سيرة أهل البيت (ع)

ابو الفضل جذوة الصهيل في ملحمة البطولات

حمود الصراف

اصدق الوعد وأوفى فيما أعطى في سبيل الله ومضى والأيام والليالي.. ترتل سيرته الشريفة بانبهار وتفتخر على ما قبلها وبعدها على ما ذب في سبيل الإسلام وأخيه ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله.. أبي الفضل ما شاعت لسواك من مكحل المكرمات قط إلا جذوة الصهيل في منتجع البطولات تغدق جودها وتعرًفها سبلا واعية وهي في سلم المعالي ترسم أنشودة الحياة.
نعم فلا قول إلا ما قاله الإمام الصادق عليه السلام: كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله عليه السلام وابلى بلاءً حسنا ومضى شهيدا.
سطر بأفعاله صرحا شامخا ومجدا خالدا، وليكون أنشودة الأحرار في كل زمان ومكان ومبهرا الأفئدة لما قدم من عظيم التضحية والجهاد في سبيل الله.

الولادة الميمونة:
ولد عليه السلام سنة ست وعشرين من الهجرة، سماه ابوه عباسا وهو من أسماء الأسد، ويلقب بـ(قمر بني هاشم)، وذلك لجمال هيأته وبهائه وكانت رجلاه تخطان الأرض عندما يركب الفرس، ويكنى (أبا الفضل).
يكفيه فخرا انه ابن اخي رسول الله صلى الله عليه واله سيد الوصيين وإمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام قد نال مراتب العلم والشرف والمعرفة والفضل اخو سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليهما السلام.
وهو من صميم الأسرة العلوية، التي هي من أجلّ وأشرف الأسر التي عرفتها الإنسانية في جميع أدوارها، تلك الأسرة العريقة في الشرف والمجد، التي أمدّت العالم العربي والإسلامي بعناصر الفضيلة والتضحية في سبيل الخير، وما ينفع الناس، وأضاءت الحياة العامة بروح التقوى والإيمان.

نشأته:
نشا واعد في كنف تزدحم في المكرمات وتصطف فيه آلاء الرحمن وعبق الجنان لثمت شفتي اشرف الخلق بعد النبي الأكرم صلى الله عليه واله يداه.
وكان عليه السلام يوسعه تقبيلا، قال المؤرخون: إنه أجلسه في حجره فشمر العباس عن ساعديه فجعل الإمام عليه السلام يقبلهما وهو غارق في البكاء، فبهرت أم البنين، وراحت تقول للإمام: ما يبكيك يا أبا الحسن؟ فأجابها الإمام بصوت خافت حزين النبرات: نظرت إلى هذين الكفين، وتذكرت ما يجري عليهما.. وسارعت أم البنين بلهفة قائلة: ماذا يجري عليهما؟ فأجابها الإمام بنبرات مليئة بالأسى والحزن قائلا: إنهما يقطعان من الزند.
كانت هذه الكلمات كصاعقة على أم البنين، فقد ذاب قلبها وسارعت وهي مذهولة قائلة: لماذا يقطعان؟ فأخبرها الإمام عليه السلام بأنهما إنما يقطعان في نصرة الإمام والذب عن أخيه حامي شريعة الله ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأجهشت أم البنين في البكاء وشاركنها من كان معها من النساء لوعتها وحزنها…
كان أمير المؤمنين معلم البشرية ومربيها يرعاه من طفولته إلى استشهاده يفيض عليه مكنونات نفسه العظيمة الزاخرة بالإيمان والمثل العليا وآداب الإسلام، وعلمه الفروسية والرماية والمجالدة بالسيف وشركه في حروبه (الجمل، صفين، النهروان)..

شجاعته:
من أبيه تعلم كل خصال الشجاعة فقد كانت مؤهلاته الجسدية وما يحمل من ارث أبيه وأجداده انْ أمه وأبيه من خصال الشجاعة مكنته من يرتقي ليكون شجاعا بمعنى الكلمة ففي المعارك التي خاضها مع أبيه وفي ملحمة الطف، فقد أرعب قلوب عامة الجيش وكما قال الشاعر:
قلب اليمين على الشمال وغاص
في الأوساط يحصد للرؤوس ويحطم
بطل تــــورث من أبــــيه شـــجاعة
فيها أنوف بني الضلالة ترغــــــــم

اليوم التاسع:
وأقبلت جموع الساهين مابين أوله وآخره وارثة حملا ثقيلا وأعباء تصهر الجبال، ينتهون لقتال سيد شباب أهل الجنة، عند غفوة الزمان على أعتاب الضلال مستترا بقيلولة الطغاة وتعسفهم وذلهم ليكون ارثهم الطامة الكبرى منجرة عمياء أثنتها أغلال الشيطان وزهر الدنيا الزائل، وهم في غفلة ساهون أشبعهم نتن ما سلكوا فهبوا يتخافتون إلى الجحيم.
كان (عليه السلام) قد رافق الثورة الكبرى التي أطلقها سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) قلبا وقالبا، النهضة العظمى التي كانت من أهمّ الثورات في تاريخ الإنسانية، وأوفرها عطاءً للأمم والشعوب.
فقد أسهمت إسهاما فعالا في تغيير مجرى التاريخ وحرّرت الإنسان المسلم، ودفعت المسلمين إلى التمرّد على الظلم ومناهضة الجور والطغيان.
وقد ساهم قمر بني هاشم في هذه الثورة المباركة وشارك الإمام الحسين في جميع أدوارها، وقد وعى جميع أهدافها وما تنشده من خير ورحمة للشعوب المحرومة والمضطهدة، لقد كان للعبّاس دور بارز في هذه الثورة، رافق أخاه مطيعا له ومؤمناً بقوله مصدقاً لمبادئه بأنه الإمام المفترض الطاعة والحجة البالغة وصي النبي الأكرم صلى الله عليه واله فلم يفارقه في مسيرته الخالدة من المدينة المنورة حتى كربلاء المقدسة، ففي كل موقف من الثورة كان العبّاس معه في كل صغيرة وكبيرة.

العقيدة والفكر الحق
سطّر أبو الفضل عليه السلام أجمل وأروع منهج في البسالة والبطولة في سبيل الحق ووضح معاني الأخوة الحقيقية وكان كأبيه في طاعة رسول الله صلى الله عليه واله في طاعته لولي الأمر في زمانه أخيه الإمام الحسين عليه السلام.
ففي اصعب المواقف كان صامدا واقفا لم ينْحَنَ حتى لحظة المنية، على الرغم من الكوارث المذهلة التي عاشها، حتى انه كان يستقبل في كل لحظة شاباً أو غلاماً لم يبلغ الحلم من أهل بيته قد مزّقت أشلاءه سيوف وحراب الحاقدين والكفرة، ويسمع صراخ بنات رسول الله صلى الله عليه واله، وعقائل النبوة اذ يلطمن وجوههن، ويندبن البدور الذين صرعوا وتلطخوا بدم الشهادة دفاعاً عن الاسلام.. واصعبها واشقها وهو يرى أخاه ومولاه الاِمام الحسين عليه السلام وحيدا التفّ حوله اراذل الخلق الذين نتنت ارواحهم وانفاسهم وانغمسوا بالشيطان قلبا وروحاً، وما زادته تلك الصعوبات والكوارث الا إيماناً وتصميماً على الصمود وبذل حياته فداءً لسيد شباب اهل الجنة سبط النبي الاكرم صلى الله عليه وآله الامام الحسين عليه السلام .

نشرت في الولاية العدد 116

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق