
ثمّ يقول تعالى بصيغة التهديد: إنّ هؤلاء الذين يطلبون أن يروا الملائكة، سوف يرونهم آخر الأمر، لكن يَوْمَ يَرَوْنَ اَلْمَلاٰئِكَةَ لاٰ بُشْرىٰ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ . بلى سوف لن يسرّوا برؤية الملائكة في ذلك اليوم، لأنّهم سيرون علامات العذاب برؤيتهم الملائكة، و سوف يغمرهم الرعب إلى حد أنّهم سيطلقون صرخات الاستغاثة التي كانوا يطلقونها في الدنيا حال الإحساس بالخطر أمام الآخرين، فيقولون: الأمان.. الأمان، اعفوا عنّا: وَ يَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً .
و لكن لا هذه الجملة و لا غيرها لها أثر على مصيرهم المحتوم، ذلك لأنّ النار التي هم أوقدوها ستلتهم أطرافهم شاءوا أم أبوا، و ستتجسد أمامهم الأعمال السيئة التي ارتكبوها، فلا يملكون شيئا لأنفسهم.
كلمة «حجر» (على وزن قشر) تقال في الأصل للمنطقة التي حجروها و جعلوها ممنوعة الورود، و عند ما يقال «حجر إسماعيل» فلأن حائطا أنشئ حوله فحجز داخله. يقولون للعقل أيضا «حجرا» لأنّه يمنع الإنسان من الأعمال المخالفة. لذا نقرأ في الآية (٥) من سورة الفجر هَلْ فِي ذٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ، و أيضا «اصحاب الحجر» الذين ورد اسمهم في القرآن (الآية ٨٠ من سورة الحجر) و هم قوم صالح الذين كانوا ينحتون لأنفسهم بيوتا حجرية محكمة في قلوب الجبال، فكانوا يعيشون في أمانها.
هذا في ما يخص كلمة «حجر».
أمّا جملة «حجرا محجورا» فقد كانت اصطلاحا بين العرب، إذا التقوا بشخص يخافونه، فأنّهم يقولون هذه الجملة أمامه لأخذ الأمان.
كان هذا عرف العرب، خاصّة في الأشهر الحرم، حيث كانت الحرب ممنوعة، فحينما يواجه شخص آخر، و يحتمل خرق هذا العرف و التعرض للأذى، فإنّه يكرر هذه الجملة، و الطرف المقابل أيضا مع سماعة لها كان يعطيه الأمان، فيخرجه من القلق و الاضطراب و الخوف.
على هذا فإنّ معنى الجملة المذكورة هو: «أريد الأمان، الأمان الذي لا رجعة فيه و لا تغيير». اتّضح ممّا قلناه أعلاه، أنّ المجرمين هنا هم أصحاب هذا القول، و تناسب الأفعال الموجودة في الآية، و السير التاريخي، و سابقة هذه الجملة في أوساط العرب أيضا يستدعي هذا، و لكن البعض احتمل أنّ الملائكة هم أصحاب هذا القول، و هدفهم منع المشركين من رحمة اللّه.
و قال آخرون: إنّ أصحاب هذا القول هم المجرمون، يقولونه بعضهم لبعض، و لكن الظاهر هو المعنى الأول، حيث اختاره كثير من المفسّرين، أو ذكروه كأوّل تفسير لذلك. أمّا أي يوم ذلك اليوم الذي يلتقي فيه المجرمون بالملائكة؟ فقد ذكر المفسّرون احتمالين: أحدهما: هو يوم الموت حيث يرى الإنسان ملك الموت، كما نقرأ في الآية (٩٣) من سورة الأنعام: وَ لَوْ تَرىٰ إِذِ اَلظّٰالِمُونَ فِي غَمَرٰاتِ اَلْمَوْتِ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ بٰاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ . و الثّاني: أنّ المقصود هو يوم القيامة و النشور، حيث يكون المجرمون أمام ملائكة العذاب فيشاهدونهم.
و مع الانتباه إلى الآيات الآتية التي تتكلم عن النشور، خصوصا جملة يَوْمَئِذٍ التي تشير إليه، يتبيّن أنّ التّفسير الثّاني هو الأقرب.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١١ ص٢٢٦.
__
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT


