مقالات

أسلمة الحداثة أم تحديث الإسلام…

وردت هذه التسمية كاملة أو ناقصة في عدد من المؤلفات التي تطرقت أو عالجت موضوع الإسلام والحداثة، فقد أشار إليها الدكتور عبد المجيد الشرفي في كتابه (الإسلام والحداثة) الصادر سنة 1990م، وعنون بها القسم الثاني من هذا الكتاب، وأشار إليها بشكل مختلف في كتاب آخر له بعنوان (تحديث الفكر الإسلامي) الصادر سنة 1998م.
كما وردت هذه التسمية أيضاً على لسان الدكتور محمد الطالبي في كتابه (عيال الله)، وأشار إليها كذلك المغربي الشيخ عبد السلام ياسين في كتاب صدر له باللغة الفرنسية بعنوان (أسلمة الحداثة)، وصولاً إلى كتاب الأكاديمي الباكستاني فضل الرحمن (الإسلام وضرورة التحديث) الصادر في ترجمته العربية سنة 1993م.
ولعل الدكتور عبد المجيد الشرفي هو أكثر من توقف أمام هذه التسمية الإشكالية، حيث تعمد كما يقول في كتابه (الإسلام والحداثة) استعمال هذه الصيغة الاستفهامية لمفهومي الأسلمة والتحديث، لأنهما يبدوان له القطبين الرئيسيين اللذين تدور حولهما مختلف الرؤى للحلول التي يرتضيها المفكرون العرب، عندما يطرحون المشاكل المتولدة عن الأوضاع التاريخية التي يعيشونها، وعن تحديات الحداثة في أبعادها الفكرية والعملية.
وأسلمة الحداثة قد تعني في نظر الدكتور الشرفي، إضفاء لباس إسلامي على أمور لم تنشأ في وسط إسلامي، وليس نتيجة تطور ذاتي للفكر والمجتمع الإسلاميين، فهي من هذه الوجهة عملية تبريرية ضمنية أو واعية، تتخذ أشكالاً عديدة من البحث في التراث والتاريخ عن مسارات مماثلة إلى نفي الخصوصية الغربية عن القيم والعلوم والمخترعات التي أنتجها الغرب، مروراً بالتوفيق بينها وبين المبادئ الإسلامية. وقد تعني كذلك محاولة انتقاء الأصلح ورفض الفاسد من الحضارة الغربية، أو قبول المنجزات المادية دون الأسس الفلسفية التي قامت عليها هذه المنجزات.
أما تحديث الإسلام فيرى الدكتور الشرفي أنه مفهوم له أنصاره المتحمسون، وله خصومه المعادون، يدعو له من يميز بين الدين وفهم الدين، ويعارضه من لا يرى في الإسلام سوى بعده الإلهي المفارق.
وما بين مفهومي أسلمة الحداثة وتحديث الإسلام، يظهر الدكتور الشرفي أقرب ميلاً وحقيقة وانتصاراً لمفهوم تحديث الإسلام، وهذا ما تجلى أيضاً بوضوح كبير في كتابه (تحديث الفكر الإسلامي).
وفي هذا التساؤل (أسلمة الحداثة أم تحديث الإسلام) يكمن منشأ الالتباس، ويتأكد هذا الالتباس من التحديدات التي أشار إليها الدكتور الشرفي عند توضيحه لكلا المفهومين.
وأساساً ليس من الصواب أسلمة الحداثة، لأن الحداثة لا تتأسلم، وهي عصية بطبعها على هذه الأسلمة، وليس المطلوب أسلمة الحداثة. وليس من الصواب كذلك تحديث الإسلام، لأن الإسلام ليس شأناً ماضياً، أو شأناً قديماً، أو بالياً، وليس تراثاً حتى يحتاج إلى تحديث، وليس المطلوب تحديث الإسلام.
وما هو مطلوب في هذا الشأن، هو العمل على توليد الحداثة من الإسلام، وليس أسلمة حداثة الغير، وهذه الأسلمة ليس ممكنة كما أشرت، أو تحديث الإسلام بحداثة الغير، وهذا ليس ممكناً كذلك.
ويبقى أن القضية المحورية في أي حديث عن الإسلام والحداثة، هو كيف نستنبط من الإسلام حداثة، بوصفه الدين الذي جاء للعالمين، وخاطب الناس كافة، وبوصفه خاتم الديانات السماوية ومصدقاً ومهيمناً عليها، وصالحاً لكل زمان ومكان إلى قيام يوم الدين، وهذه القضية هي جوهر المسألة الفكرية في علاقة الإسلام بالعصر!1

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الخميس / 4 يونيو 2009م، العدد 15622.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى