محاسن الكلام

{وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَ مَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ(٦٩)}يس

حاول أعداء اللّه و الحق تكذيب محمد (ص) بشتى الوسائل، من ذلك قولهم: أنه مجنون.

فقال قائل منهم، و هو الوليد بن المغيرة الذي عاش و مات على الكفر، قال: «كلا، أن لقوله – يريد القرآن – لحلاوة، و أن عليه لطلاوة، و أن أعلاه لمثمر، و أن أسفله لمغدق، و أنه يعلو و لا يعلى عليه».

فعدلوا عن رمي رسول اللّه بالجنون إلى القول: هٰذٰا سٰاحِرٌ كَذّٰابٌ – ٤ ص.

و لما استبان أنهم هم الكاذبون قالوا: كاهن يخطئ و يصيب أو شاعر حلو الكلام خصب القريحة و الخيال.

و تجدر الإشارة إلى أن اتهامهم الرسول الأعظم (ص) بالشعر يدل على أن الشعر عند العرب لا يحده الوزن و القافية، بل هو أوسع و أشمل.. أنه التعبير الفني و جماله موزونا كان أم غير موزون، و كذلك هو عند الفلاسفة القدامى، قال صاحب تفسير روح البيان: «الشعر عند الحكماء القدماء ليس على وزن و قافية، و لا هما ركن من أركانه عندهم».. و شاعت هذه الفكرة اليوم في الدراسات الأدبية و النقدية، و آمن بها كثير من أساتذة الأدب الحديث.

و قد رد سبحانه اتهام نبيه الكريم بالشعر و الكهانة في العديد من الآيات، منها: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَ مٰا هُوَ بِقَوْلِ شٰاعِرٍ قَلِيلاً مٰا تُؤْمِنُونَ وَ لاٰ بِقَوْلِ كٰاهِنٍ‌ قَلِيلاً مٰا تَذَكَّرُونَ – ٤٠ الحاقة.

و منها: فَمٰا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكٰاهِنٍ وَ لاٰ مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شٰاعِرٌ – ٢٩ الطور.

و منها ما حكاه سبحانه عن المشركين: أَإِنّٰا لَتٰارِكُوا آلِهَتِنٰا لِشٰاعِرٍ مَجْنُونٍ – ٣٦ الصافات. و منها: بَلْ هُوَ شٰاعِرٌ – ٥ الأنبياء.

و منها الآية التي نحن بصددها وَ مٰا عَلَّمْنٰاهُ اَلشِّعْرَ وَ مٰا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّٰ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ اَلْقَوْلُ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ .
المراد بالحي هنا من أحيا عقله بالتدبر و التأمل، و تفتّح قلبه للحق و الخير، و بالقول كلمة العذاب تماما كقوله تعالى: وَلٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اَلْعَذٰابِ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ – ٧١ الزمر.. قال المشركون: القرآن الذي جاء به محمد (ص) ما هو إلا شعر يعبر عن تفكيره و خياله، و ليس بوحي من عند اللّه.. فردّ عليهم سبحانه بأن الشعر يرتكز على عاطفة الشاعر و ميوله و أهوائه، يناصر يحب و إن كان مبطلا، و يقاوم من يكره و إن كان محقا، و القرآن هو القول الجد و الفصل، و ما هو بالهوى و الهزل، هو كتاب عقيدة و شريعة، و أخلاق و عظات، و فيه علم و فكر، و أين الشعر من ذلك‌؟.

و لو كان القرآن من صنع محمد (ص) لبث فيه آلامه و أحزانه و حياته و أزماته، تماما كما هو شأن الشعراء.. مع العلم بأن القرآن في معزل عن مشاكل محمد (ص) و مشاغله.

بقي أن نشير إلى أن النبي (ص) كان يقدر الشعر و يحترمه كفن له أثر إيجابي في التعبير عن رغبات الجماهير و أمانيها.. و قد اشتهر أنه قال: «إن من البيان لسحرا، و إن من الشعر لحكمة».

و كان يدعو بالتوفيق و التسديد للشعراء الذين ناصروا الحق و أهله.. و خلع بردته على كعب بن زهير تكريما له حين مدحه بقصيدته الشائعة الذائعة المعروفة بقصيدة البردة، و مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم أثرها لم يفد مكبول و منها: أن الرسول لنور يستضاء به و صارم من سيوف اللّه مسلول أنظر تفسير الآية ٤ من السورة التي نحن بصددها، فقرة «الموسيقى الباطنية في القرآن»، و تفسير الآية ٢٢٤ من سورة الشعراء
ج٥ ص٥٢٤.

التفسير الكاشف
(محمد جواد مغنية)
ج٦ ص٣٢٢
__

رمضان
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى