشْيَاءَ لاَ بَدْءَ لَهَا وَ هِيَ دَائِمَةٌ لَمْ تَزَلْ وَ لاَ تَزَالُ‌، فَقَالُوا لِأَنَّا لاَ نَحْكُمُ إِلاَّ بِمَا نُشَاهِدُ وَ لَمْ نَجِدْ لِلْأَشْيَاءِ مُحْدِثاً فَحَكَمْنَا بِأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ وَ لَمْ نَجِدْ لَهَا اِنْقِضَاءً وَ فَنَاءً فَحَكَمْنَا بِأَنَّهَا لاَ تَزَالُ‌، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‌ ، فَوَجَدْتُمْ لَهَا قِدَماً أَمْ وَجَدْتُمْ‌ لَهَا بَقَاءً أَبَدَ اَلْأَبَدٍ فَإِنْ قُلْتُمْ‌، اَنَّكُمْ وَجَدْتُمْ ذَلِكَ أنهضتم لِأَنْفُسِكُمْ اَنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا عَلَى هَيْئَتِكُمْ‌ وَ عُقُولِكُمْ بِلاَ نِهَايَةٍ وَ لاَ تَزَالُونَ كَذَلِكَ وَ لَئِنْ قُلْتُمْ هَذَا دَفَعْتُمُ اَلْعِيَانَ وَ كَذَّبَكُمُ اَلْعَالِمُونَ اَلَّذِينَ‌ يُشَاهِدُونَكُمْ؟ قَالُوا: بَلْ لَمْ نُشَاهِدْ لَهَا قِدَماً وَ لاَ بَقَاءَ أَبَدَ اَلْأَبَدِ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‌ فَلِمَ‌ صِرْتُمْ بِأَنْ تَحْكُمُوا بِالْقِدَمِ وَ اَلْبَقَاءِ دَائِماً لِأَنَّكُمْ لَمْ تُشَاهِدُوا حُدُوثَهَا وَ اِنْقِضَاؤُهَا أَوْلَى مِنْ‌ تَارِكِ اَلتَّمَيُّزِ لَهَا مِثْلَكُمْ فَيَحْكُمُ لَهَا بِالْحُدُوثِ وَ اَلاِنْقِضَاءِ وَ اَلاِنْقِطَاعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْ لَهَا قِدَماً وَ لاَ بَقَاءً‌ أَبَدَ اَلْأَبَدِ وَ لَسْتُمْ تُشَاهِدُونَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهَارَ وَ أَنَّ أَحَدَهُمَا بَعْدَ اَلْآخَرِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ‌، فَقَالَ‌: أَتَرَوْنَهُمَا لَمْ يَزَالاَ وَ لاَ يَزَالاَنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَالَ أَفَيَجُوزُ عِنْدَكُمُ اِجْتِمَاعُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ! فَقَالُوا: لاَ، فَقَالَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‌: فَاِذاً يَنْقَطِعُ أَحَدُهُمَا عَنْ اَلْآخَرِ فَيَسْبِقُ أَحَدُهُمَا وَ يَكُونُ اَلثَّانِي جَارِياً بَعْدَهُ قَالُوا كَذَلِكَ هُوَ فَقَالَ‌: فَقَدْ حَكَمْتُمْ بِحُدُوثِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لَيْلٍ وَ نَهَارٍ وَ لَمْ‌ تُشَاهِدُوهُمَا فَلاَ تُنْكِرُوا اَللَّهَ قَدْرَهُ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَتَقُولُونَ مَا قِبَلَكُمْ مِنَ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ مُتَنَاهٍ أَوْ غَيْرُ مُتَنَاهٍ فَإِنْ قُلْتُمْ غَيْرُ مُتَنَاهٍ فَقَدْ وَصَلَ إِلَيْكُمْ آخِرُ بِلاَ نِهَايَةٍ لِأَوَّلِهِ وَ إِنْ قُلْتُمْ‌ إِنَّهُ مُتَنَاهٍ فَقَدْ كَانَ وَ لاَ شَيْ‌ءَ مِنْهُمَا؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ لَهُمْ أَقُلْتُمْ إِنَّ اَلْعَالَمَ قَدِيمٌ غَيْرُ مُحْدَثٍ وَ أَنْتُمْ‌ عَارِفُونَ بِمَعْنَى مَا أَقْرَرْتُمْ بِهِ وَ مَعْنَى مَا جَحَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ‌ : فَهَذَا اَلَّذِي تُشَاهِدُونَهُ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ مُفْتَقِرٌ لِأَنَّهُ لاَ قِوَامَ لِلْبَعْضِ إِلاَّ بِمَا يَتَّصِلُ بِهِ‌، أَلاَ تَرَى اَلْبِنَاءَ مُحْتَاجاً بَعْضُ أَجْزَائِهِ إِلَى بَعْضٍ وَ إِلاَّ لَمْ يَبْقَ وَ لَمْ يَسْتَحْكِمْ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ مَا تَرَى قَالَ‌: فَإِذَا كَانَ هَذَا اَلْمُحْتَاجُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ لِقُوَّتِهِ وَ تَمَامِهِ هُوَ اَلْقَدِيمَ فَأَخْبِرُونِي أَنْ لَوْ كَانَ مُحْدَثاً كَيْفَ كَانَ يَكُونُ وَ مَا ذَا كَانَ تَكُونُ صِفَتُهُ قَالَ‌: فَبُهِتُوا وَ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ لِلْمُحْدِثِ‌ صِفَةً يَصِفُونَهُ بِهَا إِلاَّ وَ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا اَلَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ قَدِيمٌ فَوَجَمُوا وَ قَالُوا سَنَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‌ عَلَى اَلثَّنَوِيَّةِ‌ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَلنُّورَ وَ اَلظُّلْمَةَ هُمَا اَلْمُدَبِّرَانِ فَقَالَ‌: وَ أَنْتُمْ فَمَا اَلَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَا قُلْتُمُوهُ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا لِأَنَّا وَجَدْنَا اَلْعَالِمَ صِنْفَيْنِ خَيْراً وَ شَرّاً وَ وَجَدْنَا اَلْخَيْرَ ضِدّاً لِلشَّرِّ، فَأَنْكَرْنَا أَنْ يَكُونَ فَاعِلٌ وَاحِدٌ يَفْعَلُ اَلشَّيْ‌ءَ وَ ضِدَّهُ بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاعِلٌ أَلاَ تَرَى أَنَّ اَلثَّلْجَ مُحَالٌ أَنْ يُسَخَّنَ كَمَا أَنَّ اَلنَّارَ مُحَالٌ أَنْ تَبْرُدَ فَأَثْبَتْنَا لِذَلِكَ صَانِعَيْنِ‌ قَدِيمَيْنِ ظُلْمَةً وَ نُوراً، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ‌ : أَفَلَسْتُمْ قَدْ وَجَدْتُمْ سَوَاداً وْ بَيَاضاً وَ حُمْرَةً‌ وَ صُفْرَةً وَ خُضْرَةً وَ زُرْقَةً وَ كُلُّ وَاحِدٍ ضِدٌّ لِسَائِرِهَا لاِسْتِحَالَةِ اِجْتِمَاعٍ اِثْنَيْنِ مِنْهَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَمَا كَانَ اَلْحَرُّ وَ اَلْبَرْدُ ضِدَّيْنِ لاِسْتِحَالَةِ اِجْتِمَاعِهِمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ قَالُوا: نَعَمْ‌، قَالَ فَهَلْ‌ لاَ أَثْبَتُّمْ بِعَدَدِ كُلِّ لَوْنٍ صَانِعاً قَدِيماً لِيَكُونَ فَاعِلُ كُلِّ اَلضِّدِ مِنْ هَذِهِ اَلْأَلْوَانِ غَيْرَ فَاعِلِ ضِدِّ اَلْآخَرِ؟ قَالَ‌. فَسَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ‌: وَ كَيْفَ اِخْتَلَطَ هَذَا اَلنُّورُ وَ اَلظُّلْمَةُ وَ هَذَا مِنْ طَبْعِهِ اَلصُّعُودُ وَ هَذَا مِنْ طَبْعِهِ اَلنُّزُولُ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَخَذَ شَرْقاً يُمْشَى إِلَيْهِ وَ اَلْآخَرُ أَخَذَ غَرْباً أَكَانَ يَجُوزَ أَنْ‌ يَلْتَقِيَا مَا دَامَا سَايِرَيْنِ عَلَى وُجُوهِهِمَا؟ قَالُوا: لاَ، فَقَالَ‌: وَجَبَ أَنْ لاَ يَخْتَلِطَ اَلنُّورُ بِالظُّلْمَةِ‌ لِذَهَابِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي غَيْرِ جِهَةِ اَلْآخَرِ، فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ حَدَثَ هَذَا اَلْعَالَمِ مِنْ اِمْتِزَاجِ‌ مَا يُحَالُ أَنْ يَمْتَزِجَ بَلْ هُمَا مُدَبَّرَانِ جَمِيعاً مَخْلُوقَانِ؟ فَقَالُوا. سَنَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ‌ أَقْبَلَ عَلَى مُشْرِكِي اَلْعَرَبِ‌ فَقَالَ‌: وَ أَنْتُمْ فَلِمَ عَبَدْتُمُ اَلْأَصْنَامَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ؟ فَقَالُوا: نَتَقَرَّبُ‌ بِذَلِكَ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ‌: أَوَهِيَ سَامِعَةٌ مُطِيعَةٌ لِرَبِّهَا عَابِدَةٌ لَهُ حَتَّى تَتَقَرَّبُوا بِتَعْظِيمِهَا إِلَى اَللَّهِ؟ قَالُوا: لاَ، قَالَ‌: فَأَنْتُمْ اَلَّذِينَ نَحَتُّمُوهَا بِأَيْدِيكُمْ فَلَأَنْ تَعْبُدَكُمْ هِيَ لَوْ كَانَ‌ يَجُوزُ مِنْهَا اَلْعِبَادَةُ أَحْرَى مِنْ أَنْ تَعْبُدُوهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ أَمَرَكُمْ بِتَعْظِيمِهَا مَنْ هُوَ اَلْعَارِفُ‌ بِمَصَالِحِكُمْ وَ عَوَاقِبِكُمْ وَ اَلْحَكِيمُ فِيمَا يُكَلِّفُكُمْ؟ قَالَ‌: فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‌ هَذَا اَلْقَوْلَ‌ اِخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ‌: إِنَّ اَللَّهَ قَدْ حَلَّ فِي هَيَاكِلِ رِجَالٍ كَانُوا عَلَى هَذِهِ اَلصُّورَةِ فَصَوَّرْنَا هَذِهِ اَلصُّوَرَ نُعَظِّمُهَا لِتَعْظِيمِنَا تِلْكَ اَلصُّوَرَ اَلَّتِي حَلَّ فِيهَا رَبُّنَا وَ قَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ‌: إِنَّ هَذِهِ‌ صُوَرُ أَقْوَامٍ سَلَفُوا كَانُوا مُطِيعِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَبْلَنَا فَمَثَّلْنَا صُوَرَهُمْ وَ عَبَدْنَاهَا تَعْظِيماً لِلَّهِ وَ قَالَ‌ آخَرُونَ مِنْهُمْ‌، إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ‌ وَ أَمَرَ اَلْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ فَسَجَدُوهُ تَقَرُّباً لِلَّهِ كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ‌ مِنَ اَلْمَلَئِكَةِ‌، فَفَاتَنَا ذَلِكَ فَصَوَّرْنَا صُورَتَهُ فَسَجَدْنَا لَهَا تَقَرُّباً إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَرَّبَتِ اَلْمَلَئِكَةُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ‌ إِلَى اَللَّهِ‌، وَ كَمَا أُمِرْتُمْ بِالسُّجُودِ بِزَعْمِكُمْ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ‌ فَفَعَلْتُمْ ثُمَّ نَصَبْتُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ اَلْبَلَدِ بِأَيْدِيكُمْ مَحَارِيبَ سَجَدْتُمْ إِلَيْهَا وَ قَصَدْتُمْ اَلْكَعْبَةَ‌ لاَ مَحَارِيبَكُمْ وَ قَصْدُكُمْ بِالْكَعْبَةِ‌ إِلَى اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لاَ إِلَيْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ‌ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ‌ أَخْطَأْتُمُ اَلطَّرِيقَ وَ ضَلَلْتُمْ أَمَّا أَنْتُمْ وَ هُوَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يُخَاطِبُ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَللَّهَ يَحِلُّ فِي هَيَاكِلِ رِجَالٍ كَانُوا عَلَى هَذِهِ اَلصُّوَرِ اَلَّتِي صَوَّرْنَاهَا فَصَوَّرْنَا هَذِهِ اَلصُّوَرَ وَ نُعَظِّمُهَا لِتَعْظِيمِنَا لِتِلْكَ اَلصُّوَرِ اَلَّتِي حَلَّ فِيهَا رَبُّنَا-: فَقَدْ وَصَفْتُمْ رَبَّكُمْ بِصِفَةِ اَلْمَخْلُوقَاتِ‌، أَوَيَحِلُّ رَبُّكُمْ‌ فِي شَيْ‌ءٍ يُحِيطُ بِهِ بِذَلِكَ اَلشَّيْ‌ءِ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ إِذاً وَ بَيْنَ سَائِرِ مَا يَحِلُّ فِيهِ مِنْ لَوْنِهِ وَ طَعْمِهِ‌ وَ رَائِحَتِهِ وَ لِينِهِ وَ خُشُونَتِهِ وَ ثِقْلِهِ وَ خِفَّتِهِ وَ لِمَ صَارَ هَذَا اَلْمَحْلُولُ فِيهِ مُحْدَثاً وَ ذَلِكَ قَدِيماً دُونَ‌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحْدَثاً وَ هَذَا قَدِيماً وَ كَيْفَ يَحْتَاجُ إِلَى اَلْمَحَالِّ مَنْ لَمْ يَزَلْ قَبْلَ اَلْمَحَالِّ وَ هُوَ عَزَّ وَ جَلَّ‌ كَمَا لَمْ يَزَلْ‌، وَ إِذَا وَصَفْتُمُوهُ بِصِفَةِ اَلْمُحْدَثَاتِ فِي اَلْحُلُولِ فَقَدْ لَزِمَكُمْ أَنْ تَصِفُوهُ بِالزَّوَالِ‌، وَ مَا وَصَفْتُمُوهُ بِالزَّوَالِ وَ اَلْحُدُوثِ فَصِفُوهُ بِالْفَنَاءِ‌، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ مِنْ صِفَاتِ اَلْحَالِّ وَ اَلْمَحْلُولِ‌ فِيهِ‌، وَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُتَغَيِّرُ اَلذَّاتِ‌.
فَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَغَيَّرْ ذَاتُ اَلْبَارِي عَزَّ وَ جَلَّ بِحُلُولِهِ فِي شَيْ‌ءٍ جَازَ أَنْ لاَ يَتَغَيَّرَ بِأَنْ يَتَحَرَّكَ وَ يَسْكُنَ وَ يَسْوَدَّ وَ يَبْيَضَّ وَ يَحْمَرَّ وَ يَصْفَرَّ، وَ تَحُلَّهُ اَلصِّفَاتُ اَلَّتِي تَتَعَاقَبُ‌ عَلَى اَلْمَوْصُوفِ بِهَا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ جَمِيعُ صِفَاتِ اَلْمُحْدَثِينَ‌، وَ يَكُونَ مُحْدَثاً تَعَالَى عَنْ‌ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ‌ : فَاِذَا بَطَلَ مَا ظَنَنْتُمُوهُ مِنْ أَنَّ اَللَّهَ يَحِلُّ فِي شَيْ‌ءٍ فَقَدْ فَسَدَ مَا بَنَيْتُمْ عَلَيْهِ قَوْلَكُمْ قَالَ‌: فَسَكَتَ اَلْقَوْمُ وَ قَالُوا سَنَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى اَلْفَرِيقِ اَلثَّانِي فَقَالَ‌: أَخْبِرُونَا عَنْكُمْ إِذَا عَبَدْتُمْ صُوَرَ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اَللَّهَ فَسَجَدْتُمْ لَهَا وَ صَلَّيْتُمْ فَوَضَعْتُمْ اَلْوُجُوهَ‌ اَلْكَرِيمَةَ عَلَى اَلتُّرَابِ بِالسُّجُودِ لَهَا فَمَا اَلَّذِي بَقَّيْتُمْ لِرَبِّ اَلْعَالَمِينَ؟ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ مِنْ حَقِّ‌ مَنْ يَلْزَمُ تَعْظِيمُهُ وَ عِبَادَتُهُ أَنْ لاَ يُسَاوَى بِهِ عَبْدُهُ‌، أَرَأَيْتُمْ مَلِكاً أَوْ عَظِيماً إِذَا سَاوَيْتُمُوهُ‌ بِعَبِيدِهِ فِي اَلتَّعْظِيمِ وَ اَلْخُشُوعِ وَ اَلْخُضُوعِ أَيَكُونُ فِي ذَلِكَ وَضْعٌ مِنَ اَلْكَبِيرِ كَمَا يَكُونُ‌ زِيَادَةٌ فِي تَعْظِيمِ اَلصَّغِيرِ؟ فَقَالُوا نَعَمْ‌، قَالَ أَفَلاَ تَعْلَمُونَ اَنَّكُمْ مِنْ حَيْثُ تُعَظِّمُونَ اَللَّهَ بِتَعْظِيمِ‌ صُوَرِ عِبَادِهِ اَلْمُطِيعِينَ لَهُ تَزِرُونَ عَلَى رَبِّ اَلْعَالَمِينَ؟ قَالَ فَسَكَتَ اَلْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ قَالُوا.
سَنَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ‌ لِلْفَرِيقِ اَلثَّالِثِ‌: لَقَدْ ضَرَبْتُمْ لَنَا مَثَلاً وَ شَبَّهُونَا بِأَنْفُسِهِمْ‌ وَ لاَ سَوَاءٌ ذَلِكَ‌، إِنَّا عِبَادُ اَللَّهِ مَخْلُوقُونَ مَرْبُوبُونَ وَ نَأْتَمِرُ لَهُ فِيمَا أَمَرَنَا وَ نَنْزَجِرُ عَمَّا زَجَرَنَا وَ نَعْبُدُهُ مِنْ حَيْثُ يُرِيدُهُ مِنَّا، فَإِذَا أُمِرْنَا بِوَجْهٍ مِنَ اَلْوُجُوهِ أَطَعْنَاهُ وَ لَمْ نَتَعَدَّ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ‌ يَأْمُرْنَا وَ لَمْ يَأْذَنْ لَنَا لِأَنَّا لاَ نَدْرِي لَعَلَّهُ وَ إِنْ أَرَادَ مِنَّا اَلْأَوَّلَ فَهُوَ يَكْرَهُ اَلثَّانِيَ وَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَتَقَدَّمَ‌ بَيْنَ يَدَيْهِ‌، فَلَمَّا أَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى اَلْكَعْبَةِ أَطَعْنَا ثُمَّ أَمَرَنَا بِعِبَادَتِهِ بِالتَّوَجُّهِ نَحْوَهَا فِي سَائِرِ اَلْبُلْدَانِ اَلَّتِي نَكُونُ بِهَا، فَأَطَعْنَا فَلَمْ نَخْرُجْ فِي شَيْ‌ءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ اِتِّبَاعِ أَمْرِهِ‌، وَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَيْثُ أَمَرَنَا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ‌ لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ لِصُورَتِهِ اَلَّتِي هِيَ غَيْرُهُ فَلَيْسَ‌ لَكُمْ أَنْ تَقِيسُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ‌، لِأَنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ لَعَلَّهُ يَكْرَهُ مَا تَفْعَلُونَ إِذَا لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِهِ‌، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ‌ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَذِنَ لَكُمْ رَجُلٌ دُخُولَ دَارِهِ يَوْماً بِعَيْنِهِ أَلَكُمْ‌ أَنْ تَدْخُلُوهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ‌، أَوَلَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا دَاراً لَهُ أُخْرَى مِثْلَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ؟ أَوْ وَهَبَ‌ لَكُمْ رَجُلٌ ثَوْباً مِنْ ثِيَابِهِ أَوْ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ أَوْ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّهِ أَلَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ‌، قَالَ‌: فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوهُ أَخَذْتُمْ آخَرَ مِثْلَهُ؟ قَالُوا: لاَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَنَا فِي اَلثَّانِي كَمَا أَذِنَ فِي اَلْأَوَّلِ‌، قَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ‌: فَأَخْبِرُونِي اَللَّهُ أَوْلَى بِأَنْ لاَ يَتَقَدَّمَ عَلَى مِلْكِهِ‌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ بَعْضَ اَلْمَمْلُوكِينَ؟ قَالُوا: بَلِ اَللَّهُ أَوْلَى بِأَنْ لاَ يُتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ قَالَ‌: فَلِمَ قُلْتُمْ وَ مَتَى أَمَرَكُمْ اَنْ تَسْجُدُوا لِهَذِهِ اَلصُّوَرِ؟ قَالَ‌: فَقَالَ اَلْقَوْمُ سَنَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا، وَ قَالَ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ‌ : فَوَ اَلَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا أَتَتْ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ ثَلَثَةُ أَيَّامٍ‌ حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‌ فَأَسْلَمُوا، وَ كَانُوا خَمْسَةً وَ عِشْرِينَ رَجُلاً مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ خَمْسَةٌ‌ وَ قَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ حُجَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‌ وَ قَالَ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ‌ قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ‌ : فَأَنْزَلَ اَللَّهُ تَعَالَى: اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ‌ وَ اَلْأَرْضَ وَ جَعَلَ اَلظُّلُمٰاتِ وَ اَلنُّورَ ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ‌ وَ كَانَ فِي هَذِهِ اَلْآيَةِ رَدٌّ عَلَى ثَلَثَةِ أَصْنَافٍ مِنْهُمْ لَمَّا قَالَ‌: اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ‌ فَكَانَ رَادّاً عَلَى اَلدَّهْرِيَّةِ‌ اَلَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اَلْأَشْيَاءَ لاَ بَدْءَ لَهَا وَ هِيَ دَائِمَةٌ ثُمَّ قَالَ‌: «وَ جَعَلَ‌ اَلظُّلُمٰاتِ وَ اَلنُّورَ» فَكَانَ رَدّاً عَلَى اَلثَّنَوِيَّةِ‌ اَلَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اَلنُّورَ وَ اَلظُّلْمَةَ هُمَا اَلْمُدَبِّرَانِ ثُمَّ‌ قَالَ‌، «ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ‌» فَكَانَ رَدّاً عَلَى مُشْرِكِي اَلْعَرَبِ‌ اَلَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ‌ أَوْثَانَنَا آلِهَةٌ‌، و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .

تفسير نور الثقلين ج١ ص٦٩٦.
__
#محاسن_الكلام #مدرسة_أهل_البيت

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى