مقالات

شبهة وردها…

نص الشبهة: 

أنتم تقولون : إن سبب غيبة إمامكم الثاني عشر في السرداب هو الخوف من الظَلَمة ، فلماذا استمرت هذه الغيبة رغم زوال هذا الخطر بقيام بعض الدول الشيعية على مر التاريخ ؛ كالعبيديين ، والبويهيين ، والصفويين ، ومن آخر ذلك دولة إيران المعاصرة ؟! فلماذا لا يخرج الآن ، والشيعة يستطيعون نصره وحمايته في دولتهم ؟! وأعدادهم بالملايين ، وهم يفْدونه بأرواحهم صباح مساء . .!!

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين . .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . .
وبعد . .
فإننا نجيب بما يلي :
أولاً : إن الإمام « عليه السلام » حين يخرج ، فإنه يخرج ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، وهذا يحتم عليه محاربة جميع طواغيت الأرض ، والمستكبرين ، ومعهم جميع الكافرين ، والمكذبين به .
ولن يستطيع الشيعة الذين حكموا بعض البلاد ، كدولة إيران المعاصرة دفع كيد هؤلاء ، إلا إذا كان المطلوب هو البطش العالمي بالشيعة ، من خلال اجتماع جميع أمم الأرض على حربهم .
ومن الواضح : أن الظروف الطبيعية في هذه الحال لا تسمح بتحقيق الأهداف المرجوة من خروجه ، بل هي ستؤدي إلى استئصال الشيعة وكل من يحاول أن يمد يد العون للإمام ، وسينتهي الأمر باستشهاده كما جرى للإمام الحسين « عليه السلام » من قبل . . وهذا تضييع للجهد ، ونقض للغرض ، وسفاهة ما بعدها سفاهة .
هذا . . بالإضافة إلى أن هناك مصالح أخرى وراء استمرار غيبته « عليه السلام » ، منها : تمامية الحجة على على جميع البشر . .
وهذه تتضمن أموراً عديدة ، مثل : أن لا يبقى أحد يقول : لو حكمت لعدلت . . وأن ييأس الناس من كل الأطروحات التي تدَّعي أنها أطروحات تحقق العدالة . .
ومنها : أن لا يبقى مؤمن من صلب كافر . .
وغير ذلك .
ثانياً : إن أهل السنة يشاركون الشيعة في الإعتقاد بأن المهدي « عليه السلام » سيظهر ، فنحن نوجه إليهم نفس هذا السؤال ، ونقول لهم :
إن أهل السنة أكثر عدداً ، وأقوى موقعاً في السياسة العالمية ، وفي الإقتصاد العالمي ، وأوسع نفوذاً ، وكل أمم الأرض تخطب ود دولكم ، وانتم ترون حكوماتهم حكومات شرعية ، فلماذا لم يخرج المهدي الذي تعتقدون به ، مع أنكم منذ أكثر من ألف وأربع مائة سنة قد حكمتم أكثر بقاع المعمورة ، وسيطرتم على مقدرات الأرض في طولها وعرضها .
ثالثاً : إن الاعتقاد باختفاء الإمام المهدي « عليه السلام » ليس مما يعاب به الشيعة ، إذ لماذا غاب النبي « صلى الله عليه وآله » في الغار واختبأ فيه ؟!
ولماذا في فترة الدعوة السرية في بدء البعثة دخل « صلى الله عليه وآله » دار الأرقم واتخذها مقراً له ، يأوي إليها أصحابه ، بعيداً عن أعين المشركين ؟!
ولماذا لا يزال الخضر « عليه السلام » غائباً وهو الذي يقول أكثر الأمة : إنه من عهد موسى « عليه السلام » ، وهو حي إلى وقتنا هذا ، باتفاق أهل السير ولا يعرف أحد مكانه ؟! 1 .
وقد غاب موسى « عليه السلام » عن وطنه ، وتوارى عن فرعون ورهطه وقال : ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ 2 ، وبقي على هذا الحال حتى بعثه الله نبياً . .
وقيل : إن غيبته عن قومه وأهله استمرت ثمانياً وعشرين سنة 3 .
وروى أصحاب الحديث : أن الدجال كان في عصر النبي « صلى الله عليه وآله » ، وأنه باق إلى أن يخرج في آخر الزمان 4 .
وقد غاب صالح عن قومه زماناً أيضاً ، وكان يوم غاب عنهم كهلاً ، فلما رجع إلى قومه لم يعرفوه ، وكذبوه ، وشتموه ، وزجروه ، وقالوا : برىء الله منك ، إن صالحاً كان في غير صورتك ، ولكن أهل اليقين منهم طلبوا منه علامة لا يشكون فيها 5 .
وقد غاب يوسف « عليه السلام » عن قومه ، وسجن ، وعمل بالتقية ، مدة من السنين حتى عرفوه . .
كما أن الله تعالى حين أنجى عيسى « عليه السلام » ، قد أخفاه عن الأنظار في مكان ما ، ثم رفعه إليه ، ثم هو سوف ينزله في آخر الزمان . .
فما معنى التشنيع على غيبة الإمام المهدي « عليه السلام » في السرداب ، أو في غيره ؟! فإن من يختفي لا بد أن يختفي في مكان ما ، بحيث يرى فيه آخر مرة ، ثم لا يراه الناس بعدها إلى أن يحين وقت ظهوره . وربما تطول غيبته إلى أن لا يبقى مؤمن في صلب كافر ، أو لغير ذلك من مصالح . .
رابعاً : إن الدولة الصفوية وإن كانت شيعية ، وكذلك دولة إيران المعاصرة ، لكن غير هاتين الدولتين مما ذكره السائل لم تكن دولاً شيعية بمعنى التشيع الإمامي الاثني عشري ، فلا حاجة إلى الخلط بين الأمور . .
والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد وآله . . 6 .

  • 1. راجع : الدر المنثور ج 4 ص 234 وتاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 400 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 250 وقصص الأنبياء لابن كثير ج 2 ص 214 والبداية والنهاية ج 1 ص 380 وفتح القدير ج 3 ص 299 و 300 وتفسير الآلوسي ج 15 ص 322 وفتح الباري ج 6 ص 310 وعمدة القاري ج 2 ص 60 وج 15 ص 299 وتاج العروس ج 6 ص 352 وراجع : كمال الدين ص 386 وبحار الأنوار ج 13 ص 298 و 300 وميزان الحكمة ج 4 ص 3107 وتفسير الميزان ج 13 ص 339 و 352 و 353 وراجع : الجامع لأحكام القرآن ج 11 ص 42 وأضواء البيان للشنقيطي ج 3 ص 333 والإيقاظ من الهجعة ص 137 .
  • 2. القران الكريم : سورة الشعراء ( 26 ) ، الآية : 21 ، الصفحة : 368 .
  • 3. راجع : الإمامة والتبصرة ص 109 وكمال الدين ص 152 و 340 وبحار الأنوار ج 51 ص 216 وتفسير نور الثقلين ج 4 ص 125 ومكيال المكارم ج 1 ص 181 .
  • 4. الغيبة للطوسي ص 113 وبحار الأنوار ج 51 ص 205 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 8 ص 204 وسنن أبي داود ج 2 ص 320 وفتح الباري ج 13 ص 275 والديباج على مسلم للسيوطي ج 6 ص 261 و 262 وتحفة الأحوذي ج 6 ص 436 و 437 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 194 والأحاديث الطوال ص 122 و 123 والمعجم الأوسط ج 5 ص 124 و 125 والمعجم الكبير ج 2 ص 55 و 56 وج 24 ص 386 و 389 ودلائل النبوة ج 2 ص 597 وكنز العمال ج 14 ص 289 ـ 292 و 506 ـ 508 وإمتاع الأسماع ج 9 ص 64 .
  • 5. كمال الدين ص 136 و 137 وبحار الأنوار ج 51 ص 215 و 216 عنه ، وتفسير نور الثقلين ج 2 ص 45 و 46 .
  • 6. ميزان الحق (شبهات . . و ردود) ، السيد جعفر مرتضى العاملي ، المركز الإسلامي للدراسات ، الطبعة الأولى ، سنة 1431 هـ ـ 2010 م ، الجزء الأول ، السؤال رقم (26) .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى