نور العترة

خلاصة منهج الرضا عليه السلام الأخلاقي

بسم الله الرحمن الرحيم

حدّد الإمام الرضا عليه السلام أبعاد الحياة الأخلاقيّة بثلاثة اُمور ، أوّلاً : علاقته بالله سبحانه وتعالى ، ثانياً : علاقته بالمجتمع ، وثالثاً : علاقته بالنفس.

ففي مجال التعامل مع الله سبحانه أكّد على حبّ الله ، وأكّد على ضرورة تعلّق قلب المؤمن بحبّه تعالى ، لأنّ حبّ الله عزّ وجلّ هو جوهر العبادة الحقيقيّة ، فقد كان يؤثر مراد الله على مراده. وأكّد على حسن الظنّ بالله سبحانه ، فانّه عزّ وجلّ يقبل القليل من العمل بشرط ان تكون نيّة العمل مبنيّة على أساس التقوى.

وحثّ على التوكّل على الله سبحانه باعتبار ان لا فاعل إلّا الله ، ولا موجد ولا محي إلّا هو سبحانه ، و انّه لا حول ولا قوّة إلّا به ، وأعلن بانّ حدّ التوكّل هو ان لا يخاف الإنسان أحداً إلّا الله.

وقد أشار على المؤمنين بان يتلبسوا بصفة التقوى ، وهي تجنّب معصية الله ، وهي صفة جامعة لجميع مراتب الإيمان ، ودعاهم إلى التبصر في المناهي الآلهية والورع عن محارمه تعالى.

أمّا ذكر الله وتسبيحه ، فقد كان شغله الشاغل. وقد أكّد على انّ العبادة ليست بالصلاة والصيام ، وانّما أيضاً بالتفكّر في خلق الله والتأمّل في آياته ، واعتبر التفكّر مفتاح العبادة الحقيقيّة.

وفي مجال العلاقات الإجتماعيّة بنى الإمام الرضا فلسفته على ثلاثة اُمور ، وهي متطابقة بالتأكيد مع نظرة القرآن للعلاقات الإجتماعيّة.

الأمر الأوّل : المسألة الأخلاقيّة ، حيث انّ الإلزام والمسؤوليّة والجهد المبذول لتقوية العلاقات الإجتماعيّة ، وبناء المجتمع السليم ، انّما هي قيمة أخلاقيّة عليا ، على الإنسان المؤمن ان يلتزم بها ، باعتباره إنساناً واعياً جديراً بتحمّل هذه المسؤوليّة وهذا الشرف الرفيع.

الثاني : انّ الإسلام أكّد في حثه على صلة الرحم ، وإكرام الوالدين وإطعام الفقير والمسكين ، وتكريم اليتيم وغيرها من الاُمور التي تنمي الصلاة الإجتماعيّة ، أكّد على انّ هذه الأعمال انّما هي اُمور تعبديّة يتقرّب بها الإنسان إلى الله تعالى ، ويثاب عليها. فهي أوامر صادرة من المولى عزّ وجلّ وهو في مقام البيان.

الثالث : انّ الإسلام أراد للإنسان المؤمن ان يصل إلى مراحل متقدّمة من الكمال ، فأراد بتثبيت العلاقات الإجتماعيّة على صعيد مساعدة الفقراء وصلة الرحم وإكرام اليتيم … ان يبرز مفهوم التكامل الإجتماعيّ ، الذي يتولّاه أفراد المجتمع بعضهم لبعض ، وهو غير الضمان الإجتماعي الذي تتبنّاه الولاية والحكومة في الدولة الإسلاميّة.

ومن هذا المنطلق أكّد الإمام الرضا على انّ الاخوّة الحقيقيّة هي اخوّة الايمان وعدم معصية الباري عزّ وجلّ وليس اخوّة الدم والقربى وحث على صلة الرحم ولو بكفّ الأذى عنهم ، لأنّ صلة الرحم خطوة أوّلية للإعتناء بأمر الأمّة والمجتمع الكبير.

وأكّد على عدم إهانة الفقير والمحتاج والسائل ، بل قرّر انّه من المستحبّ ستروّجه المعطي عن السائل مخافة ان يرى ذلّ السؤال في وجهه.

وحبّب العفو عن الجاني ، إذا كانت لديه حجّة معقولة يحتجّ بها عن فعله.

وأكّد على التودّد إلى الناس ومداراتهم.

وأكّد على طلب العلم والتفقّه في الدين ، باعتبار انّ الفقهاء هم حملة رسالة التوحيد بعد الأئمّة والأنبياء عليهم السلام. وباعتبار انّه لا منقذ للإنسانيّة من محنها المتوالية على طول التاريخ غير هذا الدين الإلهي العظيم.

وأشار إلى اسداء النصيحة والمشورة إلى الحاكم ، وتوجيهه نحو تطبيق الشريعة.

وشدّد على قضيّة اكرام الوالدين باعتبارهم أصل وجود الإنسان ومنبعه ، والتوسعة على الاُسرة باعتبارها نواة لمجتمع كبير ، فإسعادها هو إسعاد للمجتمع الكبير.

وكانت أخلاقيّته الحقيقيّة هي ترجمته لمبادئه في الأخلاق إلى الواقع العملي ، فكان يتعامل مع الناس تعاملاً شغافاً طيّباً. وكان كريماً سخيّاً مع الناس ، ينفق على الفقراء والمحتاجين ، وكان لا يردّ السائلين أبداً.

وفي مجال مالشخصية الإسلاميّة ، وهو أخلاقيّة التعامل مع النفس ، فقد أشار الإمام إلى الصفات الواجب توافرها في أيّ شخصيّة إيمانيّة تبتغي تحقيق نشر رسالة التوحيد ومرضاة الله ، وإرتقاء سلم الكمال ، فحبّب الصمت والاعراض عن الجاهلين لإبطال جهلهم. وأكّد على الحذر والكتمان حفاظاً على الدين من عيون السلطة الظالمة وجواسيسها.

وأكّد على طلب العلم باعتباره سلاحاً نافذاً يستخدمه المؤمن في التحرّك في ساحة الحياة ، وحثّ على بذل الجهد في سبيل تحصيله. ودعا إلى معرفة النفس عن طريق العقل ، ومحاسبتها محاسبة شديدة لتنبيهها على التفريق بين الخير والشرّ.

وأوصى بالصبر في الحياة ، باعتبار تمحيصاً حقيقيّاً للإيمان ، ومفتاحاً للفرج ، وهو صبر على طاعة ، وصبر عن المعصية ، وصبر على ابتلاءات الدنيا و محنها.

وكانت موعظته بالكلمة الطيّبة ، والحجّة البالغة واحدة من أهمّ مظاهر شخصيّته الأخلاقيّة. وكانت القناعة في تفكيره تنزهاً عن لئام الناس ، وطريقاً للوصول إلى مرضاة الله سبحانه.

وأشار الإمام إلى انّ العمل القليل الدائم القائم على اليقين والبصيرة ، أفضل من العمل الكثير المنقطع. والحقيقة انّ هذا الرأي يجب ان يكون منهجاً من مناهج العمل الإجتماعي والسياسي في الإسلام وأشار إلى ضرورة تنظيم الوقت وتقسيمه ، حتّى لا يضيّع وقت الإنسان الثمين في اُمور لا تنفع.

وأخيراً أوصى بالليّن والتواضع والخلق الحميد ، وهي من العبادات المقرّبة إلى الخالق عزّ وجلّ.

أمّا عناصر الأخلاق عند الإمام فهي كما يلي :

۱ ـ الالزام : وفكرته ان النفس الإنسانيّة جبلت على الإحساس بالخير والشرّ ، وانّ الله لم يجبر العباد على طاعته ، وانّما ألزمهم إلزاماً بواسطة العقل.

۲ ـ المسؤوليّة : وهي الإستعداد الفطري والقدرة على إلزام الإنسان نفسه ، بإيفاء التزامه ، وهي الأمانة التي كلّف الله الإنسان بحملها لأنّه أهل للتكليف.

۳ ـ الجزاء : وهو انّ الإنسان يجب ان يثاب على عمل الخير ، و يعاقب على عمل الشرّ.

٤ ـ النيّة والدوافع : لا يرتضي الله من الإنسان أيّ عمل ما لم يكن فيه إرادة وعزم وتصميم لتحقيق ذلك العمل بنيّة القربة إليه تعالى.

٥ ـ الجهد : لا يمكن أداء التكاليف الشرعيّة بدون بذل جهد خاصّ بذلك ، ولا يمكن للإيمان ان يتحقّق ما لم يزدوج الفكر بالعمل ، والقول بالفعل.

هذه ، لمحات موجزة عن فلسفة أخلاقيّة الإمام الرضا عليه السلام والحمد لله ربّ العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى