مقالات

الإصلاح العربي…

أمام المشهد التاريخي العربي الحديث هناك العديد من القراءات المتباينة، التي حاولت تفسير ذلك المشهد في صيرورته ومآلاته. فهناك من يرى أن تاريخ العالم العربي يمثل تاريخا متراكما من الهزائم والفشل. فتجربة محمد علي باشا التي صورتها الأدبيات العربية بأنها من أكثر التجارب كفاءة في بناء دولة عربية عصرية ومتقدمة انتهت إلى الفشل. ومشاريع الإصلاح على قوتها وزخمها لم تستطع إصلاح دولة الخلافة العثمانية التي تلاشت واضمحلت. والجامعة الإسلامية التي دعا إليها الأفغاني ورثنا من بعدها تفكك وانقسام العالم الإسلامي على بعضه إلى أجزاء متفرقة ومتنازعة فيما بينها. والإصلاح الديني الذي دعا إليه الشيخ محمد عبده لم يستطع أن يطبقه في إصلاح الأزهر. والكواكبي الذي قدم أعظم خطاب في كراهية الاستبداد، في كتابه الشهير (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) وإذا بنا نرى الاستبداد متفشيا في عالمنا العربي والإسلامي. والشيخ النائيني الذي دعا إلى الدستورية والحكم المقيد بالدستور، وإذا بالدول تتحول إلى حكومات مطلقة.

وهكذا الحال مع قيام وتتابع الدولة العربية الحديثة التي صادف قيامها نكبة 1948م وضياع القدس وفلسطين، إلى نكسة 1967م، ومن أزمة احتلال الكويت إلى دخول القوات الأمريكية العراق، ومن فشل في السياسة إلى فشل في الاقتصاد، ومن فشل في التربية إلى فشل في التعليم… وهكذا التاريخ يتلاحق بين هزيمة وفشل. الواقع الذي كرس معه الإحباط، وذهنية الفشل، وضمور الإرادة، والإحساس بالعجز، وانسداد الأفق.
وهناك من يرى أن تاريخ العالم العربي يمثل تاريخا من المؤامرات الخارجية والمنظمة. وحسب هذه القراءة فإن كل تلك الهزائم، وذلك التراكم من الفشل هو بسبب مؤامرات الدول الكبرى المستعمرة والمعادية، فالعامل الخارجي حسب هذه القراءة هو الأساس في الضعف والتراجع الذي وصلنا إليه.
وهناك من يرى أن تاريخ العالم العربي يمثل تاريخا متتابعا من الفرص الضائعة التي لم نحسن الاستفادة منها، والتعامل السليم معها. فقد مرت علينا الثورة الصناعية في أوروبا مع بداية القرن العشرين، وكانت حدثا كبيرا ومدويا في العالم، ولم نعمل للاستفادة منها. ومرت علينا كل تلك التحولات العلمية والتقنية التي شهدها الغرب واليابان من بعد تلك الثورة الصناعية، ولم تحدث تغيرا حقيقيا في تطوير حياتنا العلمية والتقنية. وتمر علينا اليوم ثورة المعلومات وما سمي بانفجار المعرفة، والتطورات المذهلة في مجالات الاتصال والإعلام والمعلوماتية، ونحن لا نملك إلا أن نظهر الخوف والشك والقلق، وإذا كان من المبرر أن نخاف، إلا أن هذا الموقف بالتأكيد ليس كافيا على الإطلاق، فهو موقف الضعيف الفاقد للثقة بالذات.
كما شهدنا بالسمع والبصر والفؤاد كيف أن العالم يتقلب ويتغير بصورة مفاجئة وسريعة، جعلت من الاتحاد السوفيتي القوة العظمى الثانية في العالم، مع كل ما يملك من جيوش ضخمة، وترسانة هائلة من الأسلحة المتطورة علميا ينهار بين عشية وضحاها، وتتصدع معه أكبر إيديولوجية صنعها الإنسان في التاريخ الحديث وهي الماركسية. وظلت هذه التغيرات تتراكم وتتلاحق حتى وصلت إلى كافة المعسكر الشرقي في أوروبا. وبقينا نحن نراقب المشهد وبتعجب، ولم نستطع أن نغير ما بأنفسنا، وبقي العالم العربي وكأنه عصيا على التغير. ومرت علينا حروب وضعت المنطقة على حافة الخطر، وبالذات حربي الخليج الثانية والثالثة، وبعد كل حرب كان يجري الحديث عن إصلاحات جذرية وجوهرية وحقيقية، وعلى الأرض لم نرى إلا غبارا، ولم يكن حصادنا إلا مرا.
وجاءت أحداث 11 سبتمبر التي هزت العالم بقوة شديدة، وكأن حربا عالمية ثالثة قد حصلت في العالم. وهي الأحداث التي جعلت العالم العربي يكون في قلب العالم، ويصبح وكأنه اكتشاف جديد إلى العالم، الجميع ينظر إليه، ويفكر فيه، ويتساءل عنه. وأخذ الغربيون والأمريكيون منهم بالذات، يلتفتون إلى هذه المنطقة باعتبارها في نظرهم المنطقة التي لم تصل إليها من قبل رياح التغيير التي هبت على العالم بعد سقوط جدار برلين سنة 1989م، وينبغي اليوم أن تتغير حتى لا تتكرر أحداث 11 سبتمبر مرة أخرى في العالم. لهذا حصل الاهتمام بدفع هذه المنطقة نحو الإصلاح والتغيير برغبتها أو بدون رغبتها، حتى لو اقتضى الأمر تطبيق خيار الحرب كما حصل في العراق. فالعالم يطالبنا بالإصلاح وماذا نحن فاعلون!
فهل نحن أمام تاريخ من الهزائم والفشل حسب القراءة الأولى؟ أم أمام تاريخ من التآمر والمؤامرات حسب القراءة الثانية؟ أم أمام تاريخ من الفرص الضائعة حسب القراءة الثالثة؟ والحقيقة إننا أمام تاريخ من التخلف فيه من كل ذلك. فيه من الهزائم والفشل، وفيه من التآمر والعدوان، وفيه من الفرص الضائعة، ولكن فيه أيضاً محطات مضيئة ينبغي أن تذكر1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الأربعاء 2 فبراير 2005م، العدد 14039.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى