محاسن الكلام

{فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ(٥٩)}الذاريات

هؤلاء يشاركون أصحابهم في عذاب اللّه:
الآيتان آنفتا الذكر اللتان هما آخر سورة الذاريات، و هما في الحقيقة نوع من الاستنتاج للآيات المختلفة الواردة في السورة ذاتها و لا سيّما الآيات التي تتحدّث عن الأمم السالفة كقوم فرعون و قوم لوط و ثمود و عاد، و كذلك الآيات السابقة التي كانت تتحدّث عن الهدف من الخلق و الإيجاد.

فالآية الاولى تقول أنّه بعد أن أصبح معلوما أنّ هؤلاء المشركين قد انحرفوا عن الهدف الحقيقي للخلقة، فليعلموا أنّ لهم قسطا وافرا من العذاب الإلهي كما كان للأقوام السالفة: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحٰابِهِمْ فَلاٰ يَسْتَعْجِلُونِ‌ ..

و يقولوا إن كان عذاب اللّه حقّا فلم لا يصيبنا؟! و التعبير ب‍ «الظلم» في شأن هذه الجماعة هو لأنّ الشرك و الكفر من أكبر الظلم، و لأنّ حقيقة الظلم هي وضع الشيء في غير موضعه المناسب، و من المعلوم أنّ عبادة الأصنام مكان عبادة اللّه تعدّ أهمّ مصداق للظلم، و لذلك فهم يستحقّون العاقبة التي نالها الأقدمون من المشركين.

«الذنوب»: على وزن قبول في الأصل معناه «الفرس التي لها ذنب طويل»، كما تطلق الكلمة ذاتها على الدلو الكبير التي لها ذنب.

و كان العرب في السابق ينزحون ماء البئر بواسطة الحيوانات بأن يهيّئوا دلاء عظيمة متّصلة بحبال تعين على سحب الدلاء المملوءة بالماء.

و حيث كانت هذه الدلاء تقسّم أحيانا على الجماعات حول البئر، فتنال كلّ مجموعة دلوا أو أكثر، فقد استعملت هذه الكلمة بمعنى النصيب و السهم أيضا، و هي في الآية محل البحث بهذا المعنى أيضا، غاية ما في الأمر أنّها هنا تشير إلى السهم الكبير .

و هل المراد من هذه الكلمة في هذه الآية التهديد بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة‌؟ قال جماعة من المفسّرين بالمعنى الأوّل، و قال آخرون بالمعنى الثاني.

و نرى أنّ القرائن تدلّ على أنّ هذا العذاب هو العذاب الدنيوي، لأن العجلة لدى بعض الكفّار هي أنّهم كانوا يقولون للنبي: متى هذا الوعد.. و أين عذاب اللّه..و لم لا يأتينا.. إلخ.
فمن الواضح أنّه إشارة إلى عذاب الدنيا هذا أوّلا.

و ثانيا إنّ التعبير ب‍ مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحٰابِهِمْ‌ الظاهر أنّه إشارة إلى عاقبة الأمم المتقدّم ذكرها في هذه السورة كقوم لوط و قوم فرعون و عاد و ثمود الذين نال كلاّ منهم نوع من العذاب في الدنيا و هلكوا به جميعا.

و هنا ينقدح هذا السؤال، و هو إذا كانت الآية تشير إلى عذاب الدنيا فلم لا يتحقّق الوعد الإلهي في شأنهم‌؟! و هذا السؤال له جوابان:
١- إنّ هذا الوعد تحقّق في شأن كثير منهم كأبي جهل و جماعة آخرين في غزوة بدر و غيرها.

٢- نزول العذاب على جميعهم مشروط بعدم الرجوع نحو اللّه و عدم التوبة من الشرك، و لما آمن معظمهم في فتح مكّة.. فإنّ هذا الشرط أصبح منتفيا فلم ينزل عذاب اللّه.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١٧ ص١٤٤.
__

مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى