نور العترة

كربلاء منتصرة دائما…

مع بداية كلّ عامٍ هجري جديد تتوجّه قلوب الموالين والمحبّين والأنصار لخط أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى كربلاء، أرض البطولة والتضحية والفداء، لتعيش مع الحسين (عليه السلام) وصحبه تلك الساعات العصيبة التي نتج عنها سفك دم أعظم إنسانٍ على وجه الأرض آنذاك مع من معه من الأنصار والأرحام على يد زمرة من الأشقياء الأدعياء الذين زيَّن لهم الشيطان الدنيا في عيونهم وارتكبوا من أجلها الجريمة النكراء التي ما زالت أصداؤها تدوّي في آذان الأجيال إلى اليوم، وستبقى أصداؤها مدوّية إلى أن يتمّ الإنتصار على الباطل وإحقاق الحق.
“هيهات منّا الذلّة” كان شعار الحسين (عليه السلام) الذي رفعه في مواجهة الظروف الضاغطة التي كانت تريد أن تسلب منه حرية الإختيار في اتّخاذ القرار لتجعله تابعاً لحاكمٍ جائر ظالم لا يرى في الدولة إلّا مغنماً لشخصه ولعائلته وحاشيته، ولا يرى في الناس إلّا جهة العبودية للسلطان تنفّذ رغباته وتطيع أوامره ولو على حساب مصالحها وأمنها واستقرارها.
إنّ ذلك الشعار صار هو الرمز لكلّ الأجيال التي أرادت وتريد أن تعيش الحرية والإستقلالية وترفض التبعية والذل، وصارت ترى في الثورة على الظلم والظالمين ولو أدّت إلى القتل والتشريد والتعذيب أهون عليها من البقاء في حياة الخنوع والذل تحت سيطرة الطغاة والمجرمين، وكلٌّ من هؤلاء يقول: (إنّ دمي ليس أغلى من دم الحسين (عليه السلام)، وإنّ روحي ليست أعزّ عندي من روح الحسين (عليه السلام) من نفسه)، فكيف أرضى لنفسي أن تقنع بالحياة السوداء تحت سطوة الجبارين العتاة، بينما الحسين (عليه السلام) يقدّم نفسه رخيصة في سبيل المبدأ والرسالة والهدف الإلهي السامي؟ بل كيف أرضى لنفسي أن أقول إنّي من أتباع الحسين وأنصاره ولا أفعل فعل الحسين (عليه السلام) عندما يدعو الواجب والدين لذلك؟ بل كيف أسمح لنفسي بأن أستمر بالتمتّع بملذّات الدنيا ونعيمها، بينما الحسين (عليه السلام) تخلّى عن كلّ ذلك ليلتحق بربّه عن رغبةٍ وقناعة وقوة؟ بل أكثر من ذلك كيف أقنع من نفسي أن تصوم وتصلي وتحج وتفعل فعل الخير، بينما نداء الحسين (عليه السلام) في كربلاء يدعوني “هل من ناصرٍ ينصرنا، هل من ذابٍ يذبّ عنّا” لأنتفض ضدّ جلاّدي العصر ومصّاصي دماء الأمم والشعوب، فهل هناك صلاة أروع من صلاة المجاهدين في سبيل الله؟ وهل هناك صوم أرفع شأناً من صوم المجاهدين عن زينة الدنيا ومفاتنها؟ وهل هناك حج أروع من الهجرة إلى الله ورسوله عبر رحلة الجهاد والإستبسال في الدفاع عن دين الله عزّ وجلّ؟ بل هل هناك خيرٌ أفضل من الخير الحاصل للفرد والأمة جمعاء من الجهاد عندما تدعو الحاجة إليه ولا مفرّ من سلوكه لإنقاذ عباد الله من وحشية الوحوش الكاسرة؟
لقد زرع الإمام الحسين (عليه السلام) للحياة في كربلاء معنى لن تستطيع كلّ قوى الكفر والشر أن تقتلعه من الأرض ومن النفوس مهما اجتمعت قواهم وإمكاناتهم، لأنّ ذلك الزرع قد أينع في النفوس والعقول والقلوب، وأنتج شموخاً وعزّاً وإباءً لا يمكن أن يرضخ أو يستسلم لغير الله عزّ وجلّ مهما كبرت المؤامرات وقويت شوكة أعداء الله، فكلّ ذلك ما هو إلّا وهمٌ مصطنع في عقول الضعفاء والجبناء والمهزومين والمشكّكين، ولن يتمكن وهمٌ من هنا أو خوفٌ من هناك من أن يميت ذلك النتاج الرائع للزرع الحسيني في الأرواح الناهضة التي ترى حريتها وسعادتها في الدارين وخصوصاً في “الدار الآخرة” في سلوك خط الجهاد الحسيني، لتكون معه هناك بظلال الرحمة الإلهية اللامتناهية.
من هذا المنطلق تحرّك الشباب المؤمن الملتزم والمجاهد في لبنان ليصنعوا تاريخاً جديداً للأمة في ظرفٍ لا يبعد كثيراً في مجرياته وظروفه والأوضاع المحيطة به عن كربلاء، فهناك كانت الأمة نائمة وهنا كذلك، وهناك ركنت الناس للدنيا وزينتها وفي هذا العصر كذلك، وهناك كان سيف الجلاّدين ينتظر المجاهدين ليسفك دمهم وهنا كذلك، ولكن مع هذا انبرت هذه القلة المهتدية الموقنة بربّها وحقّها والملتزمة بنهجها الحسيني لتحوّل نصر العدو الصهيوني الغاشم إلى هزيمةٍ نكراء، ولتحوّل الأمة إلى أمةٍ ناهضة واعية تتمسك بالمقاومة خياراً وهدفاً أوحد لتحرير الأرض والإنسان كما حوّلت كربلاء الحسين (عليه السلام) الأمة إلى أمةٍ ثائرة منتفضة ضدّ الباطل وأهله.
إنّ المقاومة الإسلامية الحسينية بقياداتها ومجاهديها وشعبها تحوّلت إلى الرمز الأكبر للأمة كلّها، لأنّ هذه المقاومة قد أبرزت المخبّأ والمستور في الصدور والذي كان بحاجةٍ إلى من يحرّكه ويثيره في تلك النفوس المستسلمة لواقعها والراضخة لسلطاتها.
إنّ هذا الفعل الحسيني للمقاومة هو العلاج الوحيد للأمة الإسلامية كلّها إذا أرادت أن تحيا بعزٍّ وكرامة، وها هي المقاومة الإسلامية في لبنان التي حوّلت العدو من محتل إلى سجين يتحيّن الفرصة تلو الفرصة للخروج من أرضنا ذليلاً مهاناً منكسراً، ويطرح الإقتراح تلو الإقتراح للخروج بنحوٍ مشرف يحفظ ماء وجه الدولة التي جعلت حول جيشها هالة أسطورية كانت ترعب الدول والشعوب، فإذا بالمقاومة الحسينية تحوّله إلى هباء وإلى خواء وإلى مجرّد وهم لم يعد قادراً على إخافة الأطفال الصغار فضلاً عن الكبار يختبىء من كلّ شيء، ويهاب من كلّ شيء، ويخاف حتى من هبوب الريح وصوت العواصف.
إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) هو صاحب الفضل الأكبر في إنجازات المقاومة، فلولاه لم نتحرك ولم نجاهد ولم ننتصر، وطالما نحن متمسّكون به لن تعرف الهزيمة إلى نفوسنا طريقاً، لأنّ خط الحسين (عليه السلام) لا هزيمة فيه، فإمّا نصرٌ مبين وإمّا شهادة فخر وعزّ وإرادة حياة وانتصار. والحمد لله ربّ العالمين1.

  • 1. نقلا عن الموقع الرسمي لسماحة الشيخ محمد توفيق المقداد حفظه الله.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى