
في قصر فرعون!
من أجل رسم مثل حيّ لانتصار المستضعفين على المستكبرين، يدخل القرآن المجيد في سرد قصّة موسى و فرعون، و يتحدث بالخصوص عن مراحل يكون فيها موسى في أشدّ حالات الضعف، أمّا فرعون فهو في أقوى الحالات و أكثرها هيمنة… ليتجسّد انتصار مشيئة اللّه على إرادة الجبابرة في أعلى الصور و أحسن الوجوه..
يقول القرآن: وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذٰا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اَلْيَمِّ وَ لاٰ تَخٰافِي وَ لاٰ تَحْزَنِي إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ .
و هذه الآية على ايجازها تشتمل على أمرين و نهيين و بشارتين، و هي خلاصة قصّة كبيرة و ذات أحداث و مجريات ننقلها بصورة مضغوطة: كانت سلطة فرعون و حكومته الجائرة قد خططت تخطيطا واسعا لذبح «الأطفال» من بني إسرائيل حتى أن القوابل [من آل فرعون] كن يراقبن النساء الحوامل [من بني إسرائيل].
و من بين هؤلاء القوابل كانت قابلة لها علاقة مودّة مع أمّ موسى عليه السّلام «و كان الحمل خفيّا لم يظهر أثره على أم موسى» و حين أحست أم موسى بأنّها مقرّب و على أبواب الولادة أرسلت خلف هذه القابلة و أخبرتها بالواقع، و أنّها تحمل جنينا في بطنها و توشك أن تضعه، فهي بحاجة هذا اليوم إليها.
و حين ولد موسى عليه السّلام سطع نور بهيّ من عينيه فاهتزّت القابلة لهذا النور و طبع حبّه في قلبها، و أنار جميع زوايا قلبها.
فالتفتت القابلة إلى أم موسى و قالت لها: كنت أروم أن أخبر الجهاز الفرعوني بهذا الوليد ليأتي الجلاوزة فيقتلوه «و أنال بذلك جائزتي» و لكن ما عسى أن أفعل و قد وقع حبّه الشديد في قلبي، و أنا غير مستعدة لأن تنقص و لو شعرة واحدة من رأسه، فاهتمي بالمحافظة عليه، و أظنّ أن عدوّنا المتوقع سيكون هذا الطفل أخيرا.
ثمّ خرجت القابلة من بيت أمّ موسى فرآها بعض الجواسيس من جلاوزة فرعون و صمموا على أن يدخلوا البيت، فعرفت أخت موسى ما أقدموا عليه فأسرعت إلى أمّها و أخبرتها بأن تتهيأ للأمر، فارتبكت و لم تدر ما ذا تصنع؟! و في هذه الحالة من الارتباك و هي ذاهلة لفت وليدها «موسى» بخرقة و ألقته في التنور فإذا بالمأمورين و الجواسيس يقتحمون الدار، فلم يجدوا شيئا إلا التنور المشتعل نارا… فسألوا أم موسى عن سبب دخول القابلة عليها فقالت: إنّها صديقتي و قد جاءت زائرة فحسب، فخرجوا آيسين.
ثمّ عادت أمّ موسى إلى رشدها و صوابها و سألت «أخت موسى» عن أخيها فأظهرت عدم معرفتها بمكانه، و إذا البكاء يعلو من داخل التنور، فركضت إلى التنور فرأت موسى مسالما و قد جعل اللّه النّار عليه بردا و سلاما «اللّه الذي نجّى إبراهيم الخليل من نار النمرود» فأخرجت وليدها سالما من التنور.
لكن الأمّ لم تهدأ إذ أن الجواسيس يمضون هنا و هناك و يفتشون البيوت يمنة و يسرة، و كان الخطر سيقع لو سمعوا صوت هذا الطفل الرضيع.
و في هذه الحال اهتدت أم موسى بإلهام جديد، إلهام ظاهره أنّه مدعاة للخطر، و لكن مع ذلك أحسّت بالاطمئنان أيضا.
كان ذلك من اللّه و لا بدّ أن يتحقق، فلبست ثياب عملها و صممت على أن تلقي وليدها في النيل.
فجاءت إلى نجّار مصري «و كان النجار من الأقباط و الفراعنة أيضا» فطلبت منه أن يصنع صندوقا صغيرا.
فسألها النجار قائلا: ما تصنعين بهذا الصندوق مع هذه الأوصاف؟ و لكن الأمّ لما كانت غير متعودة على الكذب لم تستطع دون أن تقول الحق و الواقع، و أنّها من بني إسرائيل و لديها طفل تريد إخفاءه في الصندوق.
فلمّا سمع النجّار القبطي هذا الخبر صمم على أن يخبر الجلاوزة و الجلاّدين، فمضى نحوهم لكن الرعب سيطر على قلبه فارتج على لسانه و كلّما حاول أن يفهمهم و لو كلمة واحدة لم يستطع، فأخذ يشير إليهم إشارات مبهمة، فظن أولئك أنّه يستهزئ بهم فضربوه و طردوه، و لما عاد إلى محله عاد عليه وضعه الطبيعي، فرجع ثانية إليهم ليخبرهم فعادت عليه الحالة الأولى من الارتجاج و العيّ، و أخيرا فقد فهم أن هذا أمر إلهي و سرّ خفي، فصنع الصندوق و أعطاه لأم موسى.
و لعلّ الوقت كان فجرا و الناس بعد نيام، و في هذه الحال خرجت أم موسى و في يديها الصندوق الذي أخفت فيه ولدها موسى، فاتجهت نحو النيل و أرضعت موسى حتى ارتوى، ثمّ ألقت الصندوق في النيل فتلقفته الأمواج و أخذت تسير به مبتعدة عن الساحل، و كانت أم موسى تشاهد هذا المنظر و هي على الساحل.. و في لحظة أحست أن قلبها انفصل عنها و مضى مع الأمواج، فلو لا لطف اللّه الذي شملها و ربط على قلبها لصرخت و لانكشف الأمر و اتضح كل شيء.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١٢ ص١٨٠.
__
قوموا لله #تشييع إمام_المستضعفين
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT


