مقالات

الموت والشهادة…

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .
﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ … ﴾ 1 :
هناك أناس ينظرون إلى هذه الحياة الدنيا على أنها هي كل شيء بالنسبة إليهم ، وليس قبلها ولا بعدها شيء ، ويتعاملون مع كل ما ومن يحيط بهم على أساس هذه النظرة ، ومن خلالها .

ومعنى ذلك : أن تصبح معاييرهم التي يقيسون بها الأمور معايير دنيوية ، وعلى أساس الربح والخسارة فيها ، وليس ثمة شيء وراء ذلك .
فلا غرو إذا كان الموت يمثل لهؤلاء الناس ـ حسب نظرتهم تلك ـ ضياعاً وخسراناً ، وخيبة مُرّةً وقاسية ، لأنهم يرون فيه نهاية سعادة وحياة ، وبداية عدم وفناء ، وربما بداية شقاء وبلاء ، لا تحده حدود ، ولا تقيده قيود .
إذن فلماذا لا يجنّبون أنفسهم كارثة الموت هذه ، والتي ليس فوقها كارثة ، ويحرصون على البقاء في هذه الدنيا ، ليعيشوا فيها حياتهم حتى لو كانت أحقر ، وأتفه ، وأخسّ حياة . قال تعالى حكاية عن اليهود : ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ … ﴾ 1 . علماً بأنهم لا يجدون في توراتهم المحرفة التي يتداولونها اهتماماً بأمر الآخرة . . بالمستوى الذي يصبح هاجسهم الأول والأخير . . بل قد تجد فيهم فرقاً لا تعترف بالآخرة أو لا تعتقد بها إلا بدرجة ضعيفة وغائمة .

نظرة المؤمنين للموت

أما الذين يؤمنون بالله ، وبأنبيائه ورسله ، وبالآخرة ، فإنهم ـ بحسب ما علمهم إياه القرآن ، ونبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله ) ـ ينظرون إلى الموت نظرة تختلف كثيراً عن نظرة غيرهم . ويمكن تلخيص ذلك في ما يلي من نقاط :

خلق الموت و الحياة

قال تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا … ﴾ 2 .
فالآية الكريمة قد ذكرت الموت ، قبل أن تذكر الحياة . ثم صرحت بأن الموت مخلوق له تعالى ، تماماً كما هي الحياة .
ثم ذكرت : أن السر في خلق الموت والحياة هو وضع الإنسان على المحك ، بهدف دفعه لمواصلة تحركه نحو الأفضل والأحسن في مسيرته التكاملية ، في نطاق جوٍ مثير يهيمن عليه تنافس إيجابي ، باتجاه تكوين وصنع الحياة ، والتأثير فيها وإثارتها لتتجسد عملاً ذا ميزات جمالية تنمو وتتكامل في جماليتها من حسن إلى أحسن بصورة مطردة .
فالموت والحياة معاً لهما دورهما الإيجابي في بناء الحياة ، وفي تكامل الإنسان في إنسانيته ، من حيث إنهما ينتجان عملاً حسناً ، بل ومتميزاً في حسنه وجماليته ، يكون هو الرصيد الذي يؤهل الإنسان للمشاركة في الحياة الحقيقية التي لا تصلح إلا للإنسان الذي استوفى باختياره ، وبجهده وعمله الدؤوب خصائصه ، وميزاته الإنسانية ، ﴿ … لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً … ﴾ 3 .
وفي حياته الحقيقية تلك ـ أعني في الآخرة ـ يصبح أكثر وأعمق إحساساً بالأمور ، حيث تتساقط الحجب التي تؤثر على مستوى إحساسه وإدراكه ، ولأجل ذلك كانت هذه الحياة « حياة دنيا » ، لتدني مستوى الشعور ، والإدراك والإحساس فيها ، لأنه محجوب بالوسائط ، ومستند في الأكثر 4 إلى التخيل استناداً إلى صور ذهنية عن الحقائق الراهنة ، ساهمت الحواس بإيصالها إليه . بالإضافة إلى حاجز الشهوات والهوى ، وإلى الآثام والمعاصي التي تزيد من طغيان الجسد ، وتضعف القدرات الروحية لديه ، فيتضاءل إحساسه بالحقائق ، ويتقاصر فهمه عنها .
أما الآخرة فقد قال الله عنها : ﴿ … وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ 5 .
وقال تعالى : ﴿ … فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ 6 .
وخلاصة الأمر : أن الإنسان يجتاز مرحلة الموت ، ليصل إلى عالم البرزخ ومعه رصيده العتيد ، من عمل حسن وأحسن ، ويتخلص من كل ما يحجزه عن مواصلة مسيرته التكاملية نحو الله سبحانه ليفوز بقربه كما قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ 7 ، فيصل إلى البرزخ الذي هو بمثابة بوتقة يتم فيها تأهيل من يحتاج إلى التأهيل لاستقبال الحياة الحقيقية ، التي هي حياة الآخرة ، بكل حيوية ونقاء وصفاء ، ويكون هو بداية الفوز والنجاح ، وهو باب الخير والفلج والفلاح ، وأول طريق الأمن والسلامة والنجاة من المخاطر ، التي تنشأ من طغيان الشهوات ، ودواعي الغرائز والأهواء .
فبالموت يملك الإنسان المؤمن نفسه ، ويتحرر من شهواته ، ويستفيد من كل جهات وجوده ، ومن طاقاته بصورة كاملة ، وبه يخرج من سجن قاس ومرهق أيضاً . . وما أحلى أن يحصل الإنسان على حريته وأن يكون هو سيد نفسه ، ويواصل انطلاقته نحو الله في رحاب ملكوته . ليحيا هناك الحياة التامة بكل وجوده وطاقاته وأحاسيسه ، قال تعالى : ﴿ … وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ 5 .
ولا غرو أن يكون هذا الموت حبيباً ولذيذاً ، كما قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه » 8 .
وقد وصف الإمام الحسين ( عليه السلام ) أصحابه فقال : « يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل إلى محالب أمه » 9 .
وسأل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، القاسم بن الحسن ( عليهما السلام ) : يا بني كيف الموت عندك؟!
قال : يا عم أحلى من العسل 10 .
وحين قال ابن زياد لعنه الله للعقيلة زينب سلام الله عليها : كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك ؟ قالت : ما رأيت إلا جميلاً 11 .
وحين ضرب ابن ملجم لعنه الله ، أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، قال صلوات الله وسلامه عليه : فزت ورب الكعبة 12 .
إلى غير ذلك من نصوص كثيرة تدخل في هذا المجال .
هذا بالإضافة إلى ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴾ 13 .

و بكلمة

إن الموت هو سر الحياة ، وهو يعطيها معناها ومغزاها ، وقيمتها . وهو غاية زينتها وبهجتها ، وهو سر الطموح ، وسر الحركة الدائبة باتجاه الأفضل فيها ، وسر سعي الإنسان إلى كماله ، وكدحه إلى ربّه ، وسرّ ملاحقته لأسرار الكون وخفاياه ، ليستفيد منها في ترسيخ حالة الأمن والسلامة القصوى في حاضره وفي مستقبله على حدٍّ سواء .
هذا . . بالنسبة للمؤمن . .
أما غير المؤمن فيرى في الموت خسراناً لنفسه ، وبواراً لأهدافه وطموحاته ، ولن يكون قادراً في الآخرة على نيل درجات القرب ، ولا على الانطلاق في رحاب ملكوت الله سبحانه ، أو الإحساس بجلاله وجماله ، إحساساً حقيقياً وعميقاً ، لا يقتصر على مجرد المعرفة الذهنية ، بل هو سيكون منشغلاً بنفسه ، وبآلامه في ظلمات الجحيم ، حيث ﴿ … وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ … ﴾ 14 ; وهو في الآخرة . كما في الدنيا أعمى ، بل هو أضلُّ وأشقى قال تعالى : ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ 15 .

الموت قلادة على جيد الفتاة

وما أروع ما روي عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) في هذا المجال ، حيث قال في مكة وهو متوجه إلى كربلاء : « خُطّ الموت على ولد آدم مَخَطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف إلخ . . » 16 .
فقد بين ( عليه السلام ) حتمية الموت وأنه هو زينة الحياة ، يزيدها جمالاً ، وبهاءً ورونقاً ، ويعطيها المزيد من البهجة واللذة ، تماماً كما هو الحال بالنسبة للقلادة إذا كانت على جيد الفتاة ، فإنها تكون زينة لها ، تشدُّ الأنظار إليها ، وتزيد من تعلق القلوب بها .
ويستوقفنا هنا التعبير بكلمة : « جيد » التي توحي بالجودة ، وهو تعبير مريح للنفس ، مثير للكثير من المعاني اللذيذة في أعماقها .
كما ويلفت نظرنا أيضاً اختيار خصوص الزينة التي في هذا الموقع الحساس من جسد المرأة ، بما يثيره من إيحاءات تنبعث من صميم الإغراء الأنثوي ، وفي النقطة المركزية والأساس فيه .
ثم إنه ( عليه السلام ) يختار التعبير بكلمة « الفتاة » بدلاً من كلمة « المرأة » ونحوها . لأن الفتاة وليس سواها ، هي التي تمثل القمة في الحيوية ، والطموح ، والجمال ، وما إلى ذلك .
فهذا موقع الموت ، وهذه هي حساسيته ، وبذلك تظهر أهميته .

الشهادة في معناها و مغزاها

وإذ قد عرفنا ، ولو بصورة موجزة ماذا يعني الموت للإنسان المؤمن ، ولغيره . . فإن ذلك يفتح أمامنا باب معرفة ما يعنيه الموت إذا كان قتلاً وتضحية في سبيل الله سبحانه ، وفي سبيل المستضعفين في الأرض .
ولتوضيح ما نرمي إليه هنا نبادر إلى القول : إن القرآن عندما استعمل كلمة شهيد ، وشهداء ، لم يرد بها مجرد القتل المذكور إلا بما هو مختزن لأمر جليل ، وخطير ، جعله هو العنوان الحاكي لهذا القتل ، والمعبر عنه . ولكنه عنوان قد استهلك هذا المعنون في داخله ، وأصبح هو معناه ومغزاه ، والعنوان هو الشهيد .. والشهداء . . وهي كلمة تعني حضور الحدث بصورة واعية . فالشهيد ـ التي تعني كثرة أو شدة وعمق الحضور الواعي ـ تشير إلى أن الشهيد قد أراد الوصول إلى كنه حقيقة الحياة ، وواقع الأمر وملامسته ، مع مزيد من الإدراك والوعي له ، وعميق الإحساس الوجداني والواقعي الحقيقي به ، ثم معرفة قيمته الحقيقية على ما هو عليه في نفس الأمر .
فالشهود إذن هو تعبير جاد وصادق عن درجة من الحضور ، إذ قد يكون الإنسان حاضراً لواقعةٍ ما ، ولكنه لم يشهدها ، وذلك إذا لم يدركها بعمق راسخ ، تتشارك فيه قوى الإدراك الباطنة والظاهرة في الوصول وفي الحصول .
وهذا الشهود يكون لكل مؤمن بدرجة ما ، سواء أكان قد قتل في سبيل الله أم لا ، فالأنبياء شهداء ، والأوصياء ، والعلماء و . . و . . شهداء . والمقتولون في سبيل الله أيضاً شهداء . فالله سبحانه يقول : ﴿ … لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ … ﴾ 17 ; يريد التمكن من إدراك واقعهم ، والإحساس به وملامسته بصورة أوفى وأتم .
ومعنى ذلك : أن القتل في سبيل الله ، الذي ينشأ عنه أن يصبح المقتول شهيداً على الناس ، سوف يتسبب بتساقط جميع الحجب ، و زوال كافة الموانع عن إدراكه الحقيقي والعميق ، وسوف يزيد من إحساسه الحقيقي والوجداني بما يحيط به ، ليكون أكثر معرفة بواقع الحياة ، وبدقائقها ، وحقائقها ، وبدور الخصوصيات والمؤثرات والمناشىء ، ثم بالآثار والنتائج لكل فعل أو قول ، أو موقف ؛ فيصبح مؤهلاً لأن يكون شهيداً عليهم ، ورقيباً على كل واقعهم ، ليؤدي هذه الشهادة في يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ـ يؤديها من موقع الحاضر والناظر ، والمتفاعل بكل وجوده مع كل ما يحيط به .

التربية الإلهية

وطبيعي : أن الوصول إلى درجة الشهادة على الناس يحتاج إلى تربية إلهية ، ورعاية ملكوتية ، تمنحه المعرفة الحقيقية ، والرؤية الصحيحة ، وتربّيه في سلوكه وفي مشاعره وأحاسيسه وعواطفه . وتصفي وتزكي روحه ، ونفسه ، وعمله ، وكل وجوده وتوازن بين كل خصائصه ومزاياه ، ليكون إنساناً إلهياً ، بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، وليكشف الله من ثم عن بصره ، وعن بصيرته ، ليصل إلى درجة الشهود ، ويختاره الله سبحانه ويصطفيه لنفسه ، ويخصه
بكرامته ، قال تعالى : ﴿ … وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء … ﴾ 18 .
وقال سبحانه : ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴾ 19 .

ترسيخ حالة الشهود بالجهاد الأكبر

وقد عبر الإسلام عن جهاد الإنسان لنفسه بـ « الجهاد الأكبر » ، لأنه صراع الإنسان مع أحب شيء وأعز ما ومن في الوجود عليه ، وآثرهم لديه . وهو نفسه الأمارة ـ وليست اللّوامة ـ التي بين جنبيه . ذلك العدو القوي الذي يملك عليه مشاعره ، وأحاسيسه ، وعقله ، ولا يمكنه أن يقتنع أو أن يتوهم أنه عدو له . كما أنهّ العدو الذي لا يمكن القضاء عليه ، ولا الانفصال عنه ، ولا التخلص منه ، ولا إنهاء حالة الصراع معه .
وإن نجاح الإنسان في الجهاد الأكبر هذا يمنحه الفرصة للوصول إلى حالة الشهود تلك ، لتزيد فيه قوة ورسوخاً ، ولتطرد في تكاملها وتناميها ، فيرى الأمور على حقيقتها ، ولا تقتصر رؤيته على حيثيات الزينة الدنيوية وحسب .
وبسبب تنامي درجة الشهود ، وكنتيجة طبيعية لدرجة الإدراك الموضوعي لحقائق الأمور ، بعيداً عن الزبارج والبهارج ، وبتفاعل جديد في حركة دائرية مطردة ، يتم إنتاج مفردات جهادية جديدة : بالنفس ، وبالمال وبسواهما . ويترسخ اليقين بهدف خلق الله الكون والحياة ، كنتيجة طبيعية لدرجة ومستوى إحساسه وعيشه مع الله سبحانه ، وانسجامه مع ألطافه وأهدافه ، ومدى استعداده للحصول على المزيد ، ثم المزيد من ذلك كله .
وهذا ما يجعلنا نفهم بعمق قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه الله لخاصة أوليائه » 20 . لأن هؤلاء الخاصة هم المؤهلون لنيل درجة الشهود تلك ، ولينتج ذلك من ثم المزيد من المواقف الجهادية الرائدة ، في سبيل الله سبحانه ، وفي سبيل المستضعفين ، دونما رهبة من سلطان قاهر ، ودونما رغبة في شيء من حطام الدنيا .

المحورية الإلهية هي الأساس

وإذا كان الإنسان وهو يعيش مع الآخرين ، ويتعامل معهم ، في مختلف الشؤون الحياتية ، يجد أن الكثير من مفردات تعامله هذا تتطلب منه أن يشعر بميزاته ، وبخصوصياته الفردية ، التي تخصِّص وجوده ، وتميزه عما سواه . ويجد أن خصوصياته وميزاته هذه ، تتصارع مع خصوصيات الآخرين ، وميزاتهم الفردية .
ويدرك أن ثمة ساحة صراع بين رغبات ونزعات ، وخصوصيات كل فردٍ ، فردٍ ، مع مثيلاتها لدى الأفراد الآخرين ، مهما اختلفوا ومهما بلغ عددهم ، فإن ذلك يفسح في ساحة الصراع ، ولا يحددها .
فإذا استطاع كل منهم أن يتجاوز ذاته ، وخصوصياتها ، ويجرد فرديته من معالمها وميزاتها ، ولونها ، وطعمها ، ورائحتها ، فلا يبقى لها سمات طبقية ، ولا عرقية ، ولا قومية ، ولا مهنية ، ولا اقتصادية ، ولا شكلية أو جمالية و . . و . . نعم . . إنه إذا استطاع ذلك ، فلا يبقى ـ من ثم ـ ما يبرر تصادمها مع الخصوصيات الفردية للآخرين ، إذا كانوا هم أيضاً قد تخلصوا ـ كما تخلص هو ـ من أثقالها . .
وبذلك يكون هذا الإنسان قد استبعد شطراً كبيراً من الموانع التي تعيق مسيرته التكاملية في الحياة . ويلتقي مع كل ما لدى الآخرين من طاقات ومن جهد ، ويعملون معاً في بناء الحياة الإنسانية ، باندفاع قوي وناجح باتجاه الأهداف السامية ، والغايات الفضلى ، التي تتجاوز ـ فيما هو التقدير الإلهي ـ هذه الحياة الدنيا ، إلى حياة أسمى وأعلى . هي الحياة الحقيقية المثلى والفضلى .
بل إن هذا الإنسان إذا استطاع أن يسير وفق التخطيط الإلهي ، لسوف يتمكن من أن يحوّل ، بل يصْهَر ويذوِّب خصوصياته الفردية ويجعلها تصب في بوتقة الانصهار في الوجود المنطلق من الله وإليه ، في المسيرة الكادحة والناجحة والرابحة إليه تعالى .
فيحوِّل الخصوصية الجمالية مثلاً ، أو القومية ، أو حتى الاقتصادية ، ولو على مستوى التجمل الشخصي إلى إحساس عميق بالله سبحانه ، وبتجلي نعمه وألطافه ، ورعايته الربانية ، ثم بقدرته ، وحكمته ، وعلمه ، وقيّوميته . . ثم هي تؤهل الإنسان ـ من خلال ذلك ـ لسلوك طريق ذات الشوكة الموصل إلى الله سبحانه 21 ، بدلاً من أن تعيقه عنه ، وتثقل خطوه ، وتستأثر بجهده العقلي ، وبمشاعره ، ثم بإرادته أيضاً .
وبكلمة واحدة ، أن يصبح سلطان الهوى ، والشهوة ، والغريزة متناغماً ومنسجماً مع ذلك الهدف الكبير ، فيميل إلى كل ما يوصل إليه ، ويشتهي جميع ما يقربه منه ، وينتهي به الأمر إلى أن تصبح الغريزة والهوى والشهوة كلها أيضاً في خدمة إنسانيته ، وطوع إرادته التي لم تعد إرادة الفرد ، وإنما هي إرادة الجماعة التي تطلقها وتحركها إرادة الله سبحانه ، وليس أي شيء آخر سواها .
فإذا كانت المذاهب المادية تعمل على تأكيد خصوصية الفرد ، وإثارة كوامن الأنانية ، فتنتج عُجباً وغروراً وجبروتاً إلخ . . فإن الإسلام يعمل على استبدال محورية الفرد والأنا؛ ويسقط هذه التفاريق عن أن تكون سبباً في التفريق ، ويصوغها من جديد ، لتصبح وسيلة وسبباً في الجمع والتوحيد ، ويحوّل الخصوصيات الفردية إلى روافد للخير ، وحوافز للنمو والتكامل في الشخصية الإنسانية الجامعة ، بعد تزكيتها وشحنها بالهدى والخير ، وبالطاقات الكبيرة والمؤثرة ، حتى تصبح في قبضة إرادة الإنسان ، ولتكون الرصيد الذي يعتمد عليه ، ويستفيد منه في سعيه وكدحه إلى الله ـ ليصبح ـ من ثَم ـ تجسيداً للإنسان الإلهي الذي هو في أحسن تقويم ، ويكون الله بالنسبة إليه هو المآل والنهاية ، كما كان سبحانه هو المنطلق والبداية .
وبهذه المحورية الإلهية ، والبديلة عن محورية الأنا ، يصبح الإنسان جامعاً لكل معاني الخير والصدقية ، والواقعية ، التي تستشرف كل هذا الوجود ، وتهيمن عليه ، من موقع الحكمة والمعرفة ، والرعاية ، والهدى والخير ، والقوة و . . وتتكون له من ثم ـ حياة جديدة ، وهوية جديدة ، ولون وطعم جديدين ،
وتنشأ لديه رغبات ، ونزعات ، وطموحات ، وخصوصيات ، ومزايا جديدة وفريدة أيضاً .
وبذلك فقط يُحْفَظُ هذا الإنسان من الضياع ، إذ بدون ذلك سيضطر لو أنه فقد معالم شخصيته الفردية ، وواجه الصراع مع نزعات وخصوصيات الآخرين الفردية المتناقضة والمتناحرة ـ نعم سيضطر ـ للانكفاء من جديد إلى أحضان الأنا ، وإلى آفاق الفردية ، ويصبح سجينها وضحيتها ، وما أشقاه من سجين ، وما أغلاه من ضحية .

الأمن و الرضا

وهنا يحقق الإنسان أحلى أمنياته وأغلاها ، وأروع أحلامه وأسناها ، حيث يعيش حالة السلام والأمن في كل حياته ، وفي صميم وجوده العتيد ، وذلك من خلال شعوره بأن الله هو كل شيء في هذه الحياة ، فهو المبدأ وهو المنتهى ، ولتنعم نفسه بالرضا في ظل مصدر كل خير ، وعطاء ، وكل رغد ونعماء ، وهو منتهى كل رغبة ، وبيده ملكوت كل شيء .
ومن الواضح : أنه إذا كان الله سبحانه هو وحده مصدر كل خير وعطاء وقوة ، و . . و الخ . . فإنه يكون وحده المستحق للعبادة ، وهو مصدر العطاء وبه تكون الاستعانة على كل الأمور ، ولا تصح الاستعانة بغيره أبداً .
وإذا كان الله هو مصدر كل خير وعطاء وقوة ، فلا يملك الإنسان قوة ولا أي شيء ذاتي في نفسه خارج نطاق العطاء الإلهي ، فلماذا يعجب هذا الإنسان بنفسه ؟ ولماذا يستكبر ؟ ولماذا يطغى ؟ ولماذا ؟ ولماذا ؟
فالتوحيد الخالص يمنع العُجْب ، و يمنع الاستكبار ، وغير ذلك من رذائل . .
كما أنه إذا لم يكن أحد غير الله يملك ضراً ولا نفعاً ، فلماذا الرياء . فالتوحيد الخالص ينفي الرياء أيضاً .
وهكذا يقال بالنسبة لسائر الرذائل التي يبتلى بها هذا الإنسان الضعيف .
وواضح : أن هذا التحرر التام هو نتيجة التوحيد الحقيقي وتأكد رسوخ أساس العقيدة بالنبوة وبالمعاد أيضاً . فإن ذلك يفرض توحيد العبادة والعبودية ، وتوحيد العمل والسلوك أيضاً .
كما أن هذا التوحيد في العبادة ، وفي الأفعال ، يجعل هذا الإنسان أوسع أفقاً وأرحب وعياً وأعمق فهماً على الحياة ، ولسوف ينتج ذلك مزيداً من التأمل ومن الفكر العميق في أسرار الحياة والخلق واستكناه الحقائق . . ثم العمل الجاد الذي يكون في مستوى هذه النظرة الشمولية والواعية .
وفي التوحيد في العبادة ربط باللانهائي واللامحدود ، الذي هو مصدر كل عطاء ، وهو واهب القدرات ، فما على الفكر من حرج إذن ، إذا انطلق ليتصل بالمحدود ، ليوظفه باتجاه اللامحدود وهو الله سبحانه ، وليقوم بالإنجاز الكبير الذي سيكون بحجم الحياة كلها ، وهي تستشرف الخلود في الآخرة .
هذا كله بالإضافة إلى إخراج الإنسان من حالة الانعزال والانفصال إلى حالة التواصل والتعاون والمشاركة ، والفهم العميق لهذه المشاركة .
ومن أجل ذلك كان التوحيد في الاستعانة معناه الحرية الكاملة والحقيقية ، حيث لا يشعر أنه بحاجة إلى أحد ، لأن الجميع لا يملكون ضراً ولا نفعاً ، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً . ولأجل ذلك جاءت الاستعانة مطلقة ومن دون تقييد أو تحديد . .
﴿ … أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ 22 . .
وهذا الأمن والسلام ، والرضا هو أساس الحياة ، وهو المرتكز القوي والحقيقي والثابت لكل تخطيط ، وعمل وبناء ، ثم للوصول إلى الهدف الأسنى وتحقيق أسمى الغايات .
ويظهر بذلك مصداق قوله تعالى : ﴿ … أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ 22 .
وكذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ 23 .

توحيد العبودية و الحب

وحين نقرر : أن الله سبحانه لابد أن يكون هو المحور ، وليس هو الفرد ، والأنا .
فإننا نعني : أن يصبح الإنسان إنساناً إلهياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، فيكون التوحيد الخالص والصافي هو المحور والمرتكز الذي يثوب إليه الناس من كل متاهاتهم .
إنه توحيد العبودية والحب ، وتوحيد الولاء ، والانتماء . توحيد الفطرة الصافية ، والوجدان الطاهر ، والضمير الحي . لا التوحيد النظري الفلسفي ، الذي لا يتجاوز حدود الفكر ، والتصور العقلي .
التوحيد الذي يجتذب كل روافد الخير ، والحياة ، والطهر في عمق وجود هذا الإنسان ، لتصب في غماره ، وتندمج ، وتذوب في تياره العارم ، وذلك عبر المسالك الفطرية والوجدانية الصافية ، التي تتجسد حركة وسلوكاً ، وموقفاً , وعملاً صالحاً .
هذه المسالك والروافد ، التي تتجسد في العبادات الإسلامية وفي الارتباط الروحي العميق بكل الرموز الهادية إلى الله ، والموصلة إليه . وفي مقدمتها أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فكما تكون الكعبة رافداً إنسانياً ، كذلك كربلاء ، وسامراء ، والبقيع ، والنجف الأشرف ، ومشهد ، وبغداد ، هي الأخرى روافد إنسانية ، وشعورية ، ووجدانية ، ومنار جهاد . .
وما ذلك إلا لأن الإسلام أراد لهذا الإنسان ، أن لا يتقوقع في الزوايا والخبايا ، يتلهى بعباداته الفردية ، مستفيداً من ذلك للهروب والتخلي عن المسؤوليات خارج نطاق الذات والشخص .
بل أراد سبحانه له أن يتخلص من نوازع الأنا ، ومن خصوصياته الفردية ، وأن يكون حاضراً ، ومشاركاً قوياً في متن ساحة الصراع والتحدي ، التي تثير فيه كوامنه ونوازعه الفردية ، عبر الاحتكاك فيما بينها . وبين ما سواها في مختلف مجالات الحياة ، وفي أدق تفاصيلها ، ويلاحق ويتحمل المسؤولية تجاه كل حالاتها وشؤونها .
ولأجل ذلك : نجد أن الإسلام قد أراد أن يزج بهذا الإنسان حتى في عباداته الفردية والخاصة ، في أوسع مجالات الحياة ، وأكثرها صخباً ، حتى إنك لتجده حين يشرّع له الصلاة ، يطلب منه أن يجعلها جماعة ، فإن أجره وثوابه يزيد بازدياد عدد المصلين ، رغم أنه ثواب على أمر لا خيار ولا اختيار له فيه .
ورد أنه ( صلى الله عليه و آله ) قد هدد بإحراق بيوت أناس على أهلها ، لأن أهلها تركوا الصلاة جماعة .
كما أن ما يسمى بالاعتكاف ـ حسب المصطلح الفقهي ـ قد جعل شرطه الأساس أن يكون في المسجد الجامع ، لا في زوايا البيوت ، أو حنايا الصوامع . وما ذلك إلا لأن في أجواء الحذر والريبة ، والعدوان ، والخوف ، والكيد والتحدي ، يتم صقل شخصية الإنسان ، وتظهر مواضع العوار فيه ، وتسهل عليه وعلى آسيه 24 معرفة الداء ، ليصف له الدواء الناجع والشافي .
وفقنا الله للسير على هدى الإسلام ، إنه ولي قدير وبالإجابة حري وجدير .
والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين . . 25 .

  • 1. a. b. القران الكريم : سورة البقرة ( 2 ) ، الآية : 96 ، الصفحة : 15 .
  • 2. القران الكريم : سورة الملك ( 67 ) ، الآية : 2 ، الصفحة : 562 .
  • 3. القران الكريم : سورة هود ( 11 ) ، الآية : 7 ، الصفحة : 222 .
  • 4. إذ إن بعض المدركات تكون عبر الإحساس الحقيقي بها ، من قبيل الإحساس بالجوع والعطش ، وكذا بعض الحقائق النفسية أيضاً .
  • 5. a. b. القران الكريم : سورة العنكبوت ( 29 ) ، الآية : 64 ، الصفحة : 404 .
  • 6. القران الكريم : سورة ق ( 50 ) ، الآية : 22 ، الصفحة : 519 .
  • 7. القران الكريم : سورة الانشقاق ( 84 ) ، الآية : 6 ، الصفحة : 589 .
  • 8. نهج البلاغة [ بشرح عبده ] : 1 / 41 ط دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان .
  • 9. مقتل الحسين للمقرم : 262 .
  • 10. اللهوف : 82 و83 و نفس المهموم : 208 .
  • 11. اللهوف : 67 ونفس المهموم : 371 .
  • 12. ترجمة الإمام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق : 3 / 303 و ينابيع المودة : 65 و مقتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لابن أبي الدنيا [ مطبوع في مجلة تراثنا ] سنة 3 عدد 3 ص 96 .
  • 13. القران الكريم : سورة الفجر ( 89 ) ، الآية : 27 و 28 ، الصفحة : 594 .
  • 14. القران الكريم : سورة إبراهيم ( 14 ) ، الآية : 17 ، الصفحة : 257 .
  • 15. القران الكريم : سورة الإسراء ( 17 ) ، الآية : 72 ، الصفحة : 289 .
  • 16. اللهوف على قتلى الطفوف ، لابن طاووس : 25 و مقتل الحسين للمقرم : 190 عنه و عن ابن نما : 20 .
  • 17. القران الكريم : سورة البقرة ( 2 ) ، الآية : 143 ، الصفحة : 22 .
  • 18. القران الكريم : سورة آل عمران ( 3 ) ، الآية : 140 ، الصفحة : 67 .
  • 19. القران الكريم : سورة محمد ( 47 ) ، الآية : 17 ، الصفحة : 508 .
  • 20. نهج البلاغة الخطبة رقم 36 : 1 / 63 .
  • 21. إذ إن سواها لا يوصل إليه سبحانه ، فلا يصح لأحد أن يقول : أصلي ركعتين ، فذلك يغنيني عن الجهاد في سبيل الله .
    فطريق ذات الشوكة هو العمل بالتكليف الشرعي الراهن مهما بلغ . وعدم تخير الأعمال عشوائياً ، فإن اختيار ما سوى التكليف الراهن لا يوصل إلى الله ، بل يبعد عنه ، لأنه يوجب سخطه سبحانه .
  • 22. a. b. القران الكريم : سورة الرعد ( 13 ) ، الآية : 28 ، الصفحة : 252 .
  • 23. القران الكريم : سورة الفجر ( 89 ) ، الآيات : 27 – 30 ، الصفحة : 594 .
  • 24. الآسي هو المداوي .
  • 25. مقالات . . ودراسات ، للعلامة السيد جعفر مرتضى العاملي ، المركز الإسلامي للدراسات ، الطبعة الأولى ، 1424هـ . ـ 2003م .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى