التاريخ الإسلاميالتعليمالفكر و التاريخالقرآن الكريمالقرآن الكريمسادة القافلةمقالات

مفهوم الحق ومجال استعمالاته …

الحمدلله ربّ العالمين، و صلى الله على سيدنا محمد و آله الطاهرين لا سيما بقية الله في الارضين، عجل الله تعالى فرجه و جعلنا من اعوانه و انصاره.
قال الله الحكيم في كتابه الكريم: ﴿ … بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ … ﴾ 1. صدق اللّه العلي العظيم.
من أقدس الالفاظ التي لها مكانة سامية و جمال معنوي خاص في مختلف المجتمعات البشرية هي ألفاظ «الحق» و «العدالة» و قريناتها، و لعلك لا تجد إنسانا يصف نفسه بأنه يقف الى جانب الباطل والظلم ضد الحق والعدالة. بل إن اشد الافراد والحكام ظلماً و جوراً يخدعون الناس بالتشدق بالتزامهم بالحق والعدالة، و يسعون الى اخفاء ما يرتكبونه من الاعمال القبيحة والجرائم المنكرة تحت ستار الأسماء الجميلة كالحق والعدالة؛ إن العلاقة بين هذين المفهومين تتضح اكثر عند معرفة ان العدالة هي «إعطاء كل ذي حق حقه».
ان بحث موضوع الحق والعدالة يتصدر جميع بحوث القيم الاجتماعية، والحكم بحسن الحق والعدالة من الاحكام العقلية البديهية، و ان النزوع نحوهما والتعلق بهما من الغرائز الفطرية الرفيعة، مثلما ان الحكم بقبح الظلم و غمط الحق من الاحكام العقلية البديهية، و ان النفور منهما فطري في الانسان كذلك.
والمعارف الاسلامية تقدر هذه القيم تقديراً خاصا، و ان كثرة ورودها في القرآن الكريم و في احاديث النبي الكريم صلى اللّه عليه و آله، و احاديث اهل بيته عليهم السلام، لشواهد على اهمية هذه المفاهيم في الاسلام.
ولكن الذي ينبغي ان لا يغرب عن البال هو ان للفظة «الحق» استعمالات مختلفة لاعلاقة لبعضها بالبحث الذي نحن بصدده، مثل الحق الذي يعني الشيء الموجود الثابت، او الكلام الذي يطابق الواقع الحتمي الوقوع، و ما الى ذلك.
كما ان «الحق» الذى يطلق اسماً للّه سبحانه و تعالى لا يدخل ايضا في بحثنا هذا، و اذا كان البحث عن الحق و العدالة من الامور الفطرية في الانسان، فانه لا علاقة له بفطرة معرفة اللّه و عبادته، و لا يمكن استنتاج وجود احدهما من وجود الاخر، كما هي حال بعض الذين يحاولون ان يستنتجوا مثل هذا الاستنتاج، فيخلطون بين معنى الحق الاخلاقي و الفلسفي.
ثم ان نطاق استعمال «الحق» في البحوث الحقوقية اضيق من نطاق استعماله في البحوث الاخلاقية و الدينية. ففي المباحث الاخلاقية و الدينية يدور الكلام حول حق اللّه على الانسان، بل و حتى حق الانسان على اللّه، بينما تقتصر المفاهيم الحقوقية على العلائق بين الانسان و الانسان. كما ان لفظة «حقوق» في عرف الحقوقيين، لها على الاقل معنيان:
الاول: هو الامتيازات و الخصائص التي يمتع بها فرد او جماعة، و التي يجب على الاخرين احترامها و عدم التجاوز عليها.
الثاني: هو مجموعة القرارات التي يجب التزام بها، سواء أكانت هذه القرارات على شكل تعيين امتيازات للاشخاص، أم على شكل فرض واجبات و تكاليف على الاخرين، ام كانت احكامها تبين شروط صحة العقود و الاتفاقات. و لفظة «حقوق» طبق لمعنى الاخير مشابهة معنى «القوانين الاجتماعية».
غير ان هذين المعنيين ليسا منفصلين تماما عن بعضهما، اذ ان القوانين الحقوقية ترتبط بشكل من الاشكال بحق الافراد او بحق المجتمع و اذا كان المقصود هو تعيين حق، فانه يستلزم تعيين تكليف او واجب على الطرف الاخر، و اذا كان ثمة تكليف مفروض على احد، فانه يستلزم ثبوت حق للاخرين، و اذا كان ثمة تعيين تكاليف على الافراد جميعاً، فانه كذلك يعنى اثبات واجبات متقابلة على جميع الافراد ايضاً. و تكون النتيجة اثبات حقوق متقابلة بين الافراد. و في الواقع، يمكن تحليل هذه القوانين الكلية الى قوانين جزئية يشمل كل واحد منها حقا أو تكليفاً معيّناً.
و باختصار: ان الحق و التكليف متلازمان، و الاقرار بأحدهما يستوجب الاقرار بالاخر.
وكذلك يكون وضع الاحكام الوضعية، كالجزئية و الشرطية في العقود و الاتفاقات و أمثالها، من الاحكام التي توفر الحقوق و التكاليف المترتبة عليها. 2

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى