مقالات

المعصومين(ع)…

خطان يمكن للباحث أن يلحظهما في التعامل مع المعصومين عليهم السلام ، بالرغم من كونهما على طرفي نقيض إلا انهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة ، هي إخراج الناس من محيط الاتباع و الاقتداء .
خطان يخرجان من الحد الوسط ، و الجادة إلى حاشيتي الطريق ، إفراطا و تفريطا .
هذان الخطان هما : الغلو و التقصير .
و نظرا لعلاقة هذا الموضوع الأكيدة ببحثنا فإننا سوف نتناوله بشيء من التفصيل ذلك أننا ندرس الحياة الشخصية بمختلف جوانبها في حياة المعصومين عليهم السلام لكي ننطلق منها إلى معرفة النمط المطلوب دينياً ، و نحاول أن نتمثله في حياتنا كما أوضحنا في المقدمة ، هذه العملية تعتمد على تكوين ( الاتباع و الاقتداء ) كعلاقة نهائية بين الأمة و بين المعصومين ، و هذه العلاقة لا يمكن أن تتكرس في ظل سيادة نظرة الغلو ، و لا التقصير . ذلك ان المغالي كما سيتبين ـ لاحقا ـ لا يغالي إلا و هو مصمم على عدم الاتباع ، فيرفع درجة الشخص إلى مراتب لا يدعيها الشخص لنفسه ، فيخرجه من حالته البشرية إلى نموذج ( إله ـ أو نصف إله ) و حينئذ لا يطالب نفسه بالاقتداء به ، و أما المقصر فلأنه لا يعتقد بأن هذا الشخص يختلف عنه كثيراً فلماذا يقتدي به ؟!
و يظهر من عدد من الأحاديث إشارات إلى هذين الصنفين ، و إن كان التأكيد يكثر في ذم الغلاة ، و ذلك للخطر الاستثنائي الذي يمثله هؤلاء على العقيدة ، ما لا يمثله المقصرون .
ـ فعن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) انه قال : يا علي مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم احبه قوم فأفرطوا فيه و ابغضه قوم فأفرطوا فيه ، فنزل الوحي ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ 1 2 .
ـ و عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يهلك فيَّ اثنان محب غال و مبغض قال .
ـ و عن أمير المؤمنين أيضا ( عليه السلام ) : يهلك فيَّ رجلان محب مفرط يقرظني بما ليس لي ، و مبغض يحمله شنآني على أن يبهتني 3 .
و كما ذكرنا آنفا فإن الغلو كان الداء الأخطر و الأكثر الذي ابتلي به المعصومون عليهم السلام من قبل الجهلة ، و الخاطئين ، و سوف نتحدث عن هؤلاء عند الحديث عن دوافع الغلو و بواعثه .
فقد جاء رجل إلى رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ، و قال له :
سلام عليك يا ربي !! فقال له الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : مالك لعنك الله ربي و ربك الله ، أما والله لكنت ما علمتك لجباناً في الحرب لئيماً في السلم 4 .
و اختص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بمجموعة لم تستطع إدراك سر عظمته ولم ينته عقلها إلى إمكان وجود هذه العظمة في بشر مثلهم فألهوه ، و لذلك احرقهم بالنار . فقد روي أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مر عليهم وهم يأكلون في شهر رمضان نهاراً ، فقال لهم : أسفر ( مسافرون ) أم مرضى ؟! قالوا : و لا واحدة منهما !!
قال : أفمن أهل الكتاب انتم ؟! قالوا : لا .
قال : فما بال الأكل في شهر رمضان نهاراً ؟! قالوا : أنت ! أنت . .
ولم يزيدوا عن ذلك ، ففهم مرادهم ، فنزل عن فرسه ، فالصق خده بالتراب ثم قال :
ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله فاتقوا الله و ارجعوا إلى الإسلام فأبوا فدعاهم مرارا ، فأقاموا على أمرهم ، فنهض عنهم ، ثم قال شدوهم وثاقاً و علي بالفعلة و النار و الحطب ، ثم أمر بحفر بئرين فحفرتا فجعل احداهما سربا ، و الأخرى مكشوفة و ألقى الحطب في المكشوفة و فتح بينهما فتحاً و ألقى النار في الحطب فدخن عليهم و جعل يهتف بهم و يناشدهم : ارجعوا إلى الإسلام فأبوا فأمر بالحطب و النار ، و ألقي عليهم فاحترقوا ، فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حمما 5 .
و يظهر أن هذه المجموعة وإن انتهت بأشخاصها إلا أن منحى الغلو استمر لفترات متأخرة حيث نجد رجلا يسأل الإمام الرضا عليه السلام محتجا بقول ينتهي إلى الغلو في أمير المؤمنين و سيأتي نص جواب الإمام عليه السلام . و يظهر أن الإمام الصادق عليه السلام قد ابتلي أيضا بفئة أخرى من هؤلاء الغلاة ، فقد قام بعضهم يلبي باسم الإمام ( يقولون لبيك ) فلما أخبر بذلك خر ساجدا إلى الأرض و هو يبكي ، و يلوذ بإصبعه و يقول : بل عبد الله ، قنّ داخر ، يقول ذلك مراراً كثيرة ثم رفع رأسه و دموعه تسيل على لحيته ، قال مصادف ( احد مواليه ) فندمت على إخباره ، و قلت له : جعلت فداك و ما عليك أنت من ذا ؟!
فقال : يا مصادف إن عيسى لو سكت عما قالت النصارى فيه لكان حقا على الله أن يصم سمعه و يعمي بصره ، و لو سكت عما قال ابو الخطاب ( احد الغلاة ) لكان حقا على الله أن يصم سمعي و يعمي بصري 6 .
و هكذا الحال نجد أن عددا من الانتهازيين ممن صنعوا مذهب الواقفة ، اضطرهم ذلك إلى القول باستمرار حياة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام تلك لم تكن إلا نماذج لأنماط غلو الجهال في حياة المعصومين عليهم السلام ننطلق منها للحديث عن دوافع الغلو ، و عوامله .

عوامل نشوء الغلو

1 ـ عدم المعرفة أو المعرفة الناقصة

المراقب لموقع المفاهيم في الثقافة الإسلامية يجد أن المعرفة الصحيحة تحتل أهم المواقع ، فحركة الإنسان الحياتية مرهونة في صحتها أو خطئها بالمعرفة التي يحملها ، إذ ( ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة ) ، ولهذا السبب يقيم المرء طبقاً لمعرفته ، قبل تقييم عمله ، فكم من عامل يجهد نفسه في العمل ولكنه يخطى الاتجاه لأنه ناقص المعرفة ولذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام : ( لا تستعظمنّ أحدا حتى تستكشف معرفته ) ، و يتم تصنيف الاتباع لا على مقدار ممارساتهم العبادية فقط ، وإنما على قدر معرفتهم ويقينهم ( اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم و معرفتهم ) ، بل إن العبادة تختلف فهي من العارف أفضل في قيمتها عن عبادة قليل المعرفة أو الشاك إلى درجة أن يكون ( نوم على يقين خير من عبادة على شك ) .
و أثر المعرفة في السلوك والعمل يدرك بملاحظة آثار الجهل الوخيمة في حركة الإنسان ذلك انك ( لا ترى الجاهل إلا مفرطاً أو مفرطاً ) 7 .
و كما أن المعرفة الصحيحة تؤثر في ( حركة ) الإنسان ، فإن تأثيرها في ( عقيدته ) اكثر أهمية . ذلك أن العقيدة هي الإطار العام لحركة الإنسان ، بل هي محتوى حياته . و بقدر ما تكون عقيدته سليمة ، تكون حياته سعيدة ، لذلك أمر الله الناس بالاستجابة لرسله لأنهم يدعون البشر إلى ما فيه خيرهم و سعادتهم وحياتهم ( يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) . و نحن نجد أن من أهم الدعوات التي يسألها المؤمن ربه ، دعوات المعرفة ( اللهم عرفني نفسك فانك إن لم تعرفني نفسك لم اعرف نبيك ، اللهم عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني نبيك لم اعرف حجتك ، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني ) . و هذا التسلسل البديع في معرفة الله ، ثم معرفة الرسول ثم معرفة الحجة والإمام ، يبين احد الأسباب التي ضل لأجلها من ضل إذ انهم في إحدى حلقات هذه السلسلة لم يتوفقوا للمعرفة الصحيحة و الكاملة ، فالذين لم يعرفوا الله حق معرفته ، لم يقدروه حق قدره ، فانحرفوا عن الجادة من بدايتها ، و أولئك الذين لم يعرفوا الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) لم يسلموا له لذلك أعلنوا عليه الحرب ، و أولئك الذين لم يعرفوا الإمام معرفة صحيحة انقسموا إلى ( محب غال و مبغض قال ) .
في هذا المجال وجدنا أن عدم المعرفة نهائيا أو المعرفة الناقصة أدت بهؤلاء الناس إلى الغلو ، خصوصا انهم جهلوا أسرار الفضل و التفوق في شخصيات المعصومين فرفعوا المعصومين ( عليهم السلام ) فوق مرتبة البشر ( الأمر الذي لم يكن يدعيه المعصومون بل يلعنون من يصنع ذلك ) .
هؤلاء لم يستطيعوا الجمع بين ( بشرية ) الأنبياء و الأئمة ، و بين ( جامعيتهم ) للمناقب و الفضائل فسلكوا احد طريقين لإراحة البال من عناء التفكير و الجمع بين هاتين النقطتين المشكلتين فالبعض سلك طريق التفريط و التقصير ، فكذب ما ورد بحق تلك الصفوة من البشر ، زاعما أن ما ورد أكاذيب ، و انه لا فرق بينهم و بينه ، فكيف لا يستطيع هو أن يتخلص من قيود الهوى و أغلال المادة بينما يستطيع أولئك التحليق في سماء الفضائل ، و هكذا وجد ( المبغض القالي ) ، و البعض الآخر أراح نفسه بان أوجد تبريرا يرضي به ضميره ، و ذلك بأن اعتقد أن هؤلاء لا يحملون هذه الصفات ، و لا يتمثلون تلك الفضائل إلا و هم يحملون روحاً أخرى ( إلهية مثلاً ) و إنهم ليسوا بشرا ، إذ البشر يخضع للهوى و الجسد ، و يحد بحدود الزمان و المكان ، و هؤلاء ليسوا محدودين !! و هكذا نشأ ( المحب الغالي ) ، الذي صدق و لكنه لم يستطع أن يعرف و ان يوفق بين بشرية المعصومين و جامعيتهم للفضائل .

2 ـ الأحاديث المتشابهة

في القرآن الكريم توجد ﴿ … آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ … ﴾ 8 و المحكمات هي التي يستطيع الغالب فهمها و معرفة مؤدياتها و معانيها ، بينما المتشابهات تلك التي لا يستطيع معرفة معانيها غير من أنزلت عليهم و الراسخين في العلم ، و كل ذلك بتعليم الله سبحانه .
و وظيفة عموم الناس في ما يرتبط بالمتشابهات ردها إلى الله ثم إلى الرسول و خلفائه و العمل بهذه الآيات المتشابهات ـ من قبل الرجوع إلى الله و إلى الرسول ـ ليس فقط لا يهدي بل يوبق و يهلك .
و كما في القرآن الكريم آيات محكمة و أخرى يغلق فهمها على غير الراسخين في العلم ، كذلك في الأحاديث و الآثار ، فمنها ما يستطيع فهمه غالب من يسمعه و منها ما لا يستطيع إلا العلماء .
و كما كانت وظيفة العموم في ما يرتبط بمتشابه القرآن رده إلى الله و إلى الرسول فإن الوظيفة هنا كذلك ـ مع حفظ النسبة بين الآيات و الأحاديث لجهة قطعية الصدور في الأولى و حاجة الثانية للتحقيق ـ فلا يجوز رد الآثار و الأحاديث لمجرد أن عقولنا لا تبلغ أو لا تصدق و إنما ترد إلى العلماء بها ، و المشكلة هي حين يقوم غير الخبراء بالتعاطي مع هذه الأحاديث و تفسيرها حسب مدركاتهم ، فيفسدون و لا يصلحون .
و ما نحن فيه هو من هذا القبيل ذلك فلو أخذنا مثالا هو الغلاة أيام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، يقول ابن ابي الحديد ” لما ظهر من أخباره بالمغيبات حالا بعد حال ، قالوا : ان ذلك لا يمكن أن يكون إلا من الله تعالى ، أو من حلت ذات الإله في جسده ، ولعمري انه لا يقدر على ذلك إلا بأقدار الله تعالى إياه عليه ، و لكن لا يلزم من أقداره إياه عليه أن يكون هو الإله أو تكون ذات الإله حالة فيه ، و تعلق بعضهم بشبهة ضعيفة نحو قول عمر و قد فقأ علي عين إنسان ألحد في الحرم : ما اقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله !! و نحو قول علي : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة الهية ، و نحو قول رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : ( لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، و نصر عبده و اعز جنده و هزم الاحزاب وحده ) و الذي هزم الاحزاب هو علي بن ابي طالب لانه قتل شجاعهم و فارسهم عمرا لما اقتحم الخندق فاصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مغلوبين من غير حرب سوى قتل فارسهم” 9 .
و هكذا ما أثر عن النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قوله : اتاكم علي في السحاب ، فتصور هؤلاء جهلا بأن المقصود من كلامه أنه اتى في الغيوم و السحب ، بينما إشارة الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم أ إلى لبس علي ( عليه السلام ) عمامة سوداء اهداها الرسول اياه و كان يسميها السحاب ؟!

3 ـ مصلحة المغالين

يضاف إلى عدم المعرفة و متشابهات الأحاديث ، ان عددا من الغلاة كانوا ( ملكيين اكثر من الملك ) فبالرغم من انهم كانوا ينهون من قبل المعصومين ( عليهم السلام ) من دعواتهم في المرحلة الاولى و في مراحل أخرى يلعنون و يطردون و يتبرأ منهم ، إلا انهم لا ينفكون متعلقين بدعوتهم ، هنا لا بد من التفتيش عن المصلحة ، فهؤلاء لو كان دافعهم غير المصلحة المادية أو الشهرة الاجتماعية و الرئاسة لكانوا بذلك النهي ، بل بتلك البراءة يتركون دعواتهم و ينصرفون عنها ، و لكن ما دامت هذه الدعوة تحقق لهم وجودا اجتماعيا ، و التفافا من قبل السذج و البسطاء من الناس ، فلم لا يستمرون فيها ؟!
بل كان الغلو نوعا من الهروب عن الالتزام الديني ، فالمغالي يبدأ بتقديس الرسول أو الإمام و يرفعه فوق درجته بأن يجعله نبياً أو رباً ـ و العياذ بالله ـ ثم ينصب نفسه باباً و طريقاً وحيداً اليه ، و يفرض على من يؤمن بدعوته أن يؤمن به باباً للإمام أو نبيا لذلك الرب !! ثم يبدأ باسقاط التكاليف عن نفسه و عن من يتبعه واجبا تلو الاخر . و لو نظرنا إلى ما سطره التاريخ من حركات الغلو وجدنا انها انتهت إلى حركات اباحية و مذاهب غير ملتزمة .
فالغلاة في أيام امير المؤمنين ( عليه السلام ) يفطرون ايام شهر رمضان من غير مرض و لا سفر ثم يدعون : أنت أنت !!
و هم انفسهم في وقت متأخر ـ ايام الإمام الحسن العسكري ـ تجدهم يتأولون تاويلات باطلة لنفي التكاليف ، فهم يقولون : ان الصلاة معناها رجل ، لا ركوع و لا سجود ، و كذلك الزكاة معناه رجل لا عدد دراهم و لا اخراج مال ، و ترقوا في ذلك حتى اسقطوا الواجبات و احلوا المحرمات و اباحوا نكاح المحارم !!
و قد فضح أهل البيت عليهم السلام هذا الهدف الذي يسعى له الغلاة ، الا و هو اسقاط التكاليف الدينية و حذروا منها .
فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) إنه قال : احذروا على شبابكم ، الغلاة لا يفسدوهم فان الغلاة شر خلق الله ، يصغرون عظمة الله و يدعون الربوبية لعباد الله ، والله ان الغلاة شر من اليهود و النصارى و المجوس الذين اشركوا . . ثم قال :
الينا يرجع الغالي فلا نقبله ، و بنا يلحق المقصر فنقبله . . قيل له : كيف يا ابن رسول الله ؟!
قال : الغالي قد اعتاد على ترك الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج فلا يقدر على ترك عادته ابدا و المقصر إذا عرف عمل و اطاع 10 .

4ـ و عوامل ا خرى

و لأننا لا نريد أن نمحض البحث لموضوع الغلو و عوامله لذلك سنشير اليها اشارة عابرة . فمن العوامل المساعدة على نشوء الغلو تسرب ( و تسريب ) الافكار الاجنبية عن العقيدة الاسلامية الى المجتمع الاسلامي . . ذلك أن عمليات الفتح الاسلامي للبلاد المجاورة جعلت شعوب تلك المناطق يختلطون بسهولة بالمسلمين و حصل في هذا الاختلاط الاجتماعي تبادل ثقافي ، فكما اثر المسلمون في شعوب تلك المناطق و اقنعوها بالدين ، فإن عقائد تلك الشعوب وجدت طريقا كي تختلط بعقائد المسلمين لابسة من جديد ثوب الاسلام ، إضافة إلى حركات التوجيه التي نشطت حينئذ كان لها دور كبير في هذا ( التسرب ) ، فقد كان إضافة إلى هذا ( التسرب ) عملية تسريب ” فقد تسرب كثير من الاسرائيليات عن طريق نفر من المسلمين انفسهم امثال عبد الله بن عمرو بن العاص فقد روى انه اصاب زاملتين من كتب اهل الكتاب يوم اليرموك فكان يحدث الناس ببعض ما فيها اعتمادا على حديث مروي ” 11 . و نستطيع أن نفهم هذا التسريب بتتبعنا لنشوء بعض الفرق ، فهذا سوسن النصراني كان أول من نطق بالقدر و قد اظهر الإسلام ، و عنه اخذ معبد الجهني ، و اخذ غيلان الدمشقي عن معبد ، ثم عاد سوسن إلى النصرانية بعد أن بث فكرته .
و هذا ابن كلاب من بابية الحشوية ، و كان عباد بن سليمان يقول انه نصراني ، قال ابو عباس البغوي : دخلنا على فيثون النصراني و كان في دار الروم بالجانب الغربي فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلاب فقال فيثون : رحم الله عبد الله ( اسم ابن كلاب ) كان يجيئني فيجلس إلى تلك الزاوية و عني اخذ هذا القول ، و لو عاش لنصرنا المسلمين 12 ( أي جعلناهم نصارى ) .
كما كان من العوامل ردة الفعل التي حصلت لدى بعض فئات المسلمين ـ أو افرادهم ـ تجاه مظلومية شخصيات معينة في التاريخ ، فتراكم الظلم ، و زيادته عن الحد المحتمل في حق أهل البيت ( عليهم السلام ) ادى بعدد من جهال الناس ـ إلى أن يأخذوا موقفا معاكسا لتلك المظالم في زيادة التقديس لهذه الشخصيات ، بحيث خرجوا من جادة الاعتدال .

كيف واجهوا الغلو 

يمكننا تقسيم جهد أهل البيت عليهم السلام في مواجهة الغلو إلى قسمين تبعا لانقسام هذه الفئات ، فالفئة الأولى تلك التي قررت أن تمضي في خط الغلو ، لا لأجل شبهة ، و إنما لأجل مصلحة ، هؤلاء الذين يعرفون ماذا يصنعون ، لمثل هؤلاء لم يكن لأهل البيت من موقف سوى فضحهم و لعنهم و طردهم ، فإن قدروا عليهم كما كان الحال ايام امير المؤمنين ( عليه السلام ) فانهم يصفون قتلا و حرقا ، و في الازمنة التالية كان اهل البيت ( عليهم السلام ) يأمرون اتباعهم بقتلهم اغتيالا 13 ـ إن استطاعوا ـ و يظهرون البراءة منهم أمام اتباعهم .
أما الفئة الثانية و التي يبدو انها كانت الاكثر ، تلك التي لم تكن تستطيع ( معرفة ) الرسول و الأئمة معرفة صحيحة فيلتبس عليها الأمر ، فتنسب اليهم امورا يبرؤون منها تنسب اليهم ذلك بدافع التقدير ، و حل المعضل الفكري الذي تعانيه ، لهؤلاء وجدنا أهل البيت عليهم السلام كانوا يقومون بـ :

تأكيد الحالة البشرية

كما سبق و أن قلنا إن بعض الناس لنقص في معرفتهم يلجؤون إلى رفع الأنبياء و اوصيائهم عن الدرجة البشرية إلى درجة أعلى . . و القرآن الكريم و هو يعالج هذه المسألة كان واضحا و صريحا عندما قال : ـ موجها الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ـ : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ … ﴾ 14 فهو ( صلى الله عليه و آله و سلم ) مثلهم تماما في تركيبه و خلقه ، و الغرائز التي ركبت فيه و الضغوط التي تلم به ، إلا أن الفارق بينه و بينهم انه يتلقى الوحي ، و انه قد صاغ نفسه ـ لا جسمه ـ من جديد على اساس هذا الوحي ، و في آية أخرى يتحدث القرآن عن نبي الله عيسى و امه مريم ، حيث غالى فيهما بنو اسرائيل ﴿ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ … ﴾ 15 فكلمتا ( رسول و صديقة ) تشيران إلى الجانب المرتبط بالرسالة و بالله ، بينما كلمة ﴿ … يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ … ﴾ 15 تشير إلى الممارسة البشرية التي كانا يقومان بها ، و قد ورد في تفسير ﴿ … يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ … ﴾ 15 انهما يتغوطان من باب ذكر اللازم للدلالة على الملزوم ، و هذه العملية عملية بشرية صرفة .
و في الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : لا ترفعوني فوق حقي فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا . و يحذر امير المؤمنين من الغلو مبيناً انه مع كل فضائله إلا أنه عبد مربوب .
و نجد الإمام الصادق ( عليه السلام ) يأمر أحدهم و كان يحمل بعض افكار الغلاة بان يجهز له ماءاً ليدخل الى بيت الخلاء ، و بهذا العمل يسقط كل افكار ذلك الرجل ، و لنقرأ الرواية ، فقد روي عن اسماعيل بن عبد العزيز قال : قال لي ابو عبد الله ( عليه السلام ) يا اسماعيل : ضع لي في المتوضأ ماء . . فقمت فوضعت له ، فدخل فقلت في نفسي : انا اقول فيه كذا و كذا و يدخل المتوضأ يتوضأ ؟! فلم يلبث أن خرج فقال : يا اسماعيل لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم ، اجعلونا مخلوقين و قولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا . . قال اسماعيل . . و كنت اقول انه . . و اقول و اقول . ( اي انه رب و رازق و ما شابه ) !! فانت ترى ان الإمام ( عليه السلام ) بهذه المسألة هدم صرحا من الافكار الخاطئة في ذهن هذا الرجل .
و سوف يأتي في البحوث القادمة عن حياتهم الزوجية و ما يرتبط بها من الشهوة الجنسية و عن مسائل الطعام و الشراب و اللباس ، ما يفي ويزيد في تأكيد هذا الجانب البشري لتلك الفئة التي أرادت أن تحترمهم احتراما كبيرا فاخطأت الطريق . . لكننا هنا نكتفي بنقل حديث عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) و الذي يبدو أن عصره ، باعتبار انه كان عصر مناظرات و مناقشات ، شهد نقاشات كثيرة حول هذا الجانب .
فقد قال المأمون للإمام الرضا ( عليه السلام ) : بلغني أن قوما يغلون فيكم و يتجاوزون فيكم الحد .
فقال الرضا ( عليه السلام ) : حدثني ابي موسى بن جعفر عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي عن ابيه علي بن الحسين عن ابيه الحسين بن علي بن ابي طالب قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تبارك و تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبيا ، قال الله تبارك و تعالى : ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ 16 و قال علي ( عليه السلام ) : يهلك في اثنان و لا ذنب لي : محب مفرط و مبغض مفرط .
و أنا لنبرأ إلى الله عز و جل ممن يغلو فينا فيرفعنا فوق حدنا كبراءة عيسى بن مريم من النصارى ، قال الله عز وجل : ﴿ وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ 17 .
و قال الله عز وجل : ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ … ﴾ 18 و قال عز و جل : ﴿ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ … ﴾ 15 و معناه انهما كانا يتغوطان ، فمن ادعى للانبياء ربوبية أو ادعى للأئمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة امامة فنحن براء منه في الدنيا و الاخرة 19 .

خط التقصير 

في الطرف المقابل لخط الغلو و الإفراط في الأنبياء و الاوصياء كان هناك خط التقصير و التفريط ، حيث أن هذا الخط ليسر فقط لم يغال فيهم بل بخسهم حقوقهم ، و نسب اليهم اقوالاً أو افعالاً لا تليق بالعاديين من محترمي العلماء أو أصحاب العلم ، بل اشراف القبائل و لقد افرط اصحاب هذا الخط في التركيز على بشريتهم بحيث حصروا الجانب الغيبي ، و ما يتصل بالوحي و الرسالة في زاوية ضيقة جدا من حياتهم .
و سوف نتحدث عن العوامل التي ساعدت على انتشار افكار هذا الخط ، و الذي يبدو انه لا يتصل فقط بتفسير حياة الرسول محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) بل يتعدى إلى تفسير حياة الأنبياء السابقين ( عليهم السلام ) فضلا عن الاوصياء و بالرغم من أن النصوص التالية ـ و التي نعتقد بخطئها ـ لا تليق بمقام الرسالة و النبوة ، إلا انها لما كانت قد وردت في كتب الحديث بل و ( الصحاح ) فلا بد من الاشارة إلى بعضها ، لنرى كيف أن هذا الاتجاه أيضا وقع في التطرف الذي وقع فيه خط الغلاة و لكن من الجهة المقابلة . و نرى كيف أن هذا الخط لما كان قائما على اساس غير سليم ، ادى به ذلك إلى أن يدعي هذه الأحاديث على الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و الرسل السابقين .

و اليك بعض هذه الأحاديث 

ـ النبي يبول واقفا ؟!
عن أبي وائل قال كان ابو موسى يشدد في البول و يقول أن بني اسرائيل كانوا إذا اصاب ثوب احدهم البول قرضه ، فقال حذيفة : لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد فلقد رأيتني أنا و رسول الله نتماشا فلقي سباطة خلف حائط فقام كما يقوم احدكم فبال ، فانتبذت منه ، فاشار الي فجئت فقمت عقبه حتى فرغ 20 .
ـ . . و يلعن بدون استحقاق!!
عن أبي هريرة أن النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قال : اللهم إنما محمد يغضب كما يغضب البشر و اني قد اتخذت عندك عهدا لم تخلفنيه ، فأيما عبد آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها كفارة و قربة تقربه اليك 21 . . . و ينسى آيات القرآن فيسقطها !
عن هشام عن ابيه عن عائشة قالت : سمع النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) رجلا يقرأ في المسجد فقال : رحمه الله اذكرني كذا و كذا اية اسقطتها في سورة كذا و كذا 21 .
ـ و يستمع الغناء من المغنيات ! .
عن عائشة : ان ابا بكر دخل عليها و النبي عندها يوم فطر أو أضحى و عندها مغنيتان تغنيان بما تقاذفت الانصار يوم بغاث ، فقال ابو بكر : مزمار الشيطان ؟! ( مرتين قالها ) فقال النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : دعهما يا ابا بكر ان لكل قوم عيداً و ان عيدنا هذا اليوم 22 .
ـ و يتفرج مع زوجاته على الراقصين في المسجد !
عن عائشة أنها قالت : لقد رأيت رسول الله يوما على باب حجرتي و الحبشة ( الراقصون السود ) يلعبون في المسجد و رسول الله يسترني بردائه لكي انظر إلى لعبهم ثم يقوم من اجلي حتى اكون أنا التي انصرف فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو 23 .
ـ . . و خده على خد زوجته !
ايضا عن عائشة في حديث اخر . . و كان يوم عيد يلعب السودان بالدرق و الحراب فاما سألت النبي و اما قال تشتهين تنظرين ؟ فقلت نعم : فاقامني وراءه خدي على خده و هو يقول دونكم يا بني ارفدة ( تشجيعا لهم ) حتى مللت قال : حسبك ؟! قلت نعم قال : فاذهبي 24 .
و لو تتبعنا بقية الأحاديث لطال بنا المقام ، و نحن هنا لا نريد أن نناقش كل حديث بمفرده سواء من ناحية سنده أو من ناحية مخالفته مع احاديث أخرى تنقلها هذه الصحاح فيما يرتبط بسيرة الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ، و قد تعرض لذلك ـ بشكل مستقصى صاحب كتاب ( في رحاب الصحيحين ) 25 فليراجع في موقعه .
الا إننا و من النظرة الاولى نستطيع أن نرى أن هذه الأحاديث لا تليق في مؤدياتها بأي مؤمن عادي فضلا عن سيد الخلق ، و افضل الأنبياء ، و اكمل المرسلين . و ( اديب الله ) . فلو لم ترد هذه الأحاديث في ( الصحاح ) ، و اغفلنا الاسم المذكور فيها ثم عرضناها على علماء المسلمين على أنها وقائع حياة عالم من العلماء ، فانهم لا شك يتنفرون منه ، و يتقززون !!
فإذا كان ابو موسى ـ و هو احد المسلمين ـ يشدد في مسألة البول ، و يراها منقصة لمن يبول واقفا ، و ترى احاديث أخرى ـ في نفس الصحيح ـ ان من عذاب القبر ما يسببه الاستهانة بالبول و النجاسة ، ثم يحث ابو موسى المسلمين الذين يستمعون له على الاهتمام بذلك ـ استقذارا للعادة الجاهلية ـ ، فكيف يعتبر الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ـ و هو اكمل الناس خلق ـ الأمر طبيعيا ثم . . . كما يقوم احدكم ؟! حسب نص الحديث !!
ثم إننا في مسألة اللعن لا نستطيع أن نقبل ذلك من شخص عادي لأن اللعن من دون استحقاق و السب و الشتم هكذا عبثا خلاف العدالة و الاخلاق ، فكيف نقبله من الرسول و هو الذي اثر عنه أنه لم يكن فاحشاً و لا متفحشاً ، حتى في مقابل اليهود الذين كانوا يشتمونه و يدعون عليه بالموت ، و لا في مقابل الكفار في غزوة احد لأنه لم يبعث لعاناً و إنما بعث رحمة للعالمين ، فكيف يقوم و الحال هذه بلعن اشخاص من المسلمين من دون استحقاق 26 ؟!
و شخص يلعن عبثاً ، و يسب ، و يجلد و يخضع لعواطفه و مشاعره في ما يرتبط بعقوبات الناس من دون دليل و لا جناية . . كيف يؤتمن على كلام الله و على تطبيق احكامه ؟!
جواب هذا السؤال في الحديث الثالث الذي يرى أن الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ينسى ، و يسقط آيات من القرآن من السور !! .
ثم داهية الدواهي . .
بالله عليك ـ ايها القارىء ـ هل تتوقع من رجل كان عليه أن يجهز اكثر من ثمانين سرية و جيشا ، و أن يقيم دولة ، و أن يطبق احكام الله ، و أن يعلم المسلمين . . و ان . . و ان . . هل تتوقع من رجل كهذا أن يترك كل تلك المسؤوليات لكي ينفذ رغبات زوجاته في مشاهدة الراقصين ، و اللاعبين بالحراب و رجال السيرك ؟! و اين ؟! في المسجد ، في بيت الله الذي وضع للعبادة و ذكر الله !! الأمر الذي لا يقبل به عاقل ، فقد روي في تتمة هذه الأحاديث أن عمر بن الخطاب لما رأى هؤلاء الراقصين في المسجد نهرهم و حصبهم بالحصى !! بينما يجلس اعظم الأنبياء و المرسلين ـ مع زوجته و خدها على خده ـ متفرجاً و مأنوساً بهذه المناظر اللاهية ؟!
و تحولت هذه المسائل في جهتين : الأولى انها توسعت لتشمل بقية الأنبياء ( عليهم السلام ) و الثانية انها تبلورت في صورة عقيدة ، بعد أن كانت ( اخباراً ) .
قال ابن ابي الحديد ما خلاصته : قال قوم من الخوارج و ابن فورك من الاشعرية انه يجوز بعثة من كان كافرا ، و قال برغوث المتكلم من النجارية لم يكن الرسول قبل البعثة مؤمنا بالله !! و قال السري : انه ( الرسول ) كان على دين قومه ( الشرك ) أربعين سنة !! .
و قال ابن حزم في كتابه الفصل في الملل و الأهواء : فذهب طائفة إلى أن رسل الله يعصون في جميع الكبائر و الصغائر حاشا الكذب في التبليغ فقط ، و هو قول الكرامية من المرجئة و قول ابي الطيب الباقلاني من الاشعرية و من اتبعه . . ثم قال و اما هذا الباقلاني فانما رأينا في كتاب صاحبه ابي جعفر السمناني ، قاضي الموصل انه كان يقول : أن كل ذنب دق أو جل فانه جائز على الرسول حاشا الكذب في التبليغ فقط ، و قال : جائز عليهم أن يكفروا !! و قال : إذا نهى النبي عن شيء ثم فعله فليس دليلاً على أن ذلك النهي قد نسخ لأنه قد فعله عاصيا لله تعالى ! و ليس لاصحابه أن ينكروا عليه ، و جوز أن يكون في امة محمد من هو افضل من محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) منذ بعث إلى أن مات 27 !!
و نوجه القارئ الكريم إلى أن هؤلاء القائلين : من المسلمين ! لكيلا يشتبه عليه الأمر .
و نحن هنا لا نريد أن نناقش المسألة عقيديا ، لابطالها ، إنما كنا في صدد بيان شيء من تعامل خط التقصير مع الأنبياء ( عليهم السلام ) و سيدهم محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ثم يهون عليك معرفة نظرهم في الاوصياء و الأئمة ( عليهم السلام ) .

دوافع التقصير

أ ـ المعرفة الناقصة

كما سبق و أن قلنا في مبحث الغلو ، فإن الأمر هنا أيضا يأتي ، فالمعرفة الناقصة بشأن الرسول أو المعصوم ، تجعل هؤلاء المفرطين يغلبون الجانب البشري الى الحد الذي ينعدم فيه تأثير الجانب الرسالي ( الوحي ) في شخصية المعصوم .
انهم يتصورون ان النبوة أو الإمامة لباس يلبسه صاحبه في اوقات الدوام ليعرف من أي صنف هو . أو وظيفة يؤديها كما يؤديها غيره لو كان هناك غيره ، و انه لا ميزة له اطلاقاً و ” ان الرسول ما هو إلا مجرد وسيلة لا غاية ، فضله من الوحي و مآثره من الرسالة و عظمته في الجهاد ، و قدوته في الاخلاق مثل اي قائد أو زعيم ، فاختياره للرسالة ليس ميزة لشخصه بل لأن الرسالة لا بد ان تبلغ من خلال رسول تتوفر فيه شروط الاداء و التبليغ ، و التركيز على الاختيار و الاصطفاء ليس من الوحي في شيء ، وهو اقرب إلى الاصطفاء اليهودي و الوحي يرمي إلى ما بعد الاختيار وهو التبليغ وليس إلى اختيار الشخص ذاته ” .
و يضيف د . حسن حنفي معبرا عن رأي هذا الخط فيما يرتبط بالرسول :
” و ان اثبات ان الرسول خاتم الأنبياء و المرسلين لا يعني أيضا تركيزاً على فضائل شخص أو على مزايا فردية لأحد بل يعني أن النبوة قد انتهت و أن الإنسان قد استقل ” 28 .
هذه النظرية تتجاوز الكثير من حقائق التاريخ و ثوابت العقيدة ، و يتجلى فيها نقص المعرفة الذي يؤدي إلى تضخيم الجانب البشري و الغاء جانب الوحي و الرعاية الالهية ، بالتدريج .
إن اختيار محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) لأداء الرسالة ميزة مهمة لشخصه لأنه كان افضل خلق الله لاداء هذه الرسالة وتبليغها ، و لو كان في خلق الله من اول الخلق الى قيام الساعة افضل منه لكان هو الذي يتحمل مسؤولية تبليغ الرسالة ، و كونه خاتماً للنبيين يعني اضافة إلى ختمه للنبوات و الرسالات ، ختمه للفضائل . .
إننا نجد أنفسنا أمام منطق متميز عندما يخاطب الله سبحانه و تعالى نبيه محمدا ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ، فهذا النبي الذي ادبه الله حتى بلغ مبلغا قال فيه ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ 29 آنئذ اعطاه سمة لم يتحدث عنها القرآن لاحد من النبيين حينما قال مخاطبا البشر ـ و المسلمين خصوصا ـ ﴿ … وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا … ﴾ 30 بل أدب المسلمين بأدب خاص مع الرسول ، انه امرهم بالصلاة عليه ، لأن الله و ملائكته يصلون عليه ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ 31 و وضع مجموعة قوانين و آداب ، تحدثت عنها سورة الحجرات .
و هذا لم يتم إلا بعد أن تهيأ الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) بعون الله إلى المقام الذي اريد له ، فمنذ البدايات كان يتقلب في الساجدين 32 و كان تحت رعاية الله وعند طفولته ( قرن الله به ( صلى الله عليه و آله و سلم ) من لدن أن كان فطيماً اعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم و محاسن اخلاق العالم ليله و نهاره ) 33 . و هكذا حتى بعثه الله هادياً للخلق .
لقد كان الأنبياء و الاوصياء بشراً . . و هذا صحيح ، و لكن بشر ( أعلى في الصفات ) بحيث يستطيعون أن يصبحوا ( محال معرفة الله ، و مساكن بركة الله ، و معادن حكمة الله و حفظة سر الله ) . ميزتهم لم تكن في الصفات الجسمية الخارجية ، و التركيب البدني و خطأ معاصريهم ـ و ربما من جاء بعدهم ايضا ـ انهم ارادوا أن يكون هناك علامات فارقة تدل على نبوة هؤلاء و امامة أولئك ﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ … ﴾ 34 ارادوا ملكاً يمشي على الأرض ، بينما ميزتهم كانت في صفاتهم النفسية ، في علمهم ، و حلمهم ، و قدرتهم القيادية ، في عمق ايمانهم بالله ، و اخلاصهم لدينه .

ب ـ العامل السياسي 

الناظر بعمق يلاحظ بوضوح آثار العامل السياسي في تشكيل هذه النظرة و نشرها بين المسلمين . ذلك ان اظهار الأنبياء و المعصومين بمظهر العابثين و البشر الذين ينساقون وراء عواطفهم و شهواتهم ، يسهل على الحاكمين الذين يريدون الاستمرار في طريق العبث الاغراق في النزع .
و من المعلوم أن مرتكز المسلمين قائم على ان المخالفات الدينية و تجاوز الاحكام و التشريعات لا تنسجم مع مقام الزعامة الدينية و ( خلافة المسلمين ) ، و نظراً لكون هؤلاء الزعماء قد مردوا على الانحراف ، لذلك لا بد من مخرج ، و افضل مخرج ادعاء تلك الاعمال ـ بنسبة ما ـ للرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و التأكيد عليها ، ليصبح القيام بها من قبل الخليفة و الحاكم امراً معقولا .
فإذا كان الرسول يستمع إلى المغنيات في بيته دون أن ينكر عليهن فما الذي يمنع الخليفة من شرب الخمر بين حبابة و سلامة ، حتى يريد الطيران ؟!
و إذا كان ـ و العياذ بالله ـ يهدى له الخمر قبل البعثة 35 فما الذي يمنع الحاكمين من شربها ( صبوحا ) و ( غبوقا ) بعد البعثة ؟!

و هكذا على قاعدة

( إذا كان رب البيت بالدف مولعا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص ) تصوير الرسول ـ فضلا عن الأئمة ـ بهذه الصورة ( البشرية في اسفل درجاتها ) يجعل من السهل على الحاكم أن يكون امير المؤمنين ـ و ظل الله في الأرض ـ و محيي السنة و لكنه في نفس الوقت يعاقر الخمر و يترك الصلاة و . . الخ .
القضية اشبه هنا بان يكون الرسول شخصاً عادياً فتوظف في شركة إلهية فهو مطالب أمام هذه الشركة ـ و مسؤولها ـ بواجبات و فروض ، لكنه عندما ينتهي الدوام ليس مطالبا بأي شيء تجاه هذه الشركة . .
إضافة إلى ذلك فإن نزع صفة ( و ما ينطق عن الهوى ) يجعل الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) زعيماً جاء لمرحلة ، و كما حركته مبادؤه ، حركته مشاعره و عواطفه فظل يوزع اللعنات و الرحمات ، يمينا و شمالا ، و يعطي الاوسمة و احكام العقوبات لمن يستحق و لمن لا يستحق و بالتالي ، إذا سادت هذه الفكرة ، فهذا يعني أن ما ورد في ذم بني امية و كونهم الشجرة الملعونة في القرآن ، و ما ورد من طرده لبعض الاشخاص و هدر دم البعض الاخر ، لم يكن من الدين و إنما هو من الهوى و هكذا يتم تبرئة الحكم و مروان و معاوية و بني امية ليتم اتهام الرسول 36 ( صلى الله عليه و آله و سلم ) !!
بالتالي فكلام الرسول في ايامه لم يكن حجة حسب هذه النظرية لأنه منبعث عن الهوى ! فضلاً عن تأثير هذا الكلام بعد وفاته ( صلى الله عليه و آله و سلم ) . . آنئذ يكون اتباعه امرا غير عقلائي ألم يقل الحجاج الثقفي و هو ينظر الى المسلمين يطوفون بقبر رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) :
ـ ما لهم يطوفون باعواد و رمة بالية ؟! هلا طافوا بقصر امير المؤمنين ؟!
إن هذه هي النتيجة الطبيعية لخط التقصير ، فهل يمكن بعدها افتراض اقتداء الاتباع بسيرته و الحال هذه ؟!

ج ـ افكار الخارج

شجع المستشرقون هذا التوجه في كتابة السيرة و في عرض شخصية الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ، سواء منهم المنصفون أو المغرضون ، أما المغرضون فالسبب واضح ، و أما المنصفون فلأن التركيبة الثقافية التي ينطلقون منها ، تركيبة مادية لا تستطيع أن تفهم كامل العوامل الغيبية ، و لا تستطيع إدراك شخصية الرسول بالتالي .
و الملاحظ انهم يتعاملون مع الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) من خارج الدائرة ، التي وضع نفسه فيها لذلك فإن تحليلاتهم تبنى على هذا الاساس ، خصوصا انهم ينطلقون من واقع تهميش الدين المسيحي في حياتهم ، و الغاء دور السيد المسيح ( عليه السلام ) .
و بالرغم من أننا نتجنب ـ عادة ـ نقل أقوالهم لما فيها من جرأة على مقام الرسالة و شخصية الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) إلا أننا هنا سنضطر إلى نقل بعضها للتدليل على ذلك الخط الحاقد الذي أراد إبراز شخصية الرسول ضمن إطار بشري وضيع ، ثم نستكشف من هذه الأقوال أو بعضها الأثر الذي خلفته في رؤية بعض المسلمين من اصحاب خط التقصير فيما يرتبط بشخصية الرسول ا لكريم .
ففي كتاب الإسلام و الغرب نقرأ ما يلي عن تصورات الكتاب و القساوسة المسيحيين عن الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) :
ينسب المؤلف إلى المؤرخ ” ليل ” قوله : ” كان يسكن يثرب ( المدينة ) و مكة ، و كل المنطقة التي بجوارهما اناس يؤمنون بالأصنام و يعبدون الشمس ، و القمر ، و الوحوش ، و الطيور ، و ليس لديهم معرفة بالله ، و لا يوجد عندهم ملك ؟ فهم اناس ذوو دراية و فهم بسيطين ” . ” و كانت ولادة محمد عادية ، إذ كان في البداية وثنيا كما كان العرب القدماء في زمانه !! . و قد عاش بربريا بين برابرة ، و وثنيا بين وثنيين ” . و يتابع : ” كانت الجزيرة العربية على تخوم العالم المسيحي ، و كانت الملجأ الآمن و الطبيعي للهراطقة الخارجين على القانون و بدأ الإسلام مجموعة من العقائد المسيحية و اليهودية و الوثنية “!!
و ينسب المؤلف إلى المرجع ( ريبرو بيشو ) قوله : ” احضرت إلى محمد امرأة تدعى مارية القبطية ، فاتخذها محظيته . و قد حدث أن خلا بها في بيت زوجته حفصة . و عندما رجعت زوجة محمد رأتهما فأثار هذا غضبها ، و اقتربت منه قائلة : يا نبي الله ، ألا يوجد بين نسائك امرأة أحقر مني ؟ لماذا خلوت بها في بيتي ؟ ، فأجابها محاولا تهدئتها و استرضاءها : هل يسرك لو أنني امتنعت عنها ؟ فأجابته ( نعم ) ؟ فأقسم أن لا يقرب مارية مرة ثانية و قال لحفصة : لا تخبري أحدا بهذا الأمر! و بعدئذ نكث بقسمه و وعده و عاد إلى مارية ثانية . و من ثم جاء في قرآنه في هذا الصدد ما معناه : إذا أقسم المسلمون قسما ثم رغبوا أن ينكثوه ، فبإمكانهم أن يفعلوا ذلك على أن يكفروا بعد ذلك عن خطئهم دون الالتزام و التقيد بقسمهم ” .
و يقول المؤلف : ” لقد تبنى الكاتب اللاتيني ( سان بيدرو ) رأي أعداء محمد المعاصرين و ذلك بقوله : إن اصطناع الوحي عند النبي ما هو إلا دليل على التظاهر الكاذب بالفضيلة و الدين ، أو إن الشيطان قد تلبس في شخصية محمد ، و أعتقد بأن ولع محمد بعائشة ليس بعمل جدير بنبي ! . و يشارك المؤلف منتقدي محمد في موضوع تعدد زوجاته فيقول : ” ليس ممكنا ذكر قوائم باسماء زوجات محمد فهن كثيرات . . . ” . و يقول المؤرخ ” سان بيدور” معللا تعلق النساء بمحمد : لقد كان محمد يلبس الحلي ، و يتعطر بالروائح ، و هكذا كانت رائحته جميلة و كان يلون شفتيه و يكحّل عينيه ، و كان يفعل كما يفعل زعماء المسلمين ( زعماء فاتحي الاندلس من المسلمين ) اليوم ” . و عندما انتقد اتباع محمد النبي على تصرفه هذا اجابهم بأنه منح ثلاث متع في هذه الدنيا : الطيب و النساء و الصلاة ” و كم تبدو هذه الاشياء معيبة فى نظر المسيحيين ” و يقول المؤلف ” في نظر مسيحيي القرون الوسطى ، فإن تصرفات محمد مع النساء كافية وحدها لأن تجعل محمدا غير نبي ” 37 !!
بقدر ما يشكل الغلو من خطر حقيقي ـ عموديا ـ على صفاء العقيدة و سلامتها ، فإن التقصير يشكل خطراً آخر ـ أفقياً ـ على صعيد الجمهور و الناس ، بل ربما قيل بأن التقصير لأنه يتحرك في مساحة واسعة عند الناس ـ بينما يبقى الغلو محصوراً في فئة قليلة معزولة يسهل رصد فكرها و مواجهته لأنه يخالف مسلمات المسلمين ـ فإنه يشبه الداء الدفين الذي لا يشعر به بينما يفتك بالجسم . هذا إضافة إلى كونه قريبا من النفس ، و محبباً اليها ، كونه يغذي في الإنسان مشاعر الغرور و انه يشبه الرسل و الاوصياء تماماً ، و عندما يتنازل تحت ضغط نقاط ضعفه فيذنب يجد العزاء ـ في هذه النظرة ـ ان الرسل أيضا خضعوا لنقاط ضعفهم !!
لذلك نعتقد أن الإسلام و على لسان الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و الأئمة المعصومين ( عليه السلام ) و هم يتوجهون إلى اخطار نظرة التقصير المفرطة ، اتخذوا عدة تدابير لمواجهتها . و سنتعرض إلى عدد من الأحاديث في هذه المواجهة :

احاديث الاصطفاء

من البداية كان يتم التركيز على أن مسألة النبوة و الإمامة من المسائل الغيبية التي تتصل باصطفاء الله تعالى و انتخابه ، لأشخاص كانوا ـ في علمه ـ اصلح الخلق لهذه المواقع خلافاً للنظرية التي تقول باختيار الناس مطلقا .
فعن سعد بن عبد الله القمي عن الحجة القائم ( عجل الله تعالى فرجه ) . . قلت : فاخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم ؟!
قال : مصلح أو مفسد ؟! ( اي ينتخبون مصلحاً أو مفسداً ؟ ) .
قلت : مصلح . قال : فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم احد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد ؟!
قلت : بلى . قال : فهي العلة و اوردها لك ببرهان ينقاد لك عقلك .
ثم قال : اخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله عز و جل و انزل عليهم الكتب و ايدهم بالوحي و العصمة ، و هم اعلام الأمن اهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى و عيسى ( عليهما السلام ) هل يجوز مع و فور عقلهما و كمال علمهما إذ هما بالاختيار ان تقع خيرتهما على المنافق و هما يظنان انه مؤمن ؟!
قلت : لا .
قال هذا موسى كليم الله مع وفور عقله و كمال علمه و نزول الوحى عليه اختار من اعيان قومه و وجوه عسكره لميقات ربه عز وجل سبعين رجلا ممن لا يشك في ايمانهم و اخلاصهم فوقع خيرته على المنافقين ، قال الله عز و جل :
( واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا . . ) فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه عز و جل للنبوة واقعا على الافسد دون الاصلح و هو يظن انه الاصلح دون الافسد علمنا أن الاختيار لا يجوز إلا لمن يعلم ما تخفي الصدور 38 .

احاديث الحب و الولاية

ـ عن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : لا يؤمن احدكم حتى اكون اليه احب من نفسه و أهلي أحب اليه من أهله و عترتي أحب اليه من عترته و ذريتي احب اليه من ذريته 39 .
ـ عن امير المؤمنين ( عليه السلام ) : انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم و اتبعوا اثرهم فلن يخرجوكم من هدى و لن يعيدوكم في ردى فإن لبدوا فالبدوا وان نهضوا فانهضوا 40 .
ـ و قال ـ واصفا أهل البيت ـ : فانهم عيش العلم و موت الجهل ، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم و صمتهم عن منطقهم ، و ظاهرهم عن باطنهم ، لا يخالفون الدين و لا يختلفون فيه فهو بينهم شاهد صادق و صامت ناطق 40 .
ارساء آداب خاصة في العلاقة مع الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و أهل ببته : المتتبع للنصوص الإسلامية ، . و سيرة المسلمين مع الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) يلاحظ أن هناك آدابا خاصة تم اقرارها من قبل القرآن الكريم ، كما نجد ذلك في سورة الحجرات ، مثل عدم رفع الصوت فوق صوت النبي و عدم الجهر له بالقول ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ 41 .
و تحت طائلة التهديد بحبط الاعمال تنهى عن ذلك ، و تنعى على أولئك الذين لا يعقلون من المنادين من وراء الحجرات ، ثم تنهى عن الضغط على الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و الجائه لاتخاذ مواقف لا يريدها لأن في ذلك عنت المجتمع ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ … ﴾ 42 .
و قد كانت سيرة المسلمين الأوائل الذين عرفوا قدر رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قائمة على الاحترام الكامل ، و التوقير الاكيد للرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و أهل بيته ، فالتاريخ ينقل هذه الصورة لنا عن مدى تعلقهم و حبهم لرسول الله . .
ففي الخبر عن اسامة بن شريك قال : اتيت النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و اصحابه حوله كأنما على رؤسهم الطير .
و قال عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية الى رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و رأى من تعظيم اصحابه له و انه لا يتوضأ إلا ابتدروا و ضوءه و كادوا يقتتلون عليه و لا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها ، و إذا امرهم بأمر ابتدروا امره ، و إذا تكلم خفضوا اصواتهم عنده ، و ما يحدون النظر اليه تعظيما له ، فلما رجع إلى قريش قال : يا معشر قريش اني اتيت كسرى في ملكه و قيصر فى ملكه و النجاشي في ملكه و اني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في اصحابه .
و عن انس قال : لقد رأيت رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و الحلاق يحلقه و قد أطاف به اصحابه فما يريدون أن يقع شعره إلا في يد رجل 43 .
و تعزيزا لهذا الجانب كانت الصلاة على النبي و آله جزءا من الصلاة اليومية لدى جميع المسلمين ، و اليها يشير الإمام الشافعي في الشعر المنسوب له :
يا آل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن انزله
كفاكم من عظيم الشأن انكم *** من لم يصل عليكم لاصلاة له
و لهذا لما نزلت آية الصلاة على النبي : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ 31 ، فهم منها المسلمون الأمر الشرعي ، فجاؤا يسألون عن معناها يروي كعب بن عجرة : لما نزلت هذه الآية قلنا : يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه كيف الصلاة عليك ؟! فقال ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : قولوا : اللهم صل على محمد و آل محمد كما صليت على ابراهيم و آل ابراهيم إنك حميد مجيد ، و بارك على محمد و آل محمد كما باركت على ابراهيم و آل ابراهيم إنك حميد مجيد 44 .

التاكيد على مسألة العصمة

ذهب اتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى عصمة الأنبياء عن الصغائر و الكبائر ، و تنزيههم عن المعاصي قبل النبوة و بعدها . على سبيل العمد و النسيان ، و عن كل رذيلة و منقصة ، و ما يدل على الخسة و الضعة ، و كذلك الحال بالنسبة إلى عصمة الأئمة ( عليهم السلام ) ، لنفس الحيثيات التي يجب فيها عصمة الرسول و كذلك كمالهم ” فإن المقطوع به كمالهم في جميع احوالهم التي كانوا فيها حججاً لله تعالى على خلقه ” .
قال الشيخ المفيد رحمه الله : العصمة من الله لحججه هي التوفيق و اللطف و الاعتصام من الحجج بهما عن الذنوب و الغلط في دين الله تعالى و العصمة تفضل من الله تعالى على من علم انه يتمسك بعصمته ، و الاعتصام فعل المعتصم ، و ليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح و لا مضطرة للمعصوم إلى الحسن و لا ملجئة له اليه بل هي الشيء الذي يعلم الله انه إذا فعل بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصية له ، و ليس كل الخلق يعلم هذا من حاله بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة و الاخيار ، قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى … ﴾ 45 و قال : ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ 46 و قال : ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾ 47 و الانبياء و الأئمة من بعدهم ـ معصومون في حال نبوتهم و امامتهم من الكبائر كلها و الصغائر و العقل يجوز عليهم ترك مندوب اليه على غير التعمد للتقصير و العصيان و لا يجوز عليهم ترك مفترض لأن نبينا ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و الأئمة من بعده كانوا سالمين من ترك المندوب و المفترض قبل حال امامتهم و بعدها 48 .

حصيلة المطاف

نستطيع بعد هذا المطاف في الخطين الخاطئين المتطرفين و بعد أن اشرنا الى عيوبهما اثناء الحديث عنهما ، أن نستفيد النتائج التالية ، خلاصة للبحث ، و حصيلة :

1 ـ لا يجوز تبرير التطرف بالتطرف المقابل

إن احد الاخطاء التي وقع فيها الطرفان في النظرة إلى شخصيات الأنبياء و الاوصياء ، أن كل نظرة كانت رداً على تطرف النظرة المقابلة و لعل هذا الخطأ لا يزال مستمرا ، ففيما يقوم البعض ـ خاطئين ـ بالمغالاة في هذه الشخصية أو تلك نظرا لتصورهم بأنها ظلمت ولم تعط حقها كما ينبغي ، فتقوم لتعويض تلك المظلومية ، باضفاء صفات المبالغة و الغلو ، مثلا عندما ترى أن الأئمة ( عليهم السلام ) كانوا أيام حياتهم يعانون أنواع الألم و الأذى من قبل الحاكمين و إلى أن انتهت حياتهم قتلا و سما ، فيأتي بعض الاتباع فيما بعد ، و يقومون ـ بزعمهم ـ برد هذه المظلومية عبر احترامهم و تقديرهم ، فيضفون عليهم تلك الصفات . بينما كان الأمر طبيعيا حسب سنة التاريخ ، إذ أن المصلحين و العباقرة لا يستقبلون بالورود و الرياحين بل بالمتاعب و الصعوبات في مهمتهم الاصلاحية حتى يصلوا إلى اهدافهم الكبرى إذ أن ( الله لو أراد لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان و معادن العقيان و مغارس الجنان و ان يحشر معهم طيور السماء و وحوش الأرضيين لفعل ، و لو فعل لسقط البلاء و بطل الجزاء و اضمحلت الأنباء و لما وجب للقابلين أجور المبتلين و لا استحق المؤمنون ثواب المحسنين و لا لزمت الأسماء معانيها و لكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى ، و خصاصة تملأ الأبصار و الأسماع أذى . و لو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام و عزة لا تضام و ملك تمد نحوه أعناق الرجال و تشد إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار و ابعد لهم في الاستكبار و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم فكانت النيات مشتركة و الحسنات مقتسمة و لكن الله سبحانه اراد أن يكون الإتباع لرسله و التصديق بكتبه و الخشوع لوجهه و الاستكانة لأمره و الاستسلام لطاعته أمورا خاصة لا تشوبها من غيرها شائبة و كلما كانت البلوى و الاختيار اعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل ) 33 .
كما يقول امير المؤمنين ( عليه السلام ) . إلا أن عدم فهم هؤلاء لهذه السنة أدى بهم إلى ذلك الاتجاه من المغالاة و الإفراط .
في الطرف المقابل كان هناك تطرف اخر اتخذ صورة افعال إحيانا و ردود افعال احياناً أخرى . . إذ أن ذلك التقديس و الإفراط ادى إلى تنكر و تقصير في هذا الجانب فافسدوا من حيث ارادوا أن يصلحوا ، غافلين عن قول الله عز و جل ﴿ … وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى … ﴾ 49 ، و هكذا كما باء اليهود بخطيئة عداوة المسيح ، مباغضة منهم لتقديس المسيحيين اياه ، تكرر الأمر هنا ، فوجد بين المسلمين من ينتقص الأنبياء عليهم السلام و خصوصا خاتمهم محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ، و من بعده أهل بيته ( عليهم السلام ) . و قد تقدم نقل كلمات بعضهم .
إننا كما ندين التطرف في المغالاة ، و نعتقد أنه منهج خاطىء خصوصا انه يخرج الناس عن امكانية اتباع هذه الشخصية ( التي اخرجت من طور البشر ) ، كذلك ندين التطرف في التقصير و التنكر للفضائل و المنزلة الخاصة بها و نعتقد ايضا انه منهج خاطىء ، لأنه يخرج هذه الشخصيات من منزلة ( القدوة ) .
إن الخط الوسط بين التطرفين هو الذي نختاره ، حيث اننا فى الوقت الذي نعتقد فيه أن الأنبياء و الاوصياء بشر و أناس مثلنا من ناحية التركيب البدني إلا أنهم يختلفون عنا في حجم مسؤوليتهم ، و في مستوى صفاتهم ، و في اتصالهم بالله سبحانه و تعالى .

2 ـ التفصيل بين نوعين من الحياة لدى المعصوم

إننا نعتقد أن الروايات التي تتناول حياة المعصومين ( عليهم السلام ) ينبغي تقسيمها إلى نوعين تبعا لأن حياتهم تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : الحياة المرتبطة بالشؤون الدينية ، بما يمثله ( المعصوم ) من دور بالتبليغ لدين الله ، بكونه مبلغاً لرسالة الله في هذا المجتمع ، و في هذه الحياة تكون سنة المعصوم ( أقواله و أفعاله و تقريره ) حجة نهائية كاملة ، لأنه في هذه الحياة يتعامل على اساس صفته التي اعطي اياها من قبل الله سبحانه ، و المجتمع ينظر إلى اعماله و يقيمها ضمن هذا الإطار ، و هو في هذه الحياة يتعامل ضمن اطار العصمة ، لذلك كل كلمة منه تعتبر تشريعاً أو ارشاداً الى تشريع .
و يظهر أن المسلمين فهموا هذه المعادلة ـ غالبا ـ لذلك كانوا ينقلون سيرة الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و يهتمون بها اهتماماً بالغاً ، و اختص اتباع اهل البيت ( عليهم السلام ) بتتبع سيرة الأئمة إضافة إلى سيرة الرسول ، لكونهم يعتبرون أن هذه السير تشكل ركيزة لاكتشاف الكثير من الاحكام الالهية في الحياة و الدين .
القسم الثاني : ما يرتبط بالامور الشخصية المتعلقة بالمعصومين باعتبارهم ( بشرا ) يعيشون وسط مجموعة من الناس ، إضافة إلى كونهم ، خاضعين ـ مع هذه الحالة البشرية ـ إلى متطلباتها و احتياجاتها . ما يرتبط بالامور الخاصة ـ حسب الاصطلاح الحديث ـ .
و بالرغم من اننا لا نجد في الأحاديث هذا الفصل الواضح ، إلا ان طبيعة كل قسم من الحياة تقتضي هذا الأمر . و في هذا النوع الثاني لسنا مضطرين ـ بالضرورة ـ إلى اجراء قانون العصمة ، و لا تقع بالضرورة ايضا ـ في دائرة التشريع ، فمثلا ما يرتبط بالطعام ـ و سوف يأتي بحثه ـ . . استحسان المعصوم لهذا الطعام أو ذاك ، و اكله لهذا النوع أو ذاك لا يدخل ـ بالضرورة ـ ضمن دائرة الاحكام ( الالزامية أو الاقتضائية ) بل قد يدخل ضمن دائرة الامور الشخصية و الذوقية المباحة .
إن هذا الفهم الواقعي لحياة المعصومين ، يقطع الطريق على خط الغلو و التقصير في نفس الوقت ، و يضع رجلي الباحث على سكة التعامل الصحيح مع هذه السير .
إننا عندما نعتقد أن المعصومين ( عليهم السلام ) بشر ، و ان الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ( بشر مثلكم يوحى اليه ) فإن هذا يعني انه يؤكد هذه الحقيقة بممارساته البشرية ، و تلك الممارسات التي يدخل قسم منها في اطار التوجيه الى الحكم الشرعي ، بينما القسم الاخر لا يتجه هذا الاتجاه ، و إنما يلبي حاجة خاصة للنبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) .
و ينبغي أن لا يفهم أن هناك انفصالا و تناقضا بين القسمين ، بل العلاقة علاقة انسجام و تكامل ، إنما ننفي في القسم الثاني ( ضرورة ) أن يكون تشريعاً فقد يكون و قد لا يكون و لكنه لا يخرج عن اطار الشخصية الكاملة التي يجسدها المعصوم ، فليس ممكنا أن نفترض في هذا القسم وجود أعمال أو ممارسات مخلة بالمبادىء العامة لشخصية المعصوم ( عليه السلام ) .

3 ـ فتش عن عظمة المعصومين ( عليهم السلام ) في صفاتهم و مسؤولياتهم

المتتبع لالفاظ الأحاديث و الروايات الواردة حول اهل البيت ( عليهم السلام ) يلاحظ أن تلك الروايات لا تكشف عن ميزات خارجية استثنائية ، و إنما تعين الصفات الاخلاقية و تبين مفردات ( الدور ) الأساسي الذى كانوا يقومون به .
و الفرق كبير بين مفردات ( الدور ) الديني والاجتماعي و السياسي ، و بين مفردات الشخص و حالاته الاستثنائية ( فيما يرتبط به كشخص ) ، فبينما يدور النقاش و يحتدم بين الخطين ( الغلو و التقصير ) حول امور الشخص ( هل انه يدخل دورة المياه مثلنا ؟! هل ان دمه ازرق أو احمر ؟! و هل هذا الدم طاهر أو نجس ؟! هل أن جزئه الناسوتي اكبر أم اللاهوتي ؟! . . إلى آخر قائمة المناقشات التي تدور . . ) فإن الجانب الأهم و الذي يطالب الناس بالاقتداء به و هو صفات الدور والمسؤولية ، ينسى في تلك المعمعات !!
و لنقرأ أحد هذه النماذج التي تتكلم عن مواصفات الدور الذي يقوم به المعصومون ( عليهم السلام ) . . و النموذج يروى عن الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) مما يكتسب اهمية استثنائية ، و نستطيع أن نلاحظ أن صدوره كان عن الإمام الهادي الذي ابتلى أيام امامته بالغلاة ، و حيث توسع نشاطهم و تعاظم ، و لذلك كانت هناك حاجة لنص صريح فيما يرتبط بالمواصفات الحقيقية التي يمثلها أهل البيت عليهم السلام بعيدا عن الغلو ، و عن التقصير أيضا .
و سوف نستشهد ببعض فقراته ولا نورده بالكامل لطوله من جهة ، و لإبهام بعض الفقرات وحاجتها إلى الشرح و التفسير ، الأمر الذي سيخرج بنا عن أصل البحث ، و قد نوفق لالقاء نظرة متأنية شارحة في وقت لاحق على هذا النص المسمى ( بالزيارة الجامعة ) : ( السلام عليكم يا أهل بيت النبوة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة و مهبط الوحي و معدن الرحمة و خزان العلم و منتهى الحلم و اصول الكرم و قادة الأمم و اولياء النعم و عناصر الابرار و دعائم الاخيار و ساسة العباد و اركان البلاد و ابواب الإيمان و امناء الرحمن و سلالة النبيين و صفوة المرسلين و عترة خيرة رب العالمين . . ) .
إننا في هذا النص نجد بعد تعيين الاشخاص مورد العلاقة و كونهم أهل بيت النبوة و موضع الرسالة نلتقي بعدد من المفردات ، ادعو القارىء الكريم إلى التأمل فيها ، إننا أمام ( قادة ) و ( اولياء ) و ( دعائم ) و ( ساسة ) و ( أركان ) و ( أمناء ) . . و هكذا يستمر النص في هذه الصفات ( ائمة ) و ( مصابيح ) و ( اعلام ) و ( مثل ) و ( دعوة ) و ( حجج ) و ( حفظة ) و ( حملة الكتاب ) ( السلام على أئمة الهدى و مصابيح الدجى و اعلام التقى و ذوي النهى و اولي الحجى و كهف الورى و ورثة الأنبياء و المثل الاعلى و الدعوة الحسنى و حجج الله على اهل الآخرة و الأولى و رحمة الله و بركاته . السلام على محال معرفة الله و مساكن بركة الله و معادن حكمة الله و حفظة سر الله و حملة كتاب الله و اوصياء نبي الله و ذرية رسول الله صلى الله عليه و آله و رحمة الله و بركاته ) .
ثم لينظر القارىء الكريم إلى الدقة في التعبير ، حيث أن هؤلاء لا وجود لهم إلا باعتبارهم عبيد ، و خدم ، و دعاة إلى الله سبحانه و تعالى ، و لا يمكن بالتالي أن ينزلوا منزلة الارباب كما يفعل الغلاة . . انهم مطيعون لله ، و قوامون بامره و عاملون و لكن بارادته إلا أن النص يستمر و كما نفى خط الغلاة فانه ينفي خط التقصير ، فيكمل الفقرة تلك بتبيان موارد اصطفاء الله لهم ، فهم عبيد ، و مطيعون ، و لكن في نفس الوقت ( اصطفاهم ) بعلمه و ( ارتضاهم ) لغيبه و ( اختارهم ) لسره و ( اجتبا هم ) بقدرته . .
( السلام على الدعاة إلى الله و الادلاء على مرضاة الله و المستقرين في امر الله و التامين في محبة الله و المخلصين في توحيد الله و المظهرين لأمر الله و نهيه و عباده المكرمين . . . )
( . . و اشهد انكم الأئمة . . المطيعون لله القوامون بأمره العاملون بارادته الفائزون بكرامته اصطفاكم بعلمه و ارتضاكم لغيبه و اختاركم لسره و اجتباكم بقدرته و اعزكم بهداه و خصكم ببرهانه و انتجبكم لنوره . . ) .
غير ان هذا الاصطفاء و الاجتباء لم ينته إلى الغرور أو الجحود و إنما بعد كل ذلك اتخذوه طريقاً للعبودية و تعظيم الخالق ( فعظمتم جلاله و اكبرتم شانه و مجدتم كرمه و ادمتم ذكره و وكدتم ميثاقه و احكمتم عقد طاعته و نصحتم له في السر و العلانية و دعوتم إلى سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة و بذلتم انفسكم في مرضاته ، و صبرتم على ما اصابكم في جنبه و اقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة و امرتم بالمعروف و نهيتم عن المنكر . . ) 50 51 .

  • 1. القران الكريم : سورة الزخرف ( 43 ) ، الآية : 57 ، الصفحة : 493 .
  • 2. بحار الأنوار : 2 / 283 ، عن أحمد بن حنبل في مسنده .
  • 3. نفس المصدر : 285 .
  • 4. المصدر : 297 .
  • 5. شرح نهج البلاغة : 6 / 5 .
  • 6. بحار الأنوار : 25 / 293 .
  • 7. الأحاديث المذكورة عن كتاب الحياة جلد 1 .
  • 8. القران الكريم : سورة آل عمران ( 3 ) ، الآية : 7 ، الصفحة : 50 .
  • 9. شرح نهج البلاغة : 7 / 5 .
  • 10. / بحار الأنوار : 25 / 295 .
  • 11. الاسرائيليات و اثرها في كتب التفسير للدكتور رمزي نعناعة : 110 .
  • 12. الإمام الصادق و المذاهب الاربعة : 4 / 373 .
  • 13. يراجع نظام الادارة الدينية للمؤلف .
  • 14. القران الكريم : سورة الكهف ( 18 ) ، الآية : 110 ، الصفحة : 304 .
  • 15. a. b. c. d. القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 75 ، الصفحة : 120 .
  • 16. القران الكريم : سورة آل عمران ( 3 ) ، الآية : 79 و 80 ، الصفحة : 60 .
  • 17. القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 116 و 117 ، الصفحة : 127 .
  • 18. القران الكريم : سورة النساء ( 4 ) ، الآية : 172 ، الصفحة : 105 .
  • 19. بحار الأنوار : 25 / 271 .
  • 20. صحيح البخاري جلد 1 كتاب الوضوء .
  • 21. a. b. المصدر جلد 8 كتاب الدعوات .
  • 22. المصدر جلد 5 كتاب فضائل اصحاب النبي .
  • 23. المصدر جلد 1 كتاب الصلاة .
  • 24. المصدر جلد 4 كتاب الجهاد .
  • 25. في رحاب الصحيحين للشيخ محمد صادق نجمي و ترجمة السيد حسن القزويني .
  • 26. لا يخفى الهدف السياسى الذي تنتهي اليه هذه الأحاديث حيث لعن الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) عدداً من الذين اظهروا الإسلام ، و تبرأ منهم و طرد بعضهم من المدينة ، فلكي يبيضوا صفحة هؤلاء نسبوا للرسول هذه الأحاديث .
  • 27. تعليقة الشيخ الارموي على نهج الحق للعلامة الحلي : 142.
  • 28. من العقيدة إلى الثورة : 1 / 1 ـ 17 .
  • 29. القران الكريم : سورة القلم ( 68 ) ، الآية : 4 ، الصفحة : 564 .
  • 30. القران الكريم : سورة الحشر ( 59 ) ، الآية : 7 ، الصفحة : 546 .
  • 31. a. b. القران الكريم : سورة الأحزاب ( 33 ) ، الآية : 56 ، الصفحة : 426 .
  • 32. يراجع فصل الاصلاب الطاهرة و الارحام المطهرة من الكتاب .
  • 33. a. b. نهج البلاغة خطبة 192 .
  • 34. القران الكريم : سورة الفرقان ( 25 ) ، الآية : 7 ، الصفحة : 360 .
  • 35. روي في مسند احمد : 4 حديث 235 ما يلي: عن نافع بن كيسان أن اباه اخبره انه كان يتجر في الخمر زمن النبي و معه خمر في زقاق يريد بها التجارة فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله جئناك بشراب جيد ، فقال رسول الله : يا كيسان انها حرمت بعدك !!.
  • 36. الغريب أن هذه الأحاديث في صحيح مسلم جاءت تحت عنوان من لعنه النبي ولم يكن لذلك مستحقا !! انظر : 4 / 2007 باب من لعنه النبي و ليس هو اهلاً لذلك .
  • 37. عن مجلة الفكر العربي : العدد 32 / ابريل 1983 م .
  • 38. ميزان الحكمة : 1 / 190 .
  • 39. المصدر : 2 / 236 .
  • 40. a. b. نفس المصدر .
  • 41. القران الكريم : سورة الحجرات ( 49 ) ، الآية : 2 ، الصفحة : 515 .
  • 42. القران الكريم : سورة الحجرات ( 49 ) ، الآية : 7 ، الصفحة : 516 .
  • 43. بحار الأنوار : 17 / 32 .
  • 44. بحار الأنوار : 17 / 19 .
  • 45. القران الكريم : سورة الأنبياء ( 21 ) ، الآية : 101 ، الصفحة : 330 .
  • 46. القران الكريم : سورة الدخان ( 44 ) ، الآية : 32 ، الصفحة : 497 .
  • 47. القران الكريم : سورة صاد ( 38 ) ، الآية : 47 ، الصفحة : 456 .
  • 48. تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد : 106 .
  • 49. القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 8 ، الصفحة : 108 .
  • 50. مفاتيح الجنان الشيخ عباس القمي .
  • 51. المصدر : كتاب حياة الشخصية عند أهل البيت للشيخ فوزي آل سيف .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى