محاسن الكلام

(٢)﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(٦٧)﴾سورة المائدة

نزول آية التبليغ:

على الرغم من أنّ الأحكام المتسرعة، والتعصبات المذهبية قد حالت – مع الأسف – دون وضع الحقائق الخاصّة بهذه الآية في متناول أيدي جميع المسلمين بغير تغطية أو تمويه، إِلاّ أن هناك مختلف الكتب التي كتبها علماء من أهل السنة في التّفسير والحديث والتّأريخ، أوردوا فيها روايات كثيرة تقول جميعها بصراحة إِنّ الآية المذكورة قد نزلت في علي (ع).

هذا الرّوايات ذكرها الكثيرون من الصحابة، منهم “زيد بن أرقم” و”أبو سعيد الخدري” و”ابن عباس” و”جابر بن عبدالله الأنصاري” و”أبو هريرة” و”البراء بن عازب” و”حذيفة” و”عامر بن ليلى بن ضمرة” و”ابن مسعود” وقالوا: إِنّها نزلت في علي (ع) وبشأن يوم الغدير.

بعض هذه الأحاديث نقل بطريق واحد مثل رواية زيد بن أرقم.

وبعضها نقل بأحد عشر طريقاً، مثل رواية أبي سعيد الخدري ورواية ابن عباس.

وبعضها نقل بثلاثة طرق، مثل رواية البراء بن عازب، أمّا العلماء الذين أوردوا هذه الرّوايات في كتبهم فهم كثيرون، من بينهم:

الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتابه “ما نزل من القرآن في علي” (نقلا عن “الخصائص” الصفحة 29).

وأبو الحسن الواحدي النيسابوري في “أسباب النّزول” الصفحة 150.

والحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه “الولاية” (نقلا عن كتاب “الطرائف”).

وابن عساكر الشافعي (انظر “الدر المنثور” المجلد 3 من الصفحة 298).

والفخر الرازي في “تفسير الكبير” المجلد 3 الصفحة 636.

وأبو إِسحاق الحمويني في “فرائد السمطين”.

وابن الصباغ المالكي في “الفصول المهمّة” الصفحة 27.

وجلال الدين السيوطي في “الدر المنثور” المجلد 3 الصفحة 298.

والقاضي الشوكاني في “فتح القدير” المجلد 3 الصفحة 57.

وشهاب الدين الآلوسي الشافعي في “روح المعاني” المجلد 6 الصفحة 172.

والشيخ سليمان القندوزي الحنفي في “ينابيع المودة” الصفحة 120.

وبدر الدين الحنفي في “عمدة القاريء في شرح صحيح البخاري” المجلد 8، الصفحة 584.

والشيخ محمّد عبده المصري في تفسير “المنار” المجلد 6 الصفحة 463.

والحافظ ابن مردويه (المتوفى سنة 416) (عن السيوطي في “الدر المنثور”).

وجماعة كثيرون غيرهم أشاروا إِلى سبب نزول هذه الآية.

ونحن لا نعني – طبعاً – أنّ العلماء والمفسّرين الذين مرّ ذكرهم قد قبلوا نزول الآية في علي (ع)، بل نقصد أنّهم ذكروا – فقط – الرّوايات الخاصّة بذلك في كتبهم، ولكنّهم بعد أن نقلوا تلك الرّوايات المعروفة، امتنعوا عن قبولها، إمّا خوفاً من الظروف التي كانت تحيط بهم، وإمّا لأنّ التسرع في الحكم وقف حائلا دون إِصدار حكم سليم في أمثال هذه الأُمور، بل لقد سعوا – قدر إِمكانهم – أن يعتموا الرؤية الصحيحة لها ويظهروها بشكل هامشي.

فهذا الرازي – مثلا – وهو المعروف بتعصبه المذهبي في مسائل خاصّة، أدرج سبب نزول هذه الآية كاحتمال عاشر بعد إِيراده تسعة احتمالات أُخرى كلها واهية وضعيفة ولا قيمة لها.

وليس هذا بمستغرب من الرازي، فهذا شأنه في كل المواضيع.

لكنّنا نتعجب من كُتّاب مثقفين أمثال سيد قطب، في تفسيره “في ظلال القرآن” ومحمّد رشيد رضا في تفسيره “المنار”، الذين أهملوا – كلياً – الإِشارة إِلى سبب نزول هذه الآية المذكور في أُمهات المصادر الإِسلامية، أو ضعّفوا أهميته بحيث أصبح بتصويرهم لا يستلفت نظراً.

هل كانت الظروف المحيطة بهؤلاء لا تسمح لهم بذكر الحقيقة؟ أم أنّ حُجُب التعصب أكثف من أن تخترقها أشعة التنوير؟! لا ندري!!

وهناك آخرون اعتبروا نزول الآية في علي (ع) أمراً مسلّماً به، ولكنّهم ترددوا في الإِقرار بأنّها تدل على الولاية والخلافة.

وسنردّ – إِن شاء الله – على إِشكالات هؤلاء.

على كل حال، إِنّ الرّوايات المنقولة في كتب أهل السنّة المعروفة – دع عنك كتب الشيعة – في هذا الموضوع من الكثرة بحيث لا يمكن إِنكارها أو تجاوزها بسهولة.

لسنا ندري لماذا يكتفى في أسباب نزول سائر الآيات بحديث واحد أو حديثين إِثنين فقط، ولا تكون كل هذه الرّوايات الواردة بشأن نزول هذه الآية كافية؟!

أفي هذه الآية من الخصوصية ما ليس في الآيات الأُخرى؟

ترى هل هناك دليل منطقي يسوّغ كل هذا التصلّب؟

ثمّة موضوع آخر لابدّ من الإِشارة إِليه، هو أنّ الرّوايات التي ذكرناها فيما سبق تتعلق كلها بنزول هذه الآية في علي (ع)، أي الرّوايات الخاصّة بسبب نزول هذه الآية فقط، أم الرّوايات الواردة عن حادثة غديرخم وخطبة الرّسول الكريم (ص) وإِعلانه وصاية علي (ع) وولايته، فإِنّها أكثر بكثير من تلك، حتى أنّ العلاّمة الأميني (رحمه الله) ينقل في كتابه “الغدير” حديث الغدير عن 110 من صحابة رسول الله (ص) مع اسنادها، وعن 84 من التابعين، وعن 360 من العلماء والأُدباء المسلمين المعروفين بما لا يدع مجالا للشك في أنّ حديث الغدير واحد من أوثق الأحاديث المتواترة، ولئن شك أحد في تواتر هذه الرّوايات فإِنّه لا يمكنه أن يقبل أي حديث متواتر آخر.

ولمّا كانت دراسة كل هذه الرّوايات الخاصّة بشأن نزول هذه الآية، وكذلك البحث في الرّوايات الخاصّة بحادث الغدير، يتطلب تأليف كتاب ضخم يخرجنا عن طريقتنا في التّفسير، فإنّنا نكتفي بهذا القدر، ونحيل طالب الإِستزادة حول هذا الموضوع الى الكتب التّالية: “الدر المنثور” للسيوطي، و”الغدير” للعلاّمة الأميني، و”إِحقاق الحقّ” للقاضي نور الدين التستري، و”المراجعات” للسيد عبد الحسين شرف الدين، و”دلائل الصدق” للشيخ محمّد حسن المظفر.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج٤ ص٨٢.
__

يوم الولاية

#عيدالغدير

مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى